
تحدّث السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، بسخرية واستهزاء عن اتهام دولة الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية في حقّ الفلسطينيين، وعن إرهاب المستوطنين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة ومستقبلهما، فقال: “أكرّر مرّةً جديدةً، إذا كانت إسرائيل تحاول ارتكاب إبادة جماعية فهم حقّاً سيئون في ذلك. لكنّني لم أرَ قط حالة إبادة. ما نراه أنّ الإسرائيليين لم يكتفوا بضخّ كمّيات من الغذاء أكثر من أيّ منطقة حرب في تاريخ البشرية. وإذا نظرنا إلى الصورة فلن نرى أشخاصاً يتضوّرون جوعاً، بل أشخاص يحتاجون إلى جرعة من حقن التنحيف. هذه ليست قضية تستحقّ أن تُطلق عليها تسمية (إبادة جماعية). وفّرت إسرائيل مليون جرعة لقاح لشلل الأطفال. نما عدد سكّان غزّة بنسبة 4% كلّ عام منذ 7 أكتوبر 2023”. هل حصل ذلك بفعل رعاية إسرائيل الإنسانية والأخلاقية لأهل القطاع، وهي التي تريد اقتلاعهم من جذورهم وتهجيرهم إلى الخارج؟ تشكّل هذه إهانة لشعوب العالم ومنظّماته وهيئاته الدولية التي انتفضت وأدانت الممارسات الإسرائيلية، ولا تتوقّف حتّى الآن عن المطالبة بوقف الإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين ووقف إرهاب المستوطنين الذين يريدون السيطرة على أملاكهم، فالأرض، في نظرهم، حقّ حصري لهم بناءً على وعد إلهي.
يريد بن غفير أن يصبح الفلسطيني المُقتلَع من أرضه مهاجراً، وأن “يعود” المهاجر اليهودي إلى “أرض الميعاد“
ويضيف الدبلوماسي “الفذّ” هاكابي: “غزّة لا تُقاس بمساحة لاس فيغاس. تمتلك إسرائيل أحد أكبر الجيوش تطوّراً وقدرةً في العالم. لو كانوا يريدون حقّاً ارتكاب إبادة وقتل المدنيين عمداً لكان بإمكانهم محو المكان بأكمله في غضون ساعتَيْن ونصف الساعة كحدّ أقصى”. تُحسب العملية بدقّة، وهو خبير وعالم وواقعي وموضوعي. يكمل كلامه قائلاً: “كان الإسرائيليون مستعدّين لإطعام العدو وإدخال الأدوية والإمدادات، حتّى مع تعريض أنفسهم للخطر، واتخاذ كلّ السبل الممكنة لحماية المدنيين، على الرغم من أنّ حركة حماس كانت تنقل المدنيين تحت تهديد السلاح إلى المناطق التي أعلنت إسرائيل مسبقاً أنّها ستكون أهدافاً عسكرية. الآن، إذا كانت هذه إبادة جماعية فسنضطر إلى إعادة صياغة كلّ تعريف لها”. يصرّ هاكابي، بهذا المنطق الخطير والعقلية التي تغطي الجريمة الكُبرى في تاريخ البشرية، على أنّهم “الناموس والقاموس” والضمير والمرجع لتعريف القضايا ووضع البرامج والخطط. يشكّلون هم الحَكَم وصاحب القرار، ويعتبر أنّ “الإبادة الجماعية” مصطلح يُحبّ الأوروبيون استخدامه، ولا يحقّ لأيّ عقلاني ومفكّر يمتلك حدّاً أدنى من الإلمام بالحقائق أن يطلقه على دولة إسرائيل.
تمثّل هذه الدولة الحقيقة. لا يُعدّ القادة والمسؤولين والمنظّمات والهيئات الدولية، التي استنفرت ولا تتوقّف حركتها ضدّ “الإبادة” وتطالب بـ”فلسطين حرّة”، مفكّرين وعقلانيين. ينحرف هؤلاء عن الحقيقة، ويبدون غوغائيين، وفوضويين.
أكّد السفير هاكابي: “حضرت اجتماع مجلس السلام. كان أعضاؤه واضحين جدّاً: لإسرائيل كامل الحقّ في الدفاع عن نفسها، وفي تحييد الأسلحة الموجّهة ضدّها. ومع تصاعد معاداة السامية في أنحاء العالم، أعتقد أنّنا سنشهد ازدياداً في أعداد الأشخاص المتوجّهين إلى الوطن اليهودي، ولذلك من المنطقي أن تقام بعض هذه التجمّعات في يهودا والسامرة”. كيف؟ يجري هذا بكلّ بساطة، بتهجير أهلها ومصادرة أملاكهم، وهذا ما يجري الآن. وعلى الرغم من انتقاد هاكابي “مشاهد شبّان ملثّمين يحملون الهراوات ويستولون على منازل عائلات في الضفّة، من بينها عائلات يحمل أفرادها الجنسية الأميركية، إلى جانب اعتداءاتهم على صحافيين دوليين خلال الأسابيع الماضية، وتُلحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل وداخل الحزب الجمهوري في كلّ أنحاء العالم”، يعلن: “ليس لإسرائيل الحقّ فقط في البناء في مناطق خاضعة لأوسلو، بل تقع عليهم مسؤولية فعلية تتمثّل في إنشاء مستوطنات يستطيع أبناء شعبهم العيش فيها”.
يعلن عملياً تأييد استقدام يهود العالم إلى “الوطن اليهودي”، وبالتالي تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم. وتزامن كلامه مع ما قاله بن غفير: “هناك أعداد كبيرة من الفلسطينيين ترغب في الهجرة. علينا أن نتيح لهم الاندماج في دول المقصد، وأن نوفّر لهم انتقالاً سلساً ونرعاهم في البلد الذي نرغب في هجرتهم إليه، من حيث السكن والتعليم والرعاية الصحّية. وهذا ممكن. أقول لكم بالتأكيد: لقد حضرت اجتماعاً سرّياً للغاية، وهناك دول أبلغت دولة إسرائيل أنّها مستعدّة لذلك مقابل ميزانية وأموال… نتحدث عن أهدافنا: مغادرة 250 ألف شخص من غزّة في السنة الأولى، ونحو مليون شخص خلال ثلاث سنوات، وفي غضون سبع سنوات يمكننا الوصول إلى مليون وتسعمائة ألف مهاجر. يتطلّب هذا إنشاء وزارة للهجرة وسنتولى نحن مسؤوليتها”.
يروّج لـ”عمل إنساني” يليق بـ”الفلسطينيين”، وتوفير الطريق الآمن للوصول إلى المكان الآمن والإقامة والعمل. يبقى المهم: “هاجِروا”، “اتركوا إسرائيل”، “تهجّروا منها”. يريد أن يصبح الفلسطيني المُقتلَع من أرضه مهاجراً، وأن “يعود” المهاجر اليهودي إلى “أرض الميعاد”. يصبح كلّ شيء جاهزاً. ويذكّر هذا بما أعلنته إدارة بايدن سابقاً في بداية الحرب على غزّة، ليؤكّد التكامل في النظرتَيْن الأميركية والإسرائيلية حول المستقبل الفلسطيني وهدف “مجلس سلام ترامب”. وفي هذا الاتجاه، تزامن هذا الكلام مع زيارة نتنياهو مستوطنة “سديروت”، وأمضى دقائق واقفاً مصفّقاً ومشجّعاً مَن كانوا يهتفون في استقباله: “شعب إسرائيل حيّ حيّ. لتمحَ فلسطين… ما أطيب، ما أجمل أن تمحى فلسطين”. شجّعهم، وتفاعل معهم، وتفاخر بأنّه ينفّذ هذه العملية.
لو كانت ثمّة إرادة وإدارة عاقلة لاستفاد العرب من اللحظة التاريخية المؤاتية التي نرى فيها العالم يقف في وجه إسرائيل
ونشر وزير خارجية بريطانيا إد ميليباند، تعليقاً على هذا، مقطع فيديو انتقد فيه السياسة الإسرائيلية قائلاً: “خرجت للتوّ من اجتماع ناقشنا فيه الوضع في غزّة مع أشخاص كانوا هناك وآخرين لا يزالون على الأرض، وبصراحة ما يجري هناك مروّع. سمعت قصصاً عن منع دخول الأغذية وعن أطفال يموتون وهم ينتظرون العلاج الضروري المنقذ للحياة. وعندما نسمع هذه الشهادات عمّا يجري ندرك أنّنا، حكومةً بريطانيةً، وكما قال رئيس الوزراء، علينا أن نتحرّك بحزم أكبر ممّا فعلنا حتّى الآن”. ولم يتأخّر سموتريتش في التعليق: “نُعدّ ردوداً دبلوماسيةً واقتصاديةً مؤلمةً ضدّ بريطانيا ودول أخرى ستفرض عقوبات على الصناعة الإسرائيلية. سنوفّر شبكة أمان للمتضرّرين من العقوبات، وسنساعد في فتح أسواق أنّى دعت الحاجة. فكرة إجبارنا على الانتحار وإقامة دولة إرهاب في قلب إسرائيل من خلال مذكّرات اعتقال دولية وعقوبات اقتصادية غير مقبولة”. محقّ سموتريتش هذه المرّة: تحتكر إسرائيل وكالة دولة الإرهاب، ويغدوا الإرهاب سمةً واختصاصاً وعقيدةً إسرائيلية. ولذلك سيسعون إلى توفير الأمان للإرهابيين المستوطنين ومنع العقوبات عنهم لتحقيق ما وعد به نتنياهو وما قاله بن غفير وغيره.
وعندما تصل بريطانيا وأوروبا عموماً، وقوى ومنظّمات وشخصيات داخل أميركا نفسها، إلى الحديث عن “إبادة” و”تهجير” ضدّ الفلسطينيين، وضرر يلحق بالحزب الجمهوري وبـ”الإدارة الأميركية”، هل يتوهّم “المفكّر” هاكابي أنّه بما قاله أقنع (ويقنع) العالم بأنّ لا مجاعة في غزّة، بل عمليات “تنحيف أجسام”، لأنّ إسرائيل أغدقت الطعام على الفلسطينيين وتعاملهم معاملة حسنة؟
لو كانت ثمّة إرادة عربية وإدارة عاقلة وقناعة بالخطر المحدق بالمنطقة كلّها، لبادرت إلى الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية المؤاتية التي نرى فيها العالم يقف في وجه إسرائيل، ولا يقبل ممارساتها و”إبادتها” وعدوانها المفتوح من غزّة إلى الضفّة وسورية ولبنان، وجرائمها التي لا توصف، وتجاوزها الأعراف والقوانين الدولية كلّها، وانتخاباتها المقبلة التي لا برامج سياسية فيها سوى المشاريع والأفكار الجهنمية المرعبة التي تعد بقتل وتهجير الفلسطينيين لإقامة “الوطن اليهودي” الذي لا حدود له.
لا يتصارع اليوم فريقان بين “معاداة السامية” وارتكاب “الإبادة الجماعية”. يبدع فريق واحد في ممارسة الأمرَيْن: إسرائيل، بالعنصرية والتمييز العرقي واحتقار الفلسطينيين إلى حدّ اعتبارهم ليسوا بشراً.
المصدر: العربي الجديد






