ثنائية النفوذ والاستحقاق الليبي

الفيتوري شعيب

                 

 

يأتي اتفاق لجنة 4+4 الليبية في 30 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، الموقّع في العاصمة طرابلس، والموسوم بـ”اتفاق الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغّر حول تنفيذ خريطة الطريق السياسية التي تيسّرها الأمم المتحدة”، ليشكّل نقطةَ تحوّل قد تكون مفصليةً في مسار الأزمة الليبية، باعتبار أنّ أبعاد الاتفاق تمثّل، بالدرجة الأولى، إعادة الصياغة البنيوية للمشهد الليبي تتجاوز الواجهات المؤسّسية الحالية لتكرّس ثنائية القوّة النافذة على الأرض، إذ تتجلّى القراءة المستنبِطة لجوهر هذا الاتفاق في أنّه أرسى، للمرّة الأولى بطريقة صريحة، معادلة تقاسم المصالح بين طرفَيْن رئيسيَّيْن يمثّلان سلطة الأمر الواقع في الشرق والغرب، مع إشراك شكلي لبعض أعضاء مجلسَي النواب والأعلى للدولة.

يبدأ هذا الاتفاق السياسي بالتغيير الإداري للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عبر استبدال جميع أعضاء مجلس إدارتها، وتسمية الأطراف الموقِّعة، المختلفة سياسياً، رئيساً ونائب رئيس وباقي الأعضاء، ما قد يعرقل المفوضية في أداء عملها إن لم يجعلها جزءاً من العملية السياسية بطريقة أو أخرى؛ بل والأكثر من ذلك، إنّه قد يعطّل مسارها الفنّي والمهني إذا ما خرجت التوازنات عن المسار المخطّط له.

حاول الاتفاق معالجة العقدة القانونية المستعصية التي تسبّبت في إجهاض الاستحقاقات الانتخابية السابقة

وفي الجانب القانوني، حاول الاتفاق معالجة العقدة القانونية المستعصية التي تسبّبت في إجهاض الاستحقاقات الانتخابية السابقة، لكنّ هذه المعالجة جاءت عبر صياغة تناسب الأطراف الموقِّعة بالدرجة الأولى، فحوّل الاتفاق الموانع الدستورية إلى شروط موقوفة على لحظة إعلان النتائج الانتخابية. وفي المقابل، يُحسب لهذا الاتفاق فكّ الارتباط التلازمي بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية لضمان عدم انهيار إحداهما بانهيار الأخرى، غير أنّه قد يُفهم، بمفهوم المخالفة، بأنّه يهدف أيضاً إلى تقليل المخاطر السياسية المصاحبة للعملية الانتخابية بالنسبة إلى القوى النافذة على الأرض التي وقّعت الاتفاق بالدرجة الأولى، لا أكثر.

كما أنّ الخاصرة الرخوة للاتفاق بأكمله تكمن في إجراء الانتخابات خلال مدّة لا تتجاوز 24 شهراً في ظلّ سلطة تنفيذية واحدة ومؤسّسات موحَّدة، مع إدراج بند يتيم ينصّ على أنّه، في حال تعذّر ذلك، يُبحَث عن آلية مثلى بالتعاون مع البعثة الأممية، الأمر الذي يفرّغ هذا الاتفاق من محتواه الإلزامي، إذ إنّ الاشتراط الضمني لتوحيد الحكومة سابقة إجرائية، من دون تحديد الآلية الملزمة لكيفية تشكيلها، يمنح أيّ طرف فرصةَ التذرّع بتعذّر التوافق على الحكومة الموحَّدة لترسيخ سلطته الحالية وتأجيل الانتخابات من دون الخروج عن النصّ الشكلي للاتفاق.

مُخرَجات اتفاق أغسطس، بالصورة والظروف المطروحة، لن تؤدّي إلى انتخابات حرّة، ولا إلى تشكيل حكومة موحَّدة ذات سيادة

عموماً، ما إن أُعلن عن هذا الاتفاق حتّى خرجت ردّات الفعل التي ترى فيه تعدّياً على سلطتها وشرعيتها، فقد أبدى المجلس الأعلى للدولة استياءً صريحاً وتوجّساً من هذا المسار الذي يرى فيه تجريداً لصلاحياته وتجاوزاً للشرعيات المكتسبة من الاتفاقات السياسية السابقة، مشدّداً على أنّ أيّ تفاهمات سياسية ينبغي أن تستند إلى المرجعيات القانونية النافذة، وتحترم اختصاصات المؤسّسات، وألّا تتحوّل إلى بديل من الجهات صاحبة الاختصاص. وبمثله كان اعتراض المجلس الرئاسي، مؤكّداً أنّ نجاح أيّ توافق يرتبط بوضوح سنده واختصاصاته وقابليته للتنفيذ، لا بترتيبات جديدة تعيد إنتاج الخلافات أو تقوم على تقاسم المواقع.

وبالتوازي، يمثّل إقصاء القوى المسلّحة والتشكيلات الأمنية، خصوصاً في الغرب الليبي، من صلب هذه المفاوضات ثغرة عالية الخطورة، إذ تشعر هذه القوى أنّ التوافق بين طرفي الاتفاق يتم حتماً على حساب نفوذها ومكتسباتها الميدانية، وهو ما يحوّلها إلى جبهة رفض قادرة على إجهاض تطبيق الاتفاق في أيّ لحظة. ويضاف إلى هذا تهميش المكوّنات الاجتماعية والسياسية والقوى المدنية الأخرى. وعلى النقيض، رحّبت عشر دول غربية بهذا الاتفاق، ووصفته بأنّه “مرحلة مهمّة وموثوقة في سبيل إجراء انتخابات وطنية شاملة”.

وفي الجملة، وتأسيساً على ما سبق، تدلّ القراءة المستنبَطة من الواقع على أنّ مُخرَجات هذا الاتفاق، بالشكل والظروف المطروحة، لن تؤدّي في المدى القريب إلى إجراء انتخابات جديدة حرّة، ولا إلى تشكيل حكومة موحَّدة ذات سيادة حقيقية. وبالتالي، سيبقى الوصول إلى تجديد الشرعية الليبية من القاعدة الشعبية بعيد المنال، خصوصاً أنّ هذا الاتفاق بُني على منطق التكيّف والمحاصصة المُصغَّرة بين قوى الأمر الواقع، بدلاً من صياغة إطار سياسي شامل يضمن مشاركة القوى الفاعلة على الأرض كافّة، وتفكيك معضلة المؤسّسات الموازية بشكل بنيوي جذري، ناهيك عن تجديدها تجديداً تشريعياً منضبطاً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى