قراءة في كتاب: حكاية عُمُر

  عبد المجيد عرفة

بيان الحناوي كاتب سوري متميز. وكتابه حكاية عُمُر هو العمل الأدبي الأول الذي قرأته له.

الكتاب هو شهادة بيان الحناوي عن اعتقاله السياسي الذي امتد إلى سبعة عشر سنة بدء من عام ١٩٧٤م وحتى عام ١٩٩١م.

والحقيقة ان المعلومات التي اوردها بيان الحناوي عن نفسه قليلة قياسا بالذي كتبه عن الكثيرين ممن عايشهم كمعتقلين معه في معتقلاته التي عاش بها بدء من سجن المزة العسكري وسجن تدمر وسجن صيدنايا، كلها أصبحت معروفة بالنسبة للسوريين، خاصة بعدما انتصرت ثورتهم وكشفت ملفات كثيرة عن هذه السجون والمعتقلات.

سابدأ في هذه القراءة بالحديث عن بيان نفسه في اعتقاله وظروف هذا الاعتقال، متجاوزا غيريّته التي أظهرها بوفاء عظيم لكل من مرّ معه في معتقلاته كلها وآثر أن يتحدث عنهم وتاركا نفسه الى الجزء الاخير من كتابه – شهادته – الذي بلغ ٣٣٦ص .

بيان الحناوي من أبناء السويداء تطوع في الجيش وكان في رتبة ملازم في حرب تشرين عام ١٩٧٣م. ولأن أدائه في تلك الحرب كان جيدا ضد العدو الصهيوني حصل على وسام الجمهورية أيام الرئيس – الأسد – ورفّع مباشرة الى رتبة النقيب متجاوزا رتبة الملازم أول وكان اصغر نقيب في الجيش السوري وقتها.

في عام ١٩٧٤م تم اعتقال بيان ومعه مجموعة لا تصل الى العشرة أشخاص بتهمة انتمائهم لحزب البعث اليميني الذي يتواجد في العراق ويحكمها ايضا.

لم يُعرف بالضبط من كان سببا بهذا الاعتقال ، وان هذه المجموعة متهمة بالتخطيط للانقلاب على نظام البعث السوري بقيادة حافظ الأسد، وتارة متهمة بالتخطيط لاغتيال بعض القيادات العسكرية للنظام.

اعتبر بيان المسؤول الأول عن المجموعة لذلك كان التركيز عليه شديدا جدا، والمقصود الوصول الى مزيد من مجموعته التي ينتمي إليها وماذا كانت تخطط.

 تلقى بيان تعذيبا شديدا جدا بالدولاب والشبح والضرب المؤلم و التجويع والتعطيش والحرب النفسية حول أهله وعائلته، كان الموت هاجسه وأنه وسيلته للتخلص من العذاب الذي يعيشه والآلام التي يعانيها.

كان يقوم بالتحقيق معه الضابط الكبير ناجي جميل وأخوه وضباطا آخرين، كما حضر التحقيق معه رفعت الأسد و مصطفى طلاس، والكل كان ينصحه بالاعتراف حتى يريح نفسه وكانوا يعدونه بالإفراج عنه.

كانت قناعة بيان ان النظام مجرم ولم يرحمه ولن يرحم اي احد يذكره لهم، ولن يخفف هذا عنه بل قد يزيد من تعذيبه لابتزازه بمزيد من المعلومات. ثم وهذا اهم لقد ربط بيان عدم اعترافه على أحد بأخلاقه وكرامته الانسانية، وانه مشين بحقه وحق انسانيته ان يسبب الألم لأي أحد كمعتقل او لعائلته التي قد يتم التنكيل بها بسبب المعتقل، حيث التقى بأسر كاملة بما فيها اطفال معتقلة كرهائن عن أبنائهم او آبائهم. وكانوا ضحية تعذيب واغتصاب وقتل احيانا.

لذلك صبر بيان على تعذيبه لسنوات في التحقيق معه، وتحمل سبعة عشر سنة من الاعتقال والسجن في سجن المزة العسكري وسجن تدمر وسجن صيدنايا، حتى أفرج عنه في عام ١٩٩١م.

لقد أراد بيان في كتابه بل شهادته التي دون بها ما حصل معه وما رآه وعايشه ان يقدم شهادته للتاريخ وللشعب السوري وللأجيال القادمة عن الظلم الذي كان يعيش به الشعب السوري. وضرورة الحرية وإسقاط الاستبداد وبناء دولة العدالة والديمقراطية لكل الشعب السوري، مهما غلى الثمن لأن الشعب السوري عانى الكثير ودفع الكثير من الدم والدموع والألم والظلم لما يزيد عن ستة عقود حتى سقط النظام بعد خروج بيان من المعتقل بأكثر من عقدين من الزمن.

 لقد كان بيان وفيا لكل ما رآه داخل معتقلاته الثلاثة ودوّن بأمانة كل ذلك. الأسلوب الكتابي جزل شفاف ودقيق. يصدر من القلب والعقل ليصب في قلب وعقل القارئ. لعله كان يدون بعض ما مر به بشكل ما، او ان له ذاكرة حافظة أمينة على ما يمر عليها.

كما ذكرت سابقا لقد كان بيان في كتابه وشهادته مؤثرا الآخرين على نفسه، فقد بدأ شهادته بالحديث عن المعتقلين المظلومين الذين يقعون بين يدي ظلمة ويتم التنكيل بهم ليصل في اغلب الأحيان للقتل، وهم بالعشرات بدأ بذلك الزبال الذي يجمع القمامة وبعض ما يجده يعتاش عليه هو وابنته والماعز التي يربونها وتعيش معهم في شبه كوخ في مكان ناء في أطراف دمشق، يلتقي ببعض الشبان الذين يوزعون منشورا معاديا للنظام ويعرفون أنه لا يَقرأ وطلبوا منه توزيع المناشير على أنها نعوات ويقوم بتوزيعها لعلّ ذلك يعود عليه برضى الرب لكن النظام يلتقطه كإرهابي ونكلوا به بوحشية.

مثل هذا الكثير ممن ذكرهم بيان في شهادته.

كما يتوسع بيان بالحديث عن واقع الحياة القاسية والمؤلمة داخل المعتقلات الثلاث، حيث التعذيب الى درجة لم تعرفها الانسانية قبل وبعد، والقتل المجاني دون رقيب او محاسبة، والاساءة البدنية تعذيب لا يحتمل واغتصاب وكذلك النتائج النفسية للاعتقال والتعذيب التي تؤدي للجنون. الاعتقال يشمل النساء والاطفال ايضا،  النساء يتعرضن للاغتصاب والبعض اغتصبن إلى مرحلة الموت جراء ذلك. المكان ضيق جدا سواء بالزنازين أو الجماعيات. التعذيب شديد لكن يجب أن لا يؤدي للموت، لأن الموت يمنع وصول الامن الى المعلومة التي يخفيها المعتقل. الطعام قليل، فقط لاستمرار المعتقل بالحياة.

ان الاعتقال هو الجحيم بل اسوأ كما قال بيان.

كما يذكر بيان حكاية نظام حافظ الأسد وكيف استفرد بالحكم وقام بانقلابه على قيادة البعث التاريخية في عام ١٩٦٦م ومن ثم انقلب على رفيقه صلاح جديد عام ١٩٧٠م، ليصبح الاله الاوحد في سورية. ورصد بأمانة كيف تخلّص حافظ من كل مختلف معه وعنه، في الجيش والأمن ولم يبق بجواره إلا من كان ولاؤه له مئة بالمئة.

كان في سجن المزة القيادة السابقة نور الدين الأتاسي رئيس الجمهورية وبقية القيادة التي انقلب عليها حافظ الأسد. لا حق الاسد المختلفين معه حتى قتلهم او سجنهم. هكذا كان مصير محمد عمران قتلا في لبنان وصلاح جديد سجنا حتى ما قبل الموت. ولم يخفي بيان اعتماد حافظ على شباب الطائفية العلوية وضباطها ليكونوا العصب المركزي في جيشه وأمنه .

وفي هذا السياق يتحدث بيان عن مجموعة رائق النقري الضابط العلوي صاحب النظرية الحيوية التي كان أغلب ضباطها من العلويين وكيف اعتقلوا وكانت معاملتهم متميزة في المعتقل، وكيف تم الافراج عنهم وكيف هرب رائق النقري الى لندن ثم عاد الى سورية بعد ذلك دون محاسبة . لقد ذكر بيان هذا عن رائق النقري ومجموعته ليؤكد التعامل التمييزي مع العلويين، وكيف تعامل الاسد الاب وبعدها الابن مع الطائفة العلوية بصفتهم عصبة السلطة السورية.

تنتهي شهادة بيان بسلسلة من التدوينات التي يذكر فيها قصته بتركيز شديد ، اعتقاله وتعذيبه وصموده ودوام اعتقاله ١٧ عاما وخروجه من السجن الى فرع المنطقة للأمن العسكري ثم منه الى فرع فلسطين ثم يتم الافراج عنه.

في التعقيب على كتاب – شهادة بيان الحناوي رحلة عُمُر اقول:

شكرا بيان الحناوي على هذه الوثيقة التاريخية عن مرحلة مظلمة في تاريخ سورية حافظ الأسد. لقد كتبت بلغة تجعلنا نعتز أننا أبناء اللغة العربية. لقد جعلتنا نعيش داخل الحالة التي تكتب عنها وكأننا جزء منها، نتألم اغلب الوقت، نأمل ، نحاور ذواتنا، نتمنى ان لا تتكرر هذه الأيام المرّة على شعبنا السوري، ونعيش إحساس عميق بأن حريتنا مكسب كبير لن نتخلى عنه ابدا بعدما انتصرت ثورتنا التي قامت تراكما على ما عاشه بيان وغيره من السوريين وقامت ثورة الربيع السوري ربيع عام ٢٠١١م وانتصرت في أواخر عام ٢٠٢٤م. وبدأت تصنع مستقبلا أفضل لكل السوريين.

كنت اتمنى ان يكتب بيان في ختام شهادته عن سورية بعد انتصار ثورتها، رغم تفهمي أنه أراد أن يكتب نصا له خصوصيته كتجربة ذاتية وشهادة للتاريخ تحت عنوان:

لكي لا ننسى.

نعم لن ننسى.

ماذا بعد لقد قرأت مئات الكتابات والشهادات عن واقع الاعتقال السوري في الستين سنة الماضية. إن ما كتبه بيان الحناوي في رحلة عُمُر أثّر في نفسي كثيرا، وكان متميزا كشمس وسط نجوم الشهادات السورية الكثيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى