ترامب يكذب يوميّاً فيضع قواعد الاستبداد

دلال البزري

المثل الشعبي يخفّف علينا انقباضنا من الاستبداد، إذ يقول: “الكذب ملح الرجال”، فيكون بذلك كذب حكّامنا من حِكَم الخلق. ويكون من العبث الانزعاج من أن نكون محكومين من كذّابين، كذبهم ملح حكمهم؛ من دونه كيف يحكمون؟ وهذا ما لا تجده في الديمقراطيات إلا بنسب “رحيمة”، تتولّى الانتخابات الدورية كشفها ومناقشتها، أو تعديلها، أو انتقال بارودتها إلى كتف أخرى… إذ يفوز الحزب أو الشخصية الجديدة، ومعهما قدر من الكذب. لا يستطيعون تجاوز نسبته إلّا ويكون خصومهم لهم بالمرصاد، ومعهم ترسانة القوانين والإعلام والجمعيات، بما يجعلهم أقزام كذب أمام عمالقتنا من الكذّابين.

فنتوقّف نحن، الذين يحكمنا أولئك الحكام، لنسأل: هل يمكن لنصف الناخبين الأميركيين أن يكون الكذب “ملحهم”؟ فعجب عجاب أن يصوّت الأميركيون مجدّداً لرئيس عُرف بالكذب البواح المنتظم طوال ولايته الأولى. وتعلّم منها أن يستغني عن مساعدين أو مستشارين أو سكرتيرين، يحدّون من حرّيته المطلقة بالكذب. والآن، في ولايته الثانية، صارت كذباته لا تُحصى، بل مادّة تندّر وشرائط كوميدية مثل روايته عن 11 سبتمبر (2001)، التي يضيف إليها سنوياً في كلّ ذكرى لها دوراً له، بدأ فيها شاهد عيان، وانتهى هذه السنة مشرفاً على رجال الإطفاء العاملين على إنقاذ الضحايا.

وترامب سعيد بفكرة أنّه “مجنون”. يسمّيها موهبة “المباغتة”، وهو يعتبر جنونه ضرباً من “عبقريته” في عقد الصفقات. لا يستطيع خصمه التنبؤ بردة فعله، فينقضّ هو عليه بـ”جنونه”، بما لم يكن ينتظره، فيربح الصفقة، أو ربّما تلطّى خلف جنونه ليأخذ حرّيته في الكذب، فلا يعترف بأنّه يكذب، أبداً أبداً. والمشكلة أنّ الكذب من العيوب النادرة التي تُمحى بمجرّد الاعتراف بها. وترامب لا يستطيع؛ فعندما يُطرح عليه السؤال، كما فعل مذيع “سي بي سي”، يجيب بأريحية بأنّه يقول دائماً الحقيقة، وبأنه “صادق جدّاً”.

من المغري مقارنة ترامب بالأمير الإيطالي الذي ينصحه مكيافيللي في كيفية الحكم، وكيفية إدامته. وأشهر كلماته نصيحة يوجّهها إلى الأمير بأن يكون في الوقت نفسه “ثعلباً” يعي الفخاخ، و”أسداً” يخيف الذئاب. وإذا كذب، فليُخفِ كذبته، فرأي الشعب يبقى مصدراً أساسياً لديمومة حكمه. والنقطتان لا تنطبقان على ترامب. لا هو يُخفي كذباته، ولا محبّوه يتضايقون منها. لذلك فالمقارنة بأبطال رواية “1984” لجورج أورويل هي الأصح. في البلاد الخيالية المسمّاة “أوقيانيا”، التي بلغت درجة ديستوبية من الاستبداد، تكذب السلطة الاستبدادية حول الوقائع، حول أفعالها. تدمّر البراهين على ما حصل ويحصل، وتغيّر الكلمات والتعبيرات بما يفضي إلى أن تعني عكس معناها الأصلي. والعقاب الشديد ينتظر من لا يصدقها.

صارت كذبات ترامب لا تُحصى، بل مادّة تندّر وشرائط كوميدية

“الأخ الأكبر”، وعينه التي تجدها في كلّ مكان، هو الحاكم الفعلي في الرواية. يعاونه أوبراين، المشرف على تنظيم التعذيب وتنفيذه في حقّ المشتبه فيهم.

لا يسع هذا المقال التوسّع في الحديث عن التشابه الشديد بين رئاسة أوقيانيا ورئاسة ترامب. فقط أتوقّف عند الكلمات الآخذة بالاختفاء من القاموس الرسمي الأميركي، كما في أوقيانيا، ومنها: عدم المساواة، والظلم، والاضطهاد، والمنظومة، والتمييز، والعنصرية، والامتيازات، والتهميش، والنسوية، وأزمة المناخ… إلخ.

قبل “1984”، كتب جورج أورويل عن تبدّلات اللغة المفضية إلى الاستبداد، في “السياسة واللغة الإنكليزية”، ويدقّق في الاستعارات المستهلكة والكلمات الملائمة لهذا الاستبداد، ذات الادّعاء المعرفي، الخالية من المعنى أو المعنى الغامض ذاته أو المعنى الذي يمكن التلاعب به، وكيف يمكن لهذه اللغة أن تضع قناعاً غليظاً للعنف السياسي وتجعل اللامقبول مقبولاً.

أميركا لم تبلغ هذا المبلغ، ولكنّها تشبه أوقيانيا. وتختلف عنها بالرجال الذين يعاونون رئيسها. وقد اختيروا بناءً على ولائهم المطلق للعين المراقِبة المجنونة، أوّلهم نائب الرئيس نفسه، جي دي فانس، ليس أسداً، بل أقرب إلى الثعلب. ولكنّه لا ينجح دائماً، إذ يثابر على تقديم نفسه كاثوليكياً مؤمناً، ويخالف الوصية الثامنة من بين الوصايا العشر الواردة في الكتاب المُقدَّس، والقائلة: “لا تشهد على قريبك شهادة زور”. وفي سجلّه اختراعه لكذبة نالت نصيباً من الذيوع، وقوامها أنّ الهايتيين (من هايتي)، سكّان مدينة سبرينغفيلد في ولاية أوهايو، يخطفون القطط والكلاب ويأكلونها. وعلى الرغم من أنّ حاكم ولاية أوهايو نفى هذه الخبرية، إلّا أنّ فانس تمسّك بها. وعندما أحرجته مراسلة “سي أن أن” دانا باش حين طالبت بدليل، أجابها بأنّه “اخترع قصّة” بهدف “صناعة الاهتمام الإعلامي” بالقضية، أي قضية الحملة الأمنية على المهاجرين. وقد تلقّف ترامب هذه “القصّة”، فكانت واحدةً من الحجج القوية في حربه عليهم.

عجب عجاب أن يصوّت الأميركيون مجدّداً لرئيس عُرف بالكذب البواح المنتظم طوال ولايته الأولى

المساعد الآخر لترامب الذي بات تحت الأضواء بفضل الحرب على إيران، أكثر حبّاً من رئيسه ونائبه لـ”الحقيقة”. إنّه وزير الدفاع بيتر هيغسيث. وأولى مبادراته تغيير اسم وزارته لتكون “وزارة الحرب”، والحبل على الجرّار من فحص سنوي لمستوى التستوستيرون (هرمون الذكورة) لدى العسكريين بدءاً من الثلاثين من عمرهم، وعلاج نقصه… وعداء الأقليات والسود والنساء بمناصب عليا في وزارته، وكذب أقلّ من رئيسه، لكنّ كذبه موجّه، مثل إنكاره تسريب معلومات من طريق الهاتف؛ معلومات أمنية خطيرة للبنتاغون عن التحضير لضربات عسكرية ضدّ اليمن، وإنكاره الواقعة بجملة اشتهرت عنه: “لم يكن أحد يرسل خططاً حربية عبر الرسائل النصّية”، وهجومه الكاسح على الصحافي كاشف الفضيحة، ووصفه له بأنّه “مُخادع وفاقد للمصداقية إلى حدّ كبير”. ولكن هذه المرّة الموضوع أخطر من الحرب على اليمن، إنّها حرب على إيران، ومعلومات تفيد بأنّ أميركا باتت تعاني النقص في الأسلحة والذخائر. يأخذ الوزير قراراً بإخضاع خمسين ضابطاً وموظّفاً لاختبار كشف الكذب، بحثاً عمَّن سرّب هذه المعلومة للصحافة.

وفي رواية “1984”، يُعتقل وينستون سميث، الموظّف في وزارة الحقيقة، ويتولّى أوبراين استجوابه وتعذيبه. وهذا الأخير غرضه واحد: أن يناقض سميث ما يعرفه، وما يراه، وما يتذكّره، ويصدّق في أعماقه أنّ الحرب التي يخوضها الحزب قائمة، وبأنّ واحداً زائداً واحداً يساوي خمسة. فيما الوزير الأميركي لا يلجأ إلى التعذيب “الكلاسيكي” في حقّ ضبّاطه وجنرالاته لمعرفة من سرّب نقاط الضعف الأميركية هذه، إنّما يخضعهم لآلة “كشف الكذب”، آلة تُسمّى “بوليغراف”. والمعروف عنها أنّها لا تكشف الكذب بقدر ما ترصد تسارع نبضات القلب، وضيق التنفّس، وارتفاع ضغط الدم والتعرّق. لا “تكشف” الكذب، بل ترصد هذه الأعراض التي تكون بمثابة “اعتراف”.

ولا عجب بعد ذلك أن تضع منظمة مراسلون بلا حدود (الفرنسية) التي تُحدّث سنوياً تصنيفها لحرّية الصحافة في 180 دولة، الولايات المتحدة في المرتبة الـ 64، أي فوق بنما وتحت بوتسوانا. والتصنيف نفسه اعتمدته منظّمتان: واحدة أميركية: مؤسسة حرّية الصحافة، والأخرى سويسرية: معهد في – ديم.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى