حكايات قريتنا – الكتاب الثاني – الجزء التاسع

د.عيسى بن ضيف الله حداد

أحداث وحدة 1958 وثورة العراق

صيف عام – 1958

ضاق أبي ذرعاً، برحلته الموسمية الصيفية إلى ظهور الشوير اللبنانية، قرر البحث عن عمل في دمشق. كثيرون من أبناء قريتنا سبقونا إليها، وحصلوا على عمل لهم، وها هم في وضعية مستقرة. لعله من نعم النظام السياسي من خلال نهجه الجديد، المتمثل في الاهتمام بالقطاعات الشعبية.

منذ شتاء هذا العام رحل أبي وأمي وأخوتي الصغار إلى دمشق، بقيت الدار في القرية في عهدة جدتي.

حصل أبي على عمل في معمل الأحذية في القابون، وأستأجر حجرة صغيرة في منطقة المأمونية، الواقعة على التخوم الشرقية من حي القصاع.

عندما أزفت العطلة الصيفية، مكثتُ أيام قليلة في القرية، ودعت جدتي والتحقت بأبي وأمي في دمشق. قُيظ لي بعد إنهائي لتدريبات معسكر الفتوة، الحصول على عمل في ذات المعمل مع أبي.

نظراً لصغر جسدي، اختار لي مراقب العمل مهمة منوطة بالفتيات، وهي صباغة ما يدعى بالجزمات. في حين قد أنيط بالشبان والكهول أعمالاً أخرى، تستدعي قوة العضلات. كن الفتيات أكثر براعة مني، تجلت مهارتهن بقدرتهن بعدم تلويث ثيابهن بالأصبغة.. في حالتي ما برحت بقع الصباغ تنتشر في ثيابي، وتلطخ وجهي.. منظري في آخر النهار مدعاة للابتسام.

تذكرت عذابات العمل في ظهور الشوير في لبنان، وجدتني وذوي في حال أفضل، هنا عمل له ساعات محددة، بأجرة معقولة، وفي دمشق.. فيها ينبض قلبنا. دأب يؤرقني كوني بين الفتيات. طالبت بعمل كالشبان.. أمتحن مراقب العمل قوتي في ” المكبس”، كالكبار، وجدها تكفي.. غدوت أعلو المكبس وأضغط عليه بقوة ومرح.

كنا نقطن حجرة صغيرة نتراكم فيها كيفما شاء.. لكنها حجرة وليست خيمة.. تلتحق الحجرة بطرف مسكن زراعي، يقع بدورة في منطقة زراعية بدأت تفقد وظيفتها، غزتها مساكن عشوائية، بنيت كيفما كان.. احتل هذه المساكن شتات من الناس، قدموا من شتى بقاع البلاد، بحثاً عن العمل والرزق.

كرست يوم العطلة الأسبوعية للتجوّل في دمشق، زرت جامع بني أمية والمكتبة الظاهرية، مخترقاً باب توما والقيمرية.

تجولـتُ في شارع أبي رمانة، ونظرت عن كثب في كتب المركز الثقافي العربي.. قيظ لي بعض الوقت للقراءة.. أجل أني في سعادة غامرة.

🛑

في معترك السياسة

بدأ حزيران صيفنا باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية بين أنصار شمعون والقوى العروبية، ترافقت هذه الحرب بتدخل القوى الدولية والإقليمية. الجمهورية العربية المتحدة من طرف، والأردن ومجموعة حلف بغداد وحلف الأطلسي في الطرف المقابل التزمت فرنسا– ديغول، الحياد.

تتوارد الأنباء لنا عن الأحداث اللبنانية كالآتي: كان حلفاء شمعون في الداخل اللبناني يتكون من الميليشيا التابعة له، ومن حزب الكتائب والحزب القومي السوري.. في المقابل القوى العروبية المدعومة من قبل الجمهورية العربية المتحدة.

