غرباء في ديار الضاد.. كيف تبتلع الأسماء الأجنبية لافتات المدن السورية؟

    زيد قطريب

يقاتل حرف الضّاد منفرداً، لحماية لغته الأم، في اللافتات والإعلانات وأسماء مراكز التسوق والمحال الضخمة، وأسماء الأحياء السكنية التي تنشئها مشاريع العقارات الحديثة، حيث تُعتمد الأسماء الأجنبية، رغم وجود قوانين تحمي اللغة العربية وتلزم الجميع باستخدامها. هكذا، لم يكد حرف الضاد، ينجو من اللغات التي فرضها الاستعمار قبل الاستقلال، حتى وقع تحت تهديد التسميات الأجنبية التي تعتمد تحت أكثر من ذريعة.

محال الحلاقة والدكاكين الصغيرة وحتى البسطات، راحت تعتمد الأسماء الأجنبية، كنوع من جذب الزبائن أو للظهور بشكل مختلف، مع غياب تام للترجمة العربية، حيث يضطر الزبائن لاستخدام الاسم الأجنبي، فيما يشبه تدجيناً لغوياً يتفاقم مع الوقت.

ورغم أن سوريا، كانت قد حققت سبقاً عربياً، في تعريب مناهج الجامعات العلمية والطبية، وفيها تأسس أول مجمع للغة العربية عام 1919، لكن ظاهرة الأسماء الأعجمية تنتشر اليوم بكثرة، تساندها مصطلحات الصناعات المختصة بالاتصالات وأجهزة الخلوي وشبكة “الإنترنت”، ما يشكل خطراً على المعجم العربي، كما يقول الدكتور المختص باللغة العربية طارق عريفي، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: “لا بد من إطلاق حملة تعريب واسعة، تطبق قوانين حماية اللغة العربية، لنضع حداً لأحد أهم المخاطر التي تعصف بلغة الضاد”.

قوة اللغة من قوة المجتمع

وتقول الباحثة الاجتماعية أليسار فندي، لموقع تلفزيون سوريا، إن قوة اللغات عالمياً ومحلياً، ترتبط بقوة المجتمعات ومشاركتها في صنع الحضارة البشرية بكل ما تعنيه من اكتشافات واختراعات. وتضيف: “اليوم هناك مفهوم سائد عند الشباب، بأن استخدام اللغات الأجنبية في التعبير وتسمية الأماكن، دليل رقي ثقافي، لذلك نلاحظ انتشار لغة ثالثة هي مزيج من الإنكليزية والعربية”.

وترى فندي أن فرض تعريب أسماء المحال ومراكز التسوق، وغيرها من الأماكن، ضرورة إجرائية لحماية اللغة العربية.

ويؤيد الأديب الدكتور طارق عريفي، تطبيق التعريب كمنهج في الدولة، ويقول: “اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما جزء من الهوية والثقافة”، ويحذر من انتشار الضعف بقواعد العربية عند الأجيال، التي تتراجع صلتها بلغتها الأم.

التعريب في القوانين السورية

إضافة لتأكيد المادة 4 من الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المؤقت أحمد الشرع، يوم 13 مارس 2025، أن اللغة الرسمية للدولة هي العربية، هناك عدة قوانين تشدد على التعريب، منها مرسوم إحداث “اللجنة المركزية لتمكين اللغة العربية” الصادر عام 2007، والتي تتفرع منها عدة لجان تعمل في جميع الوزارات والمحافظات لضمان تطبيق التعريب في المعاملات الرسمية.

ويلزم القانون، أصحاب القطاع الصناعي والتجاري والاستثماري، بتعريب أسماء الشركات والفنادق والمطاعم والمراكز التجارية، على أن تمنح البلديات تراخيصَ للافتات ولوحات الإعلان، إذا كان الاسم العربي هو الأساس وبخط أكبر من الخط الأجنبي، كما تفرض عقوبات على المخالفين تصل لإلغاء الترخيص.

وفي عام 2008، أعيد التركيز على تعريب أسماء المحال واللافتات والإعلانات، عندما اختيرت دمشق عاصمة للثقافة العربية، مع استثناءات للمستثمرين الأجانب الذين يفتتحون فروعاً لشركاتهم في سوريا.

لكن تطبيق هذه القوانين على الأرض ليس بالمستوى المطلوب حتى الآن، فقد أعلن مؤخراً عن مشروع عقاري ضخم شمال غرب دمشق باسم “شام فيو”، كما أعلن عن مشروع في حمص باسم “بوليفارد حمص”، فضلا عن الأسماء الأجنبية التي تكتسح محال البيع ومراكز التسوق في جميع المدن السورية!.

ويقول الدكتور عريفي، إن ذلك يشكل انتقاصاً من العربية وعدم التزام بالقوانين التي تشدد على تعريب الأسماء والمشاريع كمنهج ثقافي تربوي تعتمده سوريا.

الضعف اللغوي لا يقل خطورةً عن الأسماء الأعجمية

ويثير عريفي موضوع الضعف اللغوي عند شريحة واسعة من أبناء الجيل الذين لا يتقنون قواعد النحو والصرف والإملاء، ويقول: “أعتقد أن التعريب وحده لا يكفي، لا يمكن أن نطالب الناس بالحفاظ على العربية في أسماء الأماكن، بينما نعاني في الوقت نفسه ضعفاً عاماً في استخدام اللغة”.

ويشير إلى ضرورة أن يلتزم مسؤولو المحافظات بقوانين التعريب، قبل إعطاء تراخيص السجلات التجارية والصناعية للمهن المختلفة، وأهمها الاسم العربي للمشروع.

أولى حملات التعريب تاريخياً في سوريا

وتعود خطوات التعريب الأولى في سوريا، إلى عام 636 ميلادية، حيث بدأ العربية بالانتشار وتطورت مع وصول عبد الملك بن مروان للحكم وتعريبه للدواوين مع نهاية القرن السابع الميلادي. كما يقول الدكتور عبد الوهاب أبو صالح، الباحث في علم الآثار وتاريخ الأديان، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا:

“كان هناك ثلاث لغات منتشرة في سوريا قبل العربية، هي اللغة الإغريقية وهي اللغة الرسمية، لغة المراسلات والدواوين وتستخدم بشكل رسمي في الدولة والمعاملات، أيضا اللغة اللاتينية التي كانت تستخدم في بعض المؤسسات الإدارية التي كانت موجودة وهي بيزنطية”.

أما اللغة السورية التي كان يتحدث بها السوريون، فيقول أبو صالح: “اللغة الشعبية التي كان يتحدث بها السوريون، هي اللغة الآرامية أو السريانية، وهي الأوسع انتشاراً. وعندما قام عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين، ساهم السريان بشكل كبير بتلك النقلة، من الإغريقية إلى العربية، لكونهم يتقنون الإغريقية والعربية”.

نسب متباينة للأسماء الأجنبية في الأسواق

تنتشر الأسماء الأجنبية بنسب مختلفة في أسواق المدن السورية، ففي شارع الحمرا بدمشق، تتجاوز نسبتها 50%، فمن بين كل 10 محال، هناك ما بين 5 إلى 6 محال تستخدم الأسماء الأجنبية، أو تضع الأسماء العربية والأجنبية بشكل مخالف، يطغى فيه الاسم الأجنبي على العربي. وتتقارب النسبة في الشارع الرئيسي بجرمانا في ريف دمشق، إذ تتراوح بين 4 إلى 5 محال لافتاتها أجنبية مقابل 5 عربية. أما في حماه فتنخفض النسبة إلى 30% تقريباً، أي 3 محال أجنبية مقابل 7 محال أسماؤها بالعربية.

هل يأخذ مجمع اللغة العربية ولجنة تمكين اللغة العربية دورهما؟

تبعاً لتراخيص المحال التجارية ومراكز التسوق، التي يمنحها المحافظون في المدن السورية، لا نجد دوراً لمجمع اللغة العربية أو لجان تمكين اللغة العربية، حيث تشترط الأوراق الرسمية موافقة هاتين الجهتين على الاسم الذي يختاره صاحب المحل أو المشروع.

وربما ما يزيد الطين بلة، وجود بعض المشاريع الحكومية المسماة بأسماء أعجمية مثل “شام فيو” و”بوليفارد حمص” كما أسلفنا. ما يجعل التحديات أمام لغة الضاد أكبر وأوسع، وربما تكفي جولة واحدة في دمشق أو غيرها من المدن، لاكتشاف كارثة الأسماء الأجنبية الغالبة على الشركات والأبنية والسوبرماركات.

يبدو أن حرف  الضاد، سيبقى يخوض حربه وحيداً ضد اللغات الأعجمية، إلى أن تتفعّل المؤسسات المعنية بالتعريب، لتنقذ لغةً من أقدم اللغات وأعرقها، وقد وصف الشاعر وقعها على الأسماع بالقول “.. كانت لنا برداً على الأكباد”، وليس “تشويهاً على الأسماع” كما يجري اليوم؟.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى