تظل أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 محطة مفصلية غيرت مجرى السياسة الدولية والعلاقات بين الشرق والغرب. بعيداً عن العواطف الآنية، يفرض الواجب التحليلي قراءة هادئة للوقائع التاريخية، وطبيعة الجهات التي تقف خلف الحدث، وتداعياته الاستراتيجية على العالم الإسلامي، فضلاً عن القوى التي وظفت الكارثة لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
أولاً: الوقائع وتبني العمل (من تبنى ومن نفذ؟)
أكدت التحقيقات الرسمية والتقارير الدولية الموثقة، وفي مقدمتها تقرير لجنة تحقيق أحداث 11 سبتمبر (9/11 Commission Report)، إضافة إلى الإعلانات الصادرة عن تنظيم القاعدة، أن عملية خطف الطائرات وتوجيهها نحو برجي مركز التجارة العالمي ومقر البنتاغون نفذها 19 فرداً من تنظيم القاعدة.
1 المسؤولية المعلنة: بعد إنكار مبدئي في الأشهر الأولى، خرج زعيم تنظيم القاعدة أستاذ التعبئة المتطرفة أسامة بن لادن في عدة تسجيلات مصورة (أبرزها تسجيل عام 2004) ليتبنى المسؤولية الكاملة عن التخطيط والتوجيه للعمليات.
2 العقل المدبر: أشارت الوثائق القضائية والتحقيقات اللاحقة إلى أن التخطيط العملياتي الفعلي قاده خالد شيخ محمد، بالتنسيق مع قيادة التنظيم في أفغانستان التي كانت تأوي عناصر القاعدة تحت مظلة حكم حركة طالبان.
3 إشكالية الهندسة الاستخباراتية الخلفية: تشير القراءات النقدية والتحليلية العميقة إلى احتمال وجود تقاطعات استخباراتية دولية أو صهيونية استغلت أو غضت الطرف عن تلك الاختراقات، بحيث توفرت البيئة الملائمة لتنفيذ الهجوم، لتلعب الأدوات المتطرفة دور المنفذ والمتبني العلني، بينما تتكفل الدوائر الاستخباراتية الكبرى بتوظيف الحدث هندسياً لصالح استراتيجيات هيمنة بعيدة المدى.
ثانياً: براءة الإسلام وإدانة الإرهاب
أجمع الفقه الإسلامي بمختلف مدارسه وجمهور علماء الأمة على إدانة هذه الأعمال الإرهابية بشدة، مؤكدين أن الشريعة الإسلامية السمحة تحرم قتل النفوس البريئة وتجرم الترويع وإلحاق الضرر بالمدنيين. إن العنف الأعمى الذي مارسته هذه التنظيمات لا يمت للإسلام بصلة، بل هو انحراف فكري وعقائدي استغل النصوص لخدمة أجندات تدميرية، وكان المسلمون أنفسهم في مقدمة ضحايا هذا الفكر المتطرف سواء عبر استهدافهم المباشر أو عبر التداعيات اللاحقة.
ثالثاً: من هو المستفيد الحقيقي من أحداث أيلول؟
عند تحليل التداعيات طويلة المدى على الصعيدين الإقليمي والدولي، تبرز عدة أطراف استفادت من الفوضى والتوظيف السياسي لهذه الكارثة:
1 الدوائر المتطرفة ويمين الهيمنة الغربية: استغلت تيارات الصقور في الغرب ومراكز القرار الاستراتيجي الحدث لفرض أجندات توسعية، وإطلاق ما سمي بـ “الحرب العالمية على الإرهاب”، والتي مهدت لغزو أفغانستان والعراق، وتفكيك بنى الاستقرار الإقليمي، وإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم المصالح الغربية والإسرائيلية على حساب أمن المنطقة العربية ومقدراتها.
2 الأنظمة الاستبدادية والقمعية: وظفت العديد من الأنظمة حول العالم —وفي المنطقة العربية بالذات— مناخ الخوف والأمن القومي الطارئ لتشديد القبضات الأمنية، وأدْوَنَة الحياة السياسية، وقمع أصوات المعارضة والإصلاح تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، مما أخر مسارات التنمية والتحول الديمقراطي عقوداً.
3 الخطاب الشعبوي والإسلاموفوبيا: استفادت تيارات اليمين المتطرف والعنصري في الغرب من الحدث لتغذية كراهية الأجانب، وتأجيج مشاعر الإسلاموفوبيا، وتحويل الجاليات العربية والإسملامية إلى كبش فداء دائم للمزايدات السياسية والانتخابية.
رابعاً: نحو علاقات إيجابية وميزان مصالح
أثبتت العقود التي تلت كارثة أيلول أن خيار الصدام الحضاري لا يفرز سوى الدمار والأزمات الممتدة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لبناء علاقات استراتيجية وإيجابية مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والغرب، قائمة على الندية، والاحترام المتبادل، والتعاون العلمي والأكاديمي، ونبذ لغة الاستعلاء والتدخل، بما يضمن حقوق شعوب المنطقة ويحقق السلم والاستقرار العالمي.
————————————————————
مراجع وقراءات توثيقية مقترحة:
* تقرير لجنة التحقيق الأمريكية الرسمية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر (The 9/11 Commission Report).
* أرشيف خطابات وتسجيلات تنظيم القاعدة ومراجعات نقد الحركات الإسلامية الفكرية.
* دراسات العلوم السياسية والعلاقات الدولية حول تداعيات “الحرب على الإرهاب” على بنية الأمن الإقليمي والدولي (معهد بروكინგز، ومؤسسة كارنيغي).