استهدف التحالف الشمعوني اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم، ولاسيما مخيم شاتيلا وتل الزعتر. أدى إلى مقتل 1800 فلسطيني وطرد 15000 من أصل 150000 لاجئ، أي بما يعادل 1/10 من الفلسطينيين المتواجدين على الأرض اللبنانية.. عبر هذه الحرب حاول شمعون تعديل الدستور لتجديد رئاسته.

على حين غرة، اندلعت ثورة 14 تموز في العراق، زال العهد الملكي وذهب نوري السعيد إلى غير رجعة توجت انتصاراتنا بقادم جديد.

هرعت الجماهير في سورية إلى الشارع لتستكمل عرس الانتصار.. دخل في روعنا، أن جمهوريتنا العربية المتحدة الوليدة ستمتد إلى بلاد الرافدين.

على الفور نزلت قوات أمريكية في لبنان، بناء على طلب كميل شمعون. وبدوره حل في الأردن الجيش البريطاني.

في الثامن عشر من تموز، حضر عبد الناصر إلى دمشق قادماً من موسكو، وكان في زيارة لها.. من كل حدب وصوب وبعفوية أتت الجماهير لتحيي القائد الكبير. بفرح غامر اتخذت مكاني في دمشق بين الجماهير المحتشدة أمام قصر الضيافة في أبي رمانة. أصفق بدوري وأهتف: ناصر.. ناصر..

انفرجت الحرب الأهلية اللبنانية عن وصول فؤاد شهاب، قائد الجيش إلى رئاسة الجمهورية، كموقف وسط فرضه الواقع على الجميع.

كان صيفنا عرساً حقيقياً. كان لي بهجة، لم يكن لي عهد بها في حياتي الماضية.

🛑

العام الدراسي 1958 – 1959

أقبل أيلول.. إلى الدراسة يا ربعنا.. قرر أبي أن نواصل دراستنا، أنا وأخي وأختي في درعا. رأى أن مناخ الدراسة في درعا أكثر ملاءمة لنا.. لم نعارض. تساءلت في سري.. لم…؟

كنت على ثقة مطلقة بحكمته وسداد بصيرة أبي.. اكتشفت مع الأيام صواب نظره.. كان قد قدر صعوبة تكيفنا مع الوسط.

دمشق غير درعا، هنا تسيطر الوفرة والغنى لا في درعا.. للتلامذة هنا ثياب زاهية في درعا متواضعة.. السكنى هنا خانقة في درعا متسعة.. المدينة مزدحمة -درعا قرية كبرى.. أبي بتواضع تعليمه قد استوعب بتجربته، نفسية الفتيان، وببداهته سيكيولوجيا التعليم.

الأحداث السياسية تداهمنا: لم تجد أقدامنا بعد مواقعها في مقاعدنا الدراسية، حتى تدفقت من كل حدب وصوب الأحداث السياسية. كانت قاتمة حيناً وحيناً آخر ندية. لم تكن المسألة عصية علينا، كنا على درجة من الكفاءة القادرة على التقاط الأخبار.

نحن الطلبة من البعثيين، بالرغم من حل تنظيمنا، بقي بيننا درجة من التماسك المتين، كما لو قام بيننا دون إدراك منا، شكل خفي وعفوي من التنظيم.

تصدّر العراق اهتمامنا، لم ينقض شهران على قيام الثورة في العراق حتى دب الانقسام، بين تيار وحدوي يقوده عبد السلام عارف ورشيد عالي الكيلاني، وتيار مضاد يقوده عبد الكريم قاسم.

ضم التيار الوحدوي: البعث والقوميون العرب وضباط الاتجاه القومي. اصطف في الجانب المقابل: الشيوعيون والحزب الوطني الديموقراطي، بزعامة الجادرجي.

في 11/9/1958: استطاع قاسم تنحية عارف من موقعه كقائد للقوات المسلحة للجيش، وبدت كفته هو وحلفه بالرجحان.

توالت الأنباء عن اندفاع الحزب الشيوعي لرفع الأعلام السوفييتية على عدد كبير من المنازل والدوائر الحكومية.. !

في 19/9/1958، أعلنت الثورة الجزائرية عن ميلاد الجمهورية الجزائرية بقيادة حكومتها المؤقتة. فرحات عباس رئيساً، أحمد بن بيلا نائباً للرئيس، وكان معتقلاً. في 28 أيلول عام 1958، تم إصدار قانون الإصلاح الزراعي في الجمهورية العربية المتحدة – لأكرم الحوراني ومصطفى حمدون دوراً هاماً في وضعه ومتابعة الجهود لإصداره.

في شهر تشرين، صدر عن عبد الناصر قانون الطوارئ دونما سبب يذكر..!

رافق ذلك إصدار تشكيلات الحكم الجديد في إقليمي الجمهورية.. انتقل أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار إلى القاهرة. احتفظ الحوراني بمنصبه كنائب لرئيس الجمهورية، تسلم البيطار وزارة الإرشاد القومي.

بدأت تلوح أمامنا في سورية مفارقات تثير الاستغراب، اختفت من ساحة الصحافة صحف الأحزاب، ومن بينها جريدة البعث.. في حين واصلت جريدة النور التابعة للحزب الشيوعي صدورها، بالرغم من معارضة الحزب الشيوعي للوحدة بين سورية ومصر، ومعارضة رفاقهم في العراق لانضمام العراق إلى دولة الوحدة…؟ والمحير في الأمر، دأب جريدة النور الدس على الوزراء من البعثيين السابقين..؟ [الجدير بالذكر، أن الأمن كان مستتباً في البلاد والشعب يؤيد النظام، وبهذا استطاع عبد الحميد سراج إحكام سيطرته على السلطة وقيام حكم المخابرات التي قد أسهمت في زرع بذرة الانفصال. يرى أكرم الحوراني في مذكراته: أن السراج قد أتاح للشيوعيين حرية النقد، بتوجيه من عبد الناصر، من أجل إضعاف البعثيين من جهة، والكشف عن العناصر الشيوعية من جهة مقابلة، بهدف تصفيتهم لاحقاً.. ؟ ص 2728 المجلد الرابع.]

تواردت لنا أنباء عن نقل الضباط البعثيين إلى القاهرة وإلى وزارة الخارجية، هززنا أكتافنا مع قلق غامض ساورنا.. لماذا.؟

تم العفو عن السياسيين السوريين القدامى المتآمرين مع حلف بغداد، من أمثال عدنان الأتاسي ومنير العجلاني ومأمون الكزبري.. !

في غمرة ذلك بدأت مسيرة تشكيل الاتحاد القومي. في شباط 1959 ن بمناسبة الذكرى الأولى للوحدة، حضر عبد الناصر برفقة الرئيس اليوغسلافي تيتو لزيارة سورية، توفر لهما استقبالً جماهيرياً حاراً من جنوبها إلى شمالها، من دمشق إلى حلب، حتى اللاذقية.

من العراق تأتي أنباء مقلقة.. أصدر قاسم مرسوماً بتاريخ 7/2/1959 يتضمن إعفاء الوزراء من الاتجاه القومي. صدر حكم بالإعدام على عبد السلام عارف..

الحزب الشيوعي العراقي يشكل تنظيماً عسكرياً له، اتخذ اسم الحرس الشعبي.. مارس هذا التنظيم المسلح ما شاء من سلطة وممارسة قمعية ومذابح.

في 3/8/1959: اندلعت ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل، قضى عبد الكريم قاسم على الثورة بقصف المدينة في الطائرات. تم أعدم ناظم الطبقجلي، قائد الفرقة الثامنة في كركوك، والحاج سري، رئيس المخابرات العسكرية العراقية. أظهر هذا الضابطان شجاعة نادرة أمام محكمة المهداوي البهلوانية، التي غدت في بهلوانيتها مثلاً سائراً على ألسن الناس.

أنجز الشيوعيون في الموصل مجازر رهيبة، راح ضحيتها 2426 وآلاف من الجرحى.. في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز (في 14/7/1959)، توج الشيوعيون مجازرهم في مدينة كركوك، ذهب ضحيتها 850 قتيلاً.. لم يتورع الشيوعيون عن صلب ضحاياهم على أعمدة الهاتف وسحل الناس في الشوارع..

كانت تلك الأنباء تصلنا تباعاً عبر الصحف والإذاعات، وعبر الصلات العفوية شبه المنظمة القائمة بيننا كبعثيين. [يتحدث أكرم الحوراني في مذكراته عن بعض الملابسات التي أحاطت بهذه الثورة، في ص 2777 – 2788 -المجلد الرابع: توصل إلى أن سوء تصرف عبد الحميد السراج إزاء هذه الثورة قد أدى إلى الكشف عن ضلوع ناظم الطبقجلي والحاج سري في المؤامرة على عبد الكريم قاسم.. بكيفية ما يستطاع التأكد من هذه الحقيقة من مذكرات عبد اللطيف بغدادي..  يذكر أكرم الحوراني في نفس المرجع، أن عبد الكريم قاسم اعترف بهذه المجازر، وحين سئم من الشيوعيين حل تنظيمهم العسكري وجردهم من السلاح، كما اعترف الشيوعيون ذاتهم في نشرة داخلية بحقيقة قيام هذه المجازر، بيد أنهم وضعوها على عاتق الدهماء. دهماء من…؟] كنا نتداول فيما بيننا نمطاً من التحليل السياسي القائل، أن السياسة البريطانية في العراق كانت تشجع من طرف خفي الشيوعيين للوقوف في وجه المد القومي.. كما فعلت قبلاً في إيران إزاء ثورة مصدق، تمهيداً لعودة الشاه المخلوع..

مما يدعم هذا الزعم، كون العراق لم يعلن انسحابه حتى ذلك التاريخ من حلف بغداد.. وما زالت في قاعدة الحبانية قرب بغداد تعسكر قوة عسكرية بريطانية.. أنتظر عبد الكريم قاسم حتى 24/3/1959 ليعلن انسحابه من حلف بغداد…؟ .

في غضون ذلك بدأ التحضير على كل قدم وساق لانتخابات الاتحاد القومي، كتنظيم سياسي ضبابي، يضم كل المواطنين على مختلف مشاربهم وطبقاتهم..! كان من بيننا مَن انعكس في مآقيه ظلال من الشك، عما سينجم عنه مثل هذا التنظيم، الذي سيضم كل الأهواء بدون استثناء..!

على مقاعد الدراسة: بدأت دراستنا في ظلال هذه الأحداث العملاقة، نتأثر فيها وننفعل فيها ونتفاعل معها بطريقتنا وعلى قدر ما نستطيع من وعي وفعل.

في مدرستنا، بقي النسيج السياسي الطلابي في ظل دولة الوحدة، ثابتاً عما كان عليه لا يريم.. نحن من طرف والإخوان المسلمون في الطرف الآخر.. تكيف الجميع مع الوضعية الجديدة.

في ظل من هذا العماء الإيديولوجي لسلطة الدولة وترددها في حسم خياراتها الفكرية، تحصن الإخوان المسلمون في مواقعهم المتمثلة بالأصولية الدينية. استمر صراعنا الفكري معهم على ذات الوتيرة، وإن كان بطريقة مواربة.

انتمى غالبية المدرسين للخط القومي التقدمي، من بينهم من كان بعثياً من قبل. توفر لنا ولحسن طالعنا مدرسون قديرون في اللغة العربية، من بينهم: الأستاذ حسام الخطيب، ويسار عسكري.. كلاهما من فلسطين.  كان لهما بالبعث صلة. أسهم في رعايتنا مدرس العلوم الطبيعية حسن قصراوي، وبدوره من أصل فلسطيني. إلى جانب مدرسينا توفر عدد من المدرسين المصريين بعضهم لم يكن على كفاءة كافية. [حصل الأستاذ حسام الخطيب، في فترة لاحقة على دكتوراه في الأدب المقارن وغدا أستاذاً جامعياً باهراً.. وكان للأستاذ يسار عسكري دوراً فاعلاً في الحياة السياسية الحزبية. أصبح حسن قصراوي أستاذاً في جامعياً في علم الحيوان في جامعة دمشق.] على ذات الوتيرة، واصلت دروس اللغة العربية لتكون الحقل الخصب للنزال.. كنت كدأبي شغوفاً بدروس الأدب العربي.

أذكر، في إحدى حصص التعبير الخاصة باللغة العربية، شاء لمدرسنا حسام الخطيب، أن يطلب منا موضوعاً له بعد اجتماعي وسياسي، له صلة بمشاكل الريف في سورية، بحيث تأتي قرية كل منا كنموذج. قلت في ذاتي، ها وقد جاء يومك يا فتى.. فهل لك أحلى وأروع من هذا الموضوع الذي له تهوى.

طفقت أكتب وأكتب، حتى امتلأت صفحات وصفحات.. خضت في أرجاء الريف السوري من خلال قريتي.. لم أترك شأناً إلا وأشبعته فكراً وبلاغة حتى الثمالة.

في اليوم الموعود، رفعت يدي، في الوقت الذي خفّض الآخرون أبصارهم، هروباً من المساءلة.

بت أقرأ وأقرأ.. حتى قرب النزع الأخير من الحصة.. خيل لي أنني قد سيطرت على الصف تحت تأثير روعة البلاغة وفكر الإثارة.. كان فكراً اشتراكياً علمياً وعلمانياً.. ثار جدال وسجال وكنا في انتصار.

وضع الأستاذ ملاحظته، التي ما زالت عالقة في ذاكرتي:” يندر لتلميذ أن يكتب هذا العدد الضخم من الصفحات، ويحافظ على هذا المستوى الفني الرائع.. لقد تحدثت بقلبك وعقلك ولسانك فشكراً لك.. وستصبح أديباً مرموقاً إن أخلصت لفنك.. – لسوء حظي لم أخلص لفني، وقد دفعتني الحياة للسير في درب الطب المرهق.

الانتخابات الطلابية – شاء للسلطة السياسية أن تشكل اتحاد طلبة الجمهورية، كرافد طلابي للاتحاد القومي.. أذكر، في درب التحضير للانتخابات، كنت بمثابة حجر الرحى في شعبتنا. جل ما كان يعنيني فوز اتجاهنا البعثي أو التقدمي.. لم أفكر بالتقدم بنفسي.

ألقيت نظرة فاحصة على التشكيلة البيئية للصف. أخذت بعين الاعتبار المزاج والأهواء والعلاقات الشخصية.. أوحيت لرفاقي وأصدقائي بترشيح عدد من الأسماء، بحيث تضم بعثيين وحياديين أصدقاء. عمد الإخوان المسلمون ترشيح ذواتهم، دونما غيرهم.. فازت قائمتنا وفشلت قائمتهم فشلاً ذريعاً. على ذات المنوال سيطرت مجموعتنا على انتخابات الشُعب الأخرى.

فاز رفيق لنا كممثل لمحافظة درعا، وذهب إلى القاهرة لحضور المؤتمر العام لطلبة الجمهورية العربية المتحدة، وكان الحضور البعثي فيه واضحاً وفعالاً.. – كما روى لنا ممثلنا فيه.

عبر ما جرى، تميز سلوكنا بالغيرية لا دور للأثرة الشخصية فيه، نطبق فيه قول الشاعر: تقضي الرجولة أن نمد جسومنا جسراً فقل لرفاقنا أن يعبروا..

🛑

صيف عام 1959 

أعلمني أبي ” هذا صيفك يا بني، أمامك البكالوريا.. امكث في القرية لتقرأ ما شئت، فأنا أعرف عمق محبتك للقراءة، وقد قدمت ما يكفي”..

شعر أبي بتحسن أحوالنا، بعدما حصل على عمل مستقر في دمشق.. بعد حصوله على الشهادة الثانوية تطوع أخي الأكبر في الجيش.. وها هو الآن في رتبة ملازم.

خصني أبي بهذا الامتياز.. استقبلت النبأ بفرح.. كرست صيفي الكامل للقرية برعاية جدتي.. لم يكن لي إلا القراءة، وممارسة السياسة- حينما أرغب.. والرياضة- حينما أشاء.

