
تتعرض الدكتورة فداء الحوراني في الآونة الأخيرة لحملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، يبدو أن أحد أهدافها إبعادها عن المشاركة في الحياة السياسية السورية الجديدة، ليس بسبب موقف سياسي اتخذته اليوم، وإنما بسبب اسم والدها الراحل أكرم الحوراني.
وهنا لا بد من التوقف عند سؤال بسيط: هل يرث الأبناء أخطاء آبائهم السياسية كما يرثون أسماءهم؟
يمكن لأي سوري أن يختلف مع أكرم الحوراني، وأن ينتقد بعض خياراته السياسية، وأن يناقش دوره في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ سورية. فهذا حق مشروع، والتاريخ ليس مقدساً ولا ينبغي أن يتحول رجاله إلى شخصيات فوق النقد.
لكن ما ليس مشروعاً هو أن نحاكم ابنته بما فعله والدها، أو أن نحملها مسؤولية أحداث وقعت قبل ولادتها أو في طفولتها، ثم نستخدم ذلك ذريعة لإقصائها من الحياة العامة.
أكرم الحوراني كان شخصية سياسية سورية بارزة، أسس الحزب العربي الاشتراكي، ودافع عن الفلاحين والطبقات الريفية الفقيرة، وكان من أبرز الأصوات المطالبة بإصلاح الواقع الزراعي والاجتماعي في سورية. كما شغل رئاسة مجلس النواب السوري، وتولى مناصب سياسية عديدة. وفي المقابل، فإن مسيرته السياسية كانت جزءاً من مرحلة مليئة بالصراعات والانقلابات والتحولات، ومن حق المؤرخين والسياسيين أن يختلفوا حولها ويقيّموها.
لكن فداء الحوراني ليست أكرم الحوراني.
فداء طبيبة بنت مشفاها في حماة، ودفعت ثمناً سياسياً لمواقفها قبل الثورة السورية؛ كانت من أبرز المشاركين في إعلان دمشق، وانتُخبت رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق، ثم اعتقلها نظام الأسد وحكم عليها بالسجن. وبعد انطلاق الثورة، وقفت إلى جانبها، وأسهمت في معالجة جرحى المتظاهرين في حماة، واضطرت لاحقاً إلى مغادرة سورية تحت ضغط النظام.
هذه الوقائع ينبغي ألا تمحى من الذاكرة السورية لمجرد أن البعض لا يعجبه اسم عائلتها.
ومن المفارقات أن بعض الذين يهاجمون فداء اليوم ولدوا بعد رحيل والدها، ولم يعايشوا المرحلة التي يتحدثون عنها، ولا قرأوا تاريخها بما يكفي، وإنما يكررون ما وجدوه على منصات التواصل وكأنه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.
فلنحاسب الإنسان على أفعاله، لا على نسبه.
إذا كان هناك نقد سياسي لفداء الحوراني، فليكن نقداً لمواقفها هي، ولما تقوله أو تفعله اليوم. أما محاكمتها بسبب والدها، فهذا ليس عدلاً ولا ديمقراطية، بل هو شكل آخر من أشكال الإقصاء السياسي الذي عانى منه السوريون طويلاً.
سورية الجديدة التي حلم بها السوريون لا ينبغي أن تقوم على الثأر من الأسماء والعائلات، وإنما على دولة المواطنة والقانون، حيث يكون المعيار هو ماذا فعل الإنسان؟ وماذا يقول؟ وماذا يقدم لوطنه؟
ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف فداء الحوراني لا يعني تبرئة أكرم الحوراني من أخطاء التاريخ، وإنما يعني ببساطة أن نضع كل إنسان أمام مسؤوليته الشخصية.
فلا ذنب لفداء أن تكون ابنة أكرم الحوراني، كما لا يجوز أن تكون هذه القرابة جواز مرور لها أو حكماً عليها.
لقد عاشت فداء تجربتها السياسية الخاصة، وسجنت بسبب مواقفها، ووقفت مع السوريين في ثورتهم، ولذلك فإن من حقها، كأي مواطن سوري، أن تشارك في بناء سورية الجديدة وأن تُقيّم على أساس حاضرها ومواقفها، لا على أساس اسم أبيها.
فلنختلف معها إن شئنا… ولكن لنحاكمها هي، لا والدها.
المصدر: كل العرب






