
قد ينتهي أثر زيارة معرض دمشق الدولي لدى كثير من الزوار بمجرد مغادرة مدينة المعارض، لكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى بعض زوار ركن “حين تتكلم الجدران” في جناح وزارة الداخلية، حيث انتهت الزيارة لدى بعضهم بنوبات بكاء أو هلع أو توتر شديد.
أما بالنسبة إلى الناجيات من سجون ومعتقلات نظام الأسد المخلوع، فلم يكن الركن مجرد مساحة عرض عابرة، بل كانت زيارته أو حتى مشاهدة صور من داخله أشد سوءاً ومرارةً، ولا سيما مع وجود تجربة اعتقال مأساوية في أقبية الفروع الأمنية والمحاكم العسكرية لأشهر أو سنوات.
يسلط هذا التقرير الضوء على الحالات النفسية التي عانتها الناجيات بعد زيارة ركن “متحف السجون” في معرض دمشق الدولي في الدورة 63 منه، أو حتى رؤية مقاطع فيديو وصور منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي من هذا الركن، وكيف أثَّر ذلك في تجاوزهنّ للمأساة سلباً أو إيجاباً، والطريقة الأمثل لعرض “متاحف السجون” وسط تساؤل: هل تكون زيارة أماكن الاعتقال أو رؤيتها جزءاً من العلاج النفسي؟
انتكاسة نفسية طارئة
“عشتُ اللحظات الأولى لاعتقالي” تصف الناجية ديمة منذر الشمري دخولها ركن “متحف السجون” بأنه عودة كاملة إلى لحظات الاعتقال، لا مجرد استذكار لها. وتقول إن الصور والأدوات المعروضة لم تستدعِ في ذاكرتها مشاهد من المعتقل فحسب، بل جعلتها تعيش التجربة مجدداً بكل ما تحمله من آلام وكدر وثقل نفسي.
وبينما يتحدث مشرف الركن للزوار عمّا فيه، كانت أعراض “الصدمة” تتفاقم تدريجياً في نفسها والأسئلة تتالى في رأسها، تقول “كنت أؤنب نفسي على دخول، أقول: لمَ دخلتُ؟ ما الذي أوصلني إلى هنا؟ هل يجب أن أخرج؟ كيف أتراجع؟”.
ومع رؤية أبواب الزنزانات وأدوات التعذيب، بدأت ديمة باسترجاع لحظة جلوسها إلى كرسي التحقيق، “تجمد قلبي” كما تصف حالها. وهي ترغب بشيء واحد قبل مغادرة الركن “يجب أن أحطم هذا الركن بما فيه”.
كراسي التعذيب في ركن متحف السجون – معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)
اعتُقلت ديمة عند حاجز الفرقة الرابعة في منطقة الدرخبية عام 2015؛ لأن زوجها كان ملاحقاً أمنياً ونقلت لاحقاً إلى فرع فلسطين في دمشق، لتُجرَّم بتهمة “ارتكاب أعمال إرهابية”.
وتقول ديمة إنها دخلت الركن معتقدة أن مواجهة الخوف ربما تساعدها على تجاوزه، لكن النتيجة جاءت معاكسة، وتضيف: “يقال لنا في الدعم النفسي إننا قد نتجاوز الألم عندما لا نهرب منه بل نواجهه، لكنني دخلت في حالة عصبية ونفسية استمرت يومين بعد الزيارة. شعرت بأن المأساة تكررت”.
علاج بالصدمة؟
على عكس توقّعاتها، ظنّت الناجية صفا عبد التركي، أن زيارة مكان الاعتقال سيكون جزءاً من رحلة العلاج النفسي من “الرض بعد الصدمة PTSD” أو كما يقال “داوِها بالتي هي داء”، وهو ما دفعها إلى اتخاذ قرار بزيارة فرع الأمن الجنائي ما إن تصل إلى سوريا. لا تزال صفا في فرنسا بعد خروجها من معتقلات النظام البائد عام 2014، وتدرس الإرشاد النفسي في تخصصها الجامعي.
لكن ما شاهدته على منصات التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو لركن “متحف السجون”، جعلها -كما تقول- تعيد حساباتها بشأن مواجهة مكان الاعتقال أو الدخول إليه مجدداً؛ إذ إنّ ما شاهدته في الآونة الأخيرة جعلها تدرك بأن آثار الصدمة النفسية لا تزال موجودة وهي تستردّ كاملةً بما فيها من ألم وحزن بمجرد رؤية صورة أو سماع صوت أو مشاهدة مقطع من فيديو أو حتى مسلسل يحاكي واقع المعتقلات.
محاكاة حقيقية لمهاجع المعتقلات في ركن متحف السجون – معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)
تقول صفا لموقع تلفزيون سوريا: “لطالما اتبعت آلية دفاع نفسية تتمثل بتجنب ما يثير نوبات الهلع والذكريات الأليمة، وكنت أظن أنني سأواجه مخاوفي يوماً ما، بزيارة مكان الاعتقال نفسه لكن بإرادتي، لكن بعد رؤية ركن وزارة الداخلية على منصات التواصل الاجتماع، تيقنت أنني خرجت من المعتقل قبل 12 سنة لكنه لم يخرج مني بعد!”.
عانت الناجية صفا خلال الأيام الماضية من نوبات هلع وأحلام سيئة “كوابيس” في إثر مشاهدتها عشرات المقاطع المصورة من “متحف السجون”، وعلى الرغم من تأكيدها على ضرورة هذا النوع من المتحف إلا أن مخاوفها ازدادت من الانهيارات النفسية التي قد يتسبب بها.
ذاكرة لا بد من توثيقها
انهارت الناجية سلما سيف عند دخولها ركن “متحف السجون”، حينما وقفت أمام باب زنزانة حقيقي نُقل من أحد الفروع الأمنية ليكون شاهداً أخيراً على أسماء المعتقلين المحفورة عليه، وعلى عذاباتهم. وواجهت سلما سيلاً من ذكريات قاهرة أعادت إليها صور صديقات السجن وأيام مريرة عاشتها معهنّ. أما غصّتها الأكبر فكانت حينما تذكرت النساء اللواتي أعدمهنّ النظام بتُهم “الإرهاب”.
أبواب زنزانات حقيقية في ركن متحف السجون – معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)
تقول سلما لموقع تلفزيون سوريا: “رغم محاولاتي بأن أكون قوية، إلا أن لحظات من الألم والانهيار كانت أقوى مني، ولا سيما حينما نتذكر مَن استُشهدوا في المعتقلات ونتمنى لو أنهم موجودون”.
وتؤكد سلما على ضرورة هذا النوع من المتاحف لتخليد ذكرى المعتقلين، وتوثيق حال المعتقلات في زمن النظام المخلوع ووحشية تلك المرحلة، ولا سيما مع وجود مدافعين عن تلك الحقبة. وكانت سلما قد اعتُقلت في عام 2014 لمدة 6 أشهر بتهمة “تمويل إرهاب”.
تتابع سلما حديثها: “هناك رسالة كان يجب أن تصل من خلال هذا المتحف، وهي أن ثمن النصر كان غالياً ودُفع من دماء المعتقلين. وكنا نتمنى لو أن هناك مقارنة بين حال السجون في زمن النظام المخلوع وفي الوقت الحالي؛ فإصلاح الإنسان هو الأولوية”.
“توثيق لا استعراضا تجاريا”
تضمن ركن “متحف السجون” عرضاً لملابس معتقلات سابقات في الفروع الأمنية ودمى لأطفال مصنوعة بمواد بدائية داخل السجون لتسلية الأطفال آنذاك خلال اعتقالهم مع أمّهاتهم، إلى جانب وجود أدوات تعذيب مختلفة استخدمت من المحققين والسجانين لقهر الجسد وإذلال الإرادة.
أدوات التعذيب في ركن متحف السجون – معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)
وترى الناجية حلا هزاع مديرة منظمة “ناجيات سوريات” أن هناك خللاً جوهرياً في طريقة التعامل مع ذاكرة الاعتقال والتعذيب في سوريا، ولا سيما أن السجون ومعتقلات الفروع الأمنية في عهد النظام هي ليست أدوات يمكن نقلها وعرضها، بل هي ذاكرة وطنية مؤلمة وشاهدة على الجرائم.
وبينما تؤكد هزاع على ضرورة مبدأ التوثيق، تشير في الوقت نفسه إلى أسئلة جوهرية مطروحة حول كيفية التوثيق وسياق تقديمها، إذ لا يجب تحويلها إلى معرض تجاري واقتصادي لا ينسجم مع أهمية مسارح الجريمة وحجم الألم الذي احتوته.
وتقول هزاع لموقع تلفزيون سوريا: “كان الأجدى أن تُبنى هذه الذاكرة ضمن متاحف وطنية متخصصة، تُعنى بالتوثيق والبحث وجمع الشهادات، وتعرض تاريخ المعتقلات والانتهاكات ضمن سياق يساعد على فهم ما حدث ويمنع تكراره، لا ضمن مساحة قد تعيد إنتاج الصدمة للضحايا”.
شروط غائبة
علّقت وزارة الداخلية في ركن متحف السجون تحذيراً يماثل ذلك الذي يسبق مشاهدة فلم رعب، “ينصح بعدم دخول ما دون 18 عاماً”، كما وضعت تحذيراً خاصّاً بأنه غير مناسب لـ “الحوامل” “معتقل سابق” “أصحاب القلب الضعيف”.
تحذيرات من الدخول في ركن متحف السجون – معرض دمشق الدولي (تلفزيون سوريا)
في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، الاختصاصية النفسية صهباء الخضر، أكدت أن بعض الزوار ولا سيما من الناجين وذوي المفقودين قد يحتاجون دعماً نفسياً عقب زيارة الركن، كما سيحتاجون إلى الحديث مع شخص يثقون به أو القيام بأنشطة تساعدهم على استعادة الشعور بالأمان.
وتقول الخضر: “من الضروري مراعاة وجود مختص نفسي أو داعم نفسي في المكان حتى يقدم المساعدة المطلوبة للزوار، وإذا كانت الاستجابات النفسية شديدة أو مستمرة وتؤثر في الحياة اليومية، فمن المهم الحصول على دعم من مختص نفسي لديه خبرة في التعامل مع الصدمات”.
بينما أشارت حلا هزاع مديرة “ناجيات سوريات” إلى تواصل عدد من الناجيات معها للحديث عن الركن وكانت مشاعرهن “بين الألم والاستياء”، كما تقول. كما أكدت هزاع ضرورة التفريق بين إحياء الذاكرة واستهلاكها، والحذر من تحويل الألم إلى مشهد عابر.
تقول هزاع: “تواصلت معي بعض الناجيات بعد انتشار الحديث عن هذا الركن، وبالنسبة لبعضهن فقد أعادت هذه المشاهد تفاصيل الاعتقال وما رافقه من خوف وعنف وإذلال، وأثارت لديهن ذكريات صادمة اعتقدن أنهن تجاوزن جزءاً منها. كما لاحظت أن عدداً كبيراً من الناجيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبّرن عن رفضهن للطريقة التي قُدمت بها هذه التجربة، لأنهن شعرن بأن معاناتهن لم تُعرض ضمن سياق يحترم التجربة الإنسانية للضحايا، بل اختُزلت في أدوات ومشاهد”.
المتحف ليس علاجاً نفسياً
يندفع بعض الناجين والناجيات إلى زيارة أماكن الاعتقال، ولا سيما مع الأحاديث المتكررة عن ضرورة مواجهة المخاوف وأماكن الصدمة، وقد يقع بعضهم بعد زيارة كهذه في نوبات بكاء أو هلع أو يضمرون أثراً نفسياً يستهلك طاقتهم وصلابتهم.
بسؤال المختصة النفسية صهباء الخضر عن الأمر، أوضحت لموقع تلفزيون سوريا أن التأثير يختلف من شخص لآخر؛ فهي بالنسبة لبعض الناجين استعادة للألم والكدر، بينما قد تمنح آخرين شعورًا بالاعتراف بتجربتهم وأن ما حدث لهم لم يُنسَ أو يُنكر.
تقول الخضر لموقع تلفزيون سوريا: “لا يمكن اعتبار التأثر الشديد دليلًا على الضرر، ولا اعتبار الشعور بالراحة دليلًا على التعافي. المتحف ليس علاجاً نفسياً، ولا يمكن أن يحل محل العلاج المتخصص، وتكمن أهميته في حفظ الذاكرة والاعتراف والدعم النفسي والاجتماعي، لأنه يوثق شهادات الناجين ويجعل تجاربهم مرئية ومعترفاً بها”.
المصدر: تلفزيون سوريا