أزف موعد انتخابات الاتحاد القومي. لم تكن الصورة واضحة لنا في القرية، كان ثمة تخبط بعثي إزاء الموقف من الاتحاد القومي. تدور شائعات عن انتعاش القوى التقليدية في المجتمع. وأن نفوذ مخابرات عبد الحميد السراج يتصاعد شيئاً. فشيئاً.

لم يعد للبعث من تنظيم، كانت كل مجموعة تتصرف على هواها، حسب معطيات واقعها المحلي.. قرر البعثيون في قريتنا خوض الانتخابات. استيقظت القوة النائمة من عقالها. تشكل محوران: البعث من جهة والقوميون السوريون السابقون في الجهة المقابلة.

لم أصل بعد إلى السن القانونية التي تبيح لي ممارسة الحق الانتخابي، إنما كان بوسعي المساهمة الفعالة في الدعاية الانتخابية.. كرست ذاتي لها طالما لم تأت بعد. اندمجت في حوار تحضيري مع الآل والأصحاب.

القرية على انقسام.. الجيل الجديد وأنصاره يؤيد البعث. بينما شكل الجيل القديم الرصيد الاحتياطي للقومي السوري.

من الذكريات الطريفة: كان شقيق جدتي من عتاة الجيل القديم. في لحظة ما دعاني لمساعدته في أمر ما، وكان رجلاً مشاكساً مثيراً للجدل. عنّ لي أن أدعوه لمناصرتنا.

بكل بساطة قال لي: اسمع، نحن الرجعيون، لن ندعها لكم، نحن أسياد هذه القرية.. غمرتني سورة من الضحك، حينما لقب ذاته بالرجعي.!

حضر أبي بصحبة عديدين من أبناء قريتنا القاطنين بدمشق، للمشاركة في الانتخاب. فازت قائمتنا فوزاً ساحقاً.

🛑

العام الدراسي 1959-1960

أراد أبي وضعنا في ظروف دراسية أفضل مما سبق، قال لي: هذا عامك يا بني.. تذكر إنها الشهادة الثانوية، عليها يعتمد الآتي.

من اجل راحتكم وتحسين شروط دراستكم، سأستأجر لكم حجرة في منطقة المحطة.. أقرب إلى المدرسة.. وفيها الكهرباء.. وليساعدنا الله على العشرين ليرة سورية للأجرة الشهرية.. غدونا أنا وشقيقي وشقيقتي في رفاه نسبي.. !

في معترك السياسة، بدا لنا العام كئيباً. الشائعات تأتينا بدون انقطاع. البعض من المصريين العاملين في سورية يتصرفون بطريقة فظة. بوادر أزمة بين عبد الناصر والبعث.. جهود دولية تراهن على تسهيل مشروع تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن.

هل كان لهذه المسألة دوراً في تأزم العلاقة بين البعث وعبد الناصر.. ؟

ظهر هذا الأمر مثيراً، كان بوسع سورية لوحدها في العهود السابقة منع تحويل نهر الأردن بالقوة. كانت سورية قد كسبت المعركة الحقوقية في المنظمة الدولية، من حيث كون التحويل يأتي في المنطقة المجردة…!

تواردت أنباء عن تعيين المشير عامر حاكماً بأمره على سورية، كمحاولة لإنقاذ الأوضاع المتردية فيها…!

في أواخر عام 1959، فوجئنا باستقالة أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وبقية الوزراء البعثيين- مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت، تبعها استقالة أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وبشير العظمة (وزراء مستقلين).

على السطح بدأت بوادر انتعاش للقوى السياسية التقليدية. أصبحت البلاد تحت سلطة مزدوجة، المشير عبد الحكيم عامر من جهة وعبد الحميد السراج من جهة مقابلة.

في غمرة ذلك تواردت إلينا أنباء عن انشقاق في حزب البعث، قادة عبد الله الريماوي من الأردن، وفؤاد الركابي من العراق.. كان هو الانشقاق الأول. كل ما يحيط بنا يوحي لنا بتدهور أوضاع البلاد.

على مقاعد الدراسة: تواصل السجال الصامت والعلني بيننا وبين مجموعة الطلبة من الأخوان. بدا لهم أن الجولة أخذت تأتي عاجلاً أم آجلاً لصالحهم.

دأبنا أن تكون مادة الأدب العربي، مجالنا في سجالنا. ذات مرة شاء أستاذنا في الأدب، وكان يدعى – كما أذكر – ” عبد.. المقداد ” أن نحضر موضوعاً يتعلق بالشعر الحديث.

عنّ لي أن أبذل قصارى جهدي في عرض فكري السياسي عبر الشعر، وما أسهل الأمر. عكفت وقتاً كافياً ليأتي الموضوع متكاملاً وفي أبهي الحلل.

قبيل الحصة، انتظرت المدرس خارج الصف، عبرت له عن رغبتي في إلقاء موضوعي، برحابة صدر وافق لي. شرعت أقرأ وأقرأ حتى كاد زمن الحصة ينقضي. كانت قصائد الشاعر القروي مستنداً لي في مهاجمة العصبية الدينية، وطرح فكرة العروبة الصافية. وعرجت في طريقي على مسألة المرأة.. كان ذاك في ذلك الزمان ما يثير حفيظة الإخوان.

ظهر الموضوع طويلاً، بيد أنه من البلاغة بمكان، أن سيطر على الأنفاس. بدا لي أثناء قراءتي أن طلبة الإخوان كانوا يمضغون غيظهم قهراً، وما باليد حيلة، فالعرض آسر.

آن أوان السجال: قال رفيقنا “علي عبيسي” معلقاً: يذكرني أسلوب الموضوع بجبران خليل جبران.

وما كانت مداخلات الطلبة من الإخوان إلا لتزيد مأزقهم على مأزق.. وهكذا كان.

أتي شهر حزيران وحان زمن التحضير للامتحان، وبدأ السباق على قدم وساق.. كان من الحماس بمكان، أن تواصل الليل بالنهار.

دخل في روعنا منذ بدأنا الدراسة، بكون مقياس النجاح والاجتهاد، يعتمد بالتحديد على عدد ساعات المذاكرة، لا على جدواها.. كان السباق مرهون بمقدار طي الساعات أمام الكتاب، وعدد مرات المراجعات للمنهاج. الكل يغالي في إطالة مداها، عامداً على التواطؤ على ساعات النوم وقهرها. عقدت اتفاقاً مع أحد من أترابي على المذاكرة المشتركة، على سبيل التشجيع المتبادل وشحن الطاقة.

لم يكن بوسعي مجاراته، كنت من دونه قدرةً على سهر الليالي. سيطر علي الإعياء والوهن وفقدان التركيز وتشوش في الذهن. تخلى عني رفيقي.. دخل في روعي أني فاشل لا محالة.. سلمت أمري.

لم أواصل جهدي في مباراته، وقلت في سري.. ليكن إذن إلى السنة القادمة أيها الشقي.

عبرنا الامتحان… كلما جاء رفيقي يسألني، أقول متواضعاً لا بأس.. كان يبتسم بسخرية.

أمطرتنا الأنباء.: أنتَ متفوق يا صاح.. الأول الذي سبقني، أسهمت العلامات العائدة لمادة الديانة الإسلامية في دعمه.. !

عنفت نفسي آنئذ، وقلت لذاتي محتجاً..: لو لم تركن لفعل الوهم، لكان الأمر بكل تأكيد، أفضل، وها أنت يا شقي.. بالرغم من يأسك وفقدان حماسك، وتسليم أمرك لليأس.. ها أنت قد حصلت ما حصلت عليه. عليك أن تتعلم الدرس، وتستعيد الثقة بالنفس.

ها أنتَ قد حزتَ على الشهادة الثانوية في السابعة عشر من عمرك. ها هي معركة الحياة إليك آتية.. فلتبحر يا صديقي في قارب الأيام..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى