أصالة تغني.. وسوريا تسأل: هل يحق لنا أن نفرح؟

صفوان جمّو

لم يكن حفل أصالة نصري في دمشق، قبل أيام، مجرد أمسية غنائية. فقد تحول سريعاً إلى نقاش واسع بين السوريين حول الفن والدين والحرية والواقع الاقتصادي، وكأن الحفل وضع أمام الناس مرآة تعكس اختلاف تجاربهم ونظرتهم إلى الحياة بعد سنوات طويلة من الحرب والخوف والفقد.

هناك من استقبل عودة أصالة بالغناء والفرح، ورأى في الحفل لحظة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية التي حُرم منها السوريون طويلاً. بالنسبة إلى هؤلاء، ليس من العدل أن يبقى السوري أسير الحزن، وأن يتحول الفرح إلى تهمة. فالموسيقى، في نظرهم، جزء من الحياة، ومن حق الناس أن يلتقوا ويحتفلوا ويستمعوا إلى فنان يحبونه.

في المقابل، ظهرت أصوات دينية ومحافظة تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. فبعض رجال الدين والتيارات المحافظة يتحفظون على الموسيقى والغناء أو على بعض أشكال الحفلات، انطلاقاً من فهم ديني وأخلاقي له جذوره في النقاش الفقهي الإسلامي. ومع وجود اختلافات بين العلماء في تفاصيل هذه المسألة، يبقى من حق أصحاب هذا الرأي التعبير عن قناعاتهم، كما يبقى من حق الآخرين ألا يتبنوا هذه القناعة.

المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى اتهام. فليس كل من انتقد الحفل «متشدداً»، وليس كل من حضره بعيداً عن الدين أو غير مكترث بقضايا الناس. وربما تكون سوريا، بعد كل ما مرت به، بحاجة إلى أن تتعلم هذه القاعدة البسيطة: يمكن أن نختلف حول الفن من دون أن نختلف على إنسانية بعضنا.

لكن الجانب الأكثر حساسية في الحفل ربما لم يكن الغناء نفسه، بل سعر التذكرة، 500 دولار. ويصبح الرقم أكثر دلالة عندما نقارنه بدخول شهرية لبعض السوريين لا تتجاوز 100 أو 200 دولار. بالنسبة إلى شخص يعيش بهذا الدخل، لا تبدو 500 دولار مجرد ثمن لأمسية فنية، بل مبلغاً قد يعادل عدة أشهر من حياته واحتياجات أسرته.

وهنا يصبح الاعتراض مفهوماً، حتى لو لم يكن صاحبه ضد الفن. فالمشكلة ليست بالضرورة في أن يدفع شخص ميسور هذا المبلغ لحضور حفل، وإنما في الفجوة التي تكشفها مثل هذه الأسعار بين شرائح المجتمع. كيف يشعر من يكافح لتأمين الطعام أو الدواء أو السكن عندما يرى فعالية فنية يبلغ سعر تذكرتها عدة أضعاف دخله الشهري؟

لكن المسألة تطرح سؤالاً أوسع: هل المشكلة في الحفل، أم في اتساع الفجوة الاقتصادية داخل المجتمع السوري؟ وهل تستطيع سوريا أن تستعيد الحياة الثقافية والترفيهية، من دون أن تغفل في الوقت نفسه عن ملايين الناس الذين ما زالوا يعيشون تحت ضغط الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة؟

ربما نحن أمام أكثر من حقيقة في وقت واحد. السوريون يحتاجون إلى الفرح، والسوريون أيضاً يعيشون واقعاً اقتصادياً قاسياً. ومن حق رجل الدين أن يقول إن هذا النوع من الاحتفال لا ينسجم مع قناعته، ومن حق الفنان أن يقدم فنه، ومن حق الجمهور أن يفرح، ومن حق الفقير أن يسأل عن معنى تذكرة تتجاوز قدرته الشهرية بأضعاف.

وهنا ربما تكمن أهمية ما حدث. فعودة الحفلات والفن إلى دمشق ليست مجرد عودة إلى الترفيه، بل جزء من عودة الحياة العامة بعد سنوات طويلة من الحرب. والمجتمع الذي خرج من الخوف يحتاج إلى أكثر من الحفلات والموسيقى؛ يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها المختلفون أن يعيشوا معاً، وأن يعبر كل منهم عن قناعته من دون أن يسعى إلى إلغاء الآخر.

قد يكون الفرح ضرورياً، وقد يكون الاعتراض مشروعاً، وقد يكون الفقر هو الحقيقة الأكثر إيلاماً في المشهد. لكن التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة هو أن تتسع لهذه الحقائق كلها في الوقت نفسه.

فربما لا يكون السؤال الأهم: هل كان ينبغي إقامة حفل أصالة أم لا؟ بل سؤالاً أكبر: هل تستطيع سوريا أن تصبح بلداً يستطيع فيه المتدين أن يعترض، والفنان أن يغني، والجمهور أن يفرح، والفقير أن ينتقد، من دون أن يتحول أي من هؤلاء إلى خصم للآخر؟

إذا نجحت سوريا في ذلك، فإنها لن تكون قد استعادت حفلاتها وأغانيها فقط، بل تكون قد بدأت تستعيد شيئاً أعمق: قدرة السوريين على الاختلاف من دون خوف، وعلى العيش معاً من دون أن يطلب أحد منهم أن يكونوا نسخة واحدة من بعضهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى