حكايات قريتنا – الجزء الثامن

د.عيسى بن ضيف الله حداد

طب جدتي

 كان طباً خليطاً عجيباً، من الأعشاب حيناً وأشياء أخرى، توارثتها جدتي بدورها مما مضى.

يتسق بعض منه مع منطق الحديث في الطب، وبعضه الآخر لا يتفق قطعاً.

رأيتها مرة تضع حبة حمص في فوهة خراج في ذراعها ثم تربطه بخرقة ما، زاعمةً بكون حبة الحمص قادرة على سحب القيح.. مرةً أخرى استنجدت بشريحة جانبية من بصلة مشويّة وبقرص صغير من العجين. كان الشفاء يأتي آخر الأمر.. – بعد مماطلة..

حينما أصبتُ بالتهاب القصبات، طبقت على ظهري الحجامات (كاسات الهوا كما تدعى)، المتكونة من كوب من زجاج (كوب الشاي) محتوٍ على ورقة مشتعلة. [الجدير بالذكر، خلال ممارستي الطبية في الجزائر في مشفى خاص بمعالجات أمراض الربو والتحسس الصدري، كان طبيب صيني يختص بالطب التقليدي الصيني، يطبق هذه الطريقة..] وبسبب تدني محتواها من الهواء، بفعل حرق الأوكسجين، يلتصق الكوب على الظهر بشدة. سقتني بذات الوقت منقوعاً نباتياً مكوناً من أوراق وزهور البابونج والمريمية التي تحصل عليها من البريّة.

الشفاء كان يأتي، وبأي كيف كان يأتي…؟ أجل، للمناعة الطبيعية والمكتسبة لها فعلها.

عَلَقة في البلعوم – ذات صدفة تعرضت لمحنة صحية ذات أهمية، حين تسللت إلى حلقي علقه مائية غزتني من ماء البركة العامرة بالطفيليات.

أخذت هذه العلقة اللعينة تتغذى من الشعيرات الدموية الغزيرة في الكائنة على الغشاء الباطن من حلقي، مما سبب لي نزف دموي متكرر، أقلقت هذه النزوف أهلي، أشارت جدتي إلى اللجوء لداية القرية، مريم السموريةـ امرأة خالي.

أحضرت السمورية كماشة حديدية صغيرة، شبيه إلى حد ما بالتي يتم فيها اقتلاع المسامير.. فتحت فمي إلى أقصاه، عبرت الأداة إلى الحلق، نزعت منه تلك العلقة، وانجلى عني شرها.

لم يكن قط مستغرباً في ذلك الزمان استعمال أدوات مثل تلك الأداة، في ممارسات طب جدتي وقريتي.. فكم من مرة، تم نزع الأسنان المسوسة بخيط من المصيص. ولكم كنت محظوظاً مع أسناني الصلبة، التي جنبتني شر، تلك التجربة الكربة.

شكراً لنباتات جدتي ولماء البركة الغني برصيد معدني، الأمر الذي وهب أسناني كنزاً وافراً من الصلابة.

لسعة عقرب – في تجربة أخرى، تصرفت جدتي هذه المرة بطريقة شبه طبية.

في ليلة ليلاء أثناء، تنقلي في الدار كالمعتاد حافي القدمين، أحسست بما يشبه كتلة صغيرة شائكة تنقض على قاع قدمي، أدركت على الفور دونما سابق خبرة مع لسعة العقرب.. صرخت وقذفت قدمي بسرعة البرق، فأنفك العقرب عن قدمي، بيد أني أخذت أولول، معتقداً أن الألم المبرح سيأتي، كان محتملاً ذلك الألم.. أسرعت جدتي وربطت ساقي من فوق القدم المصابة، وصنعت جرحاً صغيراً في نقطة اللسعة، ليسيل الدم مع السم. تم الشفاء دونما عناء. تجربة كربة – لم تخل ذكرياتي مع طب جدتي من لحظات، على غاية من الإحراج.

ذات مرة، كنت ألعب مع أخي الأصغر، طرقت يدي في عينه اليمنى دونما قصد مني، احمرت وبكى.

حضرت جدتي وبصحبتها أمي وخالتي.. – هي خالتي ذات السطوة، التي يخشى بأسها القاصي والداني في القرية.

حط اتفاقهن ثلاثتهن، بكون الأمر يستدعي وعلى عجل، أن أضع بضع نقاط من بولي في عينه المحمرة، رفضت وزعقت، وأرسلت كل ما تيسر لي من شتائم.

كان أهم ما يثير الحرج في ذاتي، أن أقوم بنزع سروالي وإظهار بضاعتي السرية أمام النسوة.. ناهيك عن هذا الفعل الذي بدا لي وبعفوية الأطفال فاقداً للذوق وللطب.. بيد أن وجود خالتي القوية ذات الصولة قلب حساباتي.

أعلنت عن رفضي، زمجرت خالتي وزأرت بصوتها الذي زلزل فرائصي. لم يكن بداً من تنفيذ المهمة الحرجة.. نزعت سروالي على خجل.. استلقى أخي هادئاً على ظهره مستسلماً لقدره، فتحت جدتي جفنيه، ليتلقى قطرات من بولي في عينه.. حاولت بما أستطيع أن أكون رؤوفاً معه.

على عجل ربطت دكة سروالي، وللريح أطلقت أعنة سيقاني، لاجئا لصخرة جدي كدأبي، هارباً من حضرتهن.

خطر محدق – أذكر أني تعرضت لامتحان أكثر عسراً من طب جدتي، جعلتني أخرج عن طوري وأتمرد، أرغي وأزيد..

كنت ألهو مع أخي الأصغر في الحجرة العلويّة من دارنا، بإلهام ما وضعت وسادتين صغيرتين في زناري مشدودين برباط ما.

ذات فجأة طرق باب دارنا صبيان من البدوان، يرغبون شراء حلوى من دكان أبي – وكان أبي قد أنشأ دكاناً لفترة وجيزة من الزمن، في الحجرة الصغيرة الغربية المحاذية لحجرة البيت الأساسية السفلية.

خرجنا على عجل نستجلي الخبر. مددت رأسي من على الجدار الصغير المطل على قاع الدار. فقدت توازني، سقطت على أرض الدار، من علو يناهز بضعة أمتار، أسهمت الوسائد في تخفيف وقع الصدمة، غبت عن الوعي.

أتذكر أنني سمعت قولاً من بعض الصبية: هيا لنسد له فوهة شرجه بأيدينا.. اعتقاداً منهم أن الروح تفارق الجسد من الشرج.

سارع بعض الصبية للجارة التي كنت قد رميتها بالحجارة، جاءت مسرعة، حملتني إلى الحجرة العلوية، استعدت رشدي.. ولتطبيب جروح رأسي وضعت الجارة ضمادات من خرق المكان.

درست جدتي وأبي وأمي، وضعي الصحي، أشارت جدتي، بأن لا شيء يشفيني سوى الكي في أعلى الصدر، ووضع إشارة الصليب في هذا الموضع، فالصبي ” أنقطع قلبه „؟.

بدأت جدتي تحضير الأداة الحديدية.. أمام مرآي اشتعال النار، استجمعت حميتي، واستردت بعضاً من مقومات قوتي، عزمت على الفرار.. ومن فمي طفقت تنهال شتائم اللعن كالأنهار.
إشفاقاً علي أخمد أبي النار، ربما لم يكن على درجة كافية من القناعة بجدوى هذه العملية الجهنمية، وهو الذي خبر الطب عن كثب في حيفا.

عمد أبي إلى حل أسهل يتمثل، بتناول البيض الطازج صباحاً على الريق، على مدى أربعين يوماً، بهدف تعويض الدم وتقوية صحة البدن.

بطيبة خاطر، أعلنت عن موافقتي، ممتناً لأبي الذي أنقذني.. طبقت الوصفة بدقة متناهية، خرجت سالماً من محنة تلك التجربة الرهيبة التي تقشعر لها الأبدان.

لم تكن جدتي وسائر الجدات، خاليات الوفاض من المعلومات عن الأمراض والوبائيات التي اجتاحت البلاد في الأيام الخوالي.

استمعت لقصصهن عن الجدري الذي يشوه الوجه، والسل القاتل، والملاريا المعالج في أوراق الكينا، والطاعون الذي يحصد الناس حصداً.. ذلك الطاعون الذي دخل في لغة اللعن.

ما زلت أتذكر، كيف كانت جدتي تروي عن نساء كن يمتصن ” عافية الرجال “.. هل يُرى فيما يروّى، أنباء عن حضور قديم لمرض الجنس العصري- الإيدز أو السيدا…!

🛑

الطبيعة أمنا

غرزت فيّ جدتي حب الطبيعة والتفاعل الحي معها، من دون تلك الحدود والسدود التي ابتدعتها آليات المدنية الحديثة.

كغيرها من قرى حوران، تتمتع قريتي بتربة بركانية غنية الخصوبة، ولولا شح الماء لكانت جنة غناء.

في أيام الربيع وحين تزدهي الطبيعة بحلتها الخضراء، تعبق السهول والحقول والروابي الصخرية بألوانها الزاهية. تفرج الطبيعة عن مفاتنها الدفينة بدون وجل أو حياء، تنتصب في ربوعها شقائق النعمان كالعروس بين الصبايا.

حينما تناجي الطبيعة أبنائها، داعية إياهم للاحتفال معها في أعراسها، تلبي جدتي وبرفقتي دعوتها، حاملة سكيناً ورغيفاً من الخبز المصنوع بيديها في فرن الدار، مصطحبة إياي للتجول الحر في بر الروابي الصخرية والسهول، باحثةً عما تنجبه الطبيعة إثر مخاضها الشتوي.

جدتي على معرفة وثيقة بهبات الطبيعة ونباتها البري.. ألم يكن الإنسان البدائي قد عاش على كنفها، من دونما حرث وزراعة…!

درجت جدتي على القيام بمهام ” الجني “- كما يسمّى بالقول الدارج.. تجني فيه الخبيز والعكوب والحميضة، والقرصعنة، والرشاد، والكزبرة، والهندباء، والكراث. حتى القراص المسلح بوبر واخز، كانت تفركه وتدعكه دعكاً ليصبح قابلاً للالتهام.

كنا نجني نباتات شائكة أو شبه شائكة، لا يدركها أهل الحضر، من بينها الرقيطة، والصنينيرة، والفجيلة، والخريريبة.. نتناول معظم هذه النباتات البريّة مع خبزنا، هكذا غضه.. [تعمدت ذكرها في الأسماء المتداولة..].

على ما أعلم، لم تكن معظم تلك النباتات البرية معروفة في بقاع أخرى.. على سبيل المثال، نبتة الخريريبة، وهي نبات شبه شائك يعطي قروناً شبيه بمظهر الفول، يؤدي تناولها لحدوث إمساك شديد، تؤكل نيئة أو مسلوقة يدعونها تفكهاً، ” بتفاح بلادنا “.

من مهارات جدتي، صنع أطباق شهية لبعض منها كالعكوب. لى وهج النار في فرن الدار. يتحوّل العكوب بأيدي جدتي إلى فطائر نلتهمها هنيئاً مريئاً..  لم يكن يعني جدتي من أعمال الطهي، سوى ما اعتادت العثور عليه من الطبيعة البكر، بالإضافة لأطباق الحبوب والبقول.

لم تتعدَ مهاراتها قط معين الاقتصاد البيئي التقليدي. لم تكن تحفل بالخضراوات الوافدة مع زحوف المدنية الحديثة.

أثبت أمي مهارة فائقة في التعامل مع ذلك الوافد. اكتسبت حساً مدنياً عالياً ومعرفة متقدمة بشؤون المطبخ الحديث، من خلال سنوات حيفا.

برعت أمي في تحضير أطباق يدخل فيها الكوسى والطماطم والفول والباذنجان والفاصولياء، والبامياء.. درج أبي على زراعتها في الحاكورة القريبة من دارنا.

انتمت جدتي إلى جيل النسوة العائدات بتربيتهن وثقافتهن ومهاراتهن الأولى إلى القديم.. ما برحت في سيرتها، بدائية وبسيطة في المأكل والملبس، والمعارف، والثقافة، والسلوك. لا تملك أي استعداد لإخراجها مما هي عليه.. بقيت مخلصة لدائرتها ودارها، لم تغادرها حتى آخر المشوار.

انتمت أمي إلى جيل آخر، كما عبرت في تجربة حياتية في المدينة الفلسطينية المتحضرة حيفا. بدت أمي على فرق نوعي مع جدتي، تاقت بحماس دافق إلى الرحيل نحو حواضر المدنية الحديثة، والتخلي الطوعي عن حياة القرية وبدائيتها.

التباين في الأجيال: هناك فرق جلي بين عالم جدتي وعالم أمي وأبي.. جدتي تمثل الجيل الريفي التقليدي، الذي حمل في ذاته خصائص وسمات من الزمن العثماني، في حين يعكس أبي وأمي ما طرأ على الناس في الريف السوري من تبدل خلال تأثرهم بالوافد، عبر حقب الانتداب الفرنسي.

بين جدتي وأمي ما يشبه تقسيم المهام والأعمال- انتظم كل منهما في شأن يخصه، ففي الحين الذي يأتي فيه الشأن التقليدي إلى جدتي، يتحوّل كل ما له صلة بخبرة

مستحدثة إلى أمي.

لم يجرِ هذا التقسيم كاتفاق ووفاق، إنما جرى بكيفية عفوية، كتعبير عن تجربة ومعرفة وخبرة حياة..

انتمت جدتي بكليتها إلى قواعد ما يسمّى باقتصاد الاكتفاء المنزلي الكلي، لم تتعود على استعمال النقد إلا لماماً.. النقد القليل الذي تملكه درجت جدتي على إخفائه في ذيل منديلها الأسود، الذي ينحدر من الحطة الملفوفة على الرأس، ويمتد على مقدار أقل بقليل من طول قامتها، أو عبر جيوب تصنعها في الوجه الباطن لثوبها الطويل التقليدي الأسود المسمى “بالشرش” [ الحطة التقليدية لنساء حوران والأردن وبعض من أطراف فلسطين – المسمّاة بالعصبة، كذلك الحال بالنسبة للثوب الأسود الطويل – المسمّى بالشرش. هل بعني الشرش هو الجذور…؟]

اعتادت جدتي الاكتفاء على ما تجود به طبيعة البيئة من حشائش مفيدة كغذاء، ومن المواد المستمدة من غلال أرضنا من قمح وعدس وحمص، ومما تدر به أغنامنا وماعزنا من حليب، وما يأتي منه من مشتقات من لبن ولبنة وجبن وسمن وكشك وكثي (الجميد أو الهقيط). أتقنت جدتي تصنيع مشتقات الحليب هذه، ناهيك عن بيض دجاجاتها.

يشكل البيض المصدر الرئيسي للغذاء البروتيني لديها..

وما كان للحم الفروج والديك والخراف الصغيرة وجدي الماعز، أن يدخل في سلم نظامنا الغذائي، سوى في مناسبات الأعياد والدعوات والضيوف الأعزاء.

في الحالات النادرة التي تستدعي الحصول على الفاكهة، كالعنب والتين والبطيخ الوافد إلينا من جوارنا من جبل العرب.. يجري الحصول عليه وفق نظام التبادل، في مقابل القمح والشعير والعدس.

حالما تستدعي الضرورة لشراء الحاجيات البسيطة من دكان القرية المتواضع، يدخل البيض والقمح كأداة تبادل. لا بد من الاعتراف، بكون هذا النظام الغذائي الطبيعي، وفر لي ولنا فوائد لا تمحى، فقد زودني وزودنا بوافر الصحة وصلابة العود وقوة الأسنان التي أثارت دهشة الطبيب. في زمن متأخر عن عهد جدتي ونظامها الغذائي.

🛑

اقتصاد وقرية ونظام الاقتصاد المنزلي:

 على هدى الواقع، رسخت البيئة منظومة عمل عفوية ولكل له دوره في تنفيذها.. جدات وأمهات وآباء بما فيهم الأبناء.

امتناناً مني لذكرى الجدات والأمهات اللواتي قد بذلن الجهود المضنية، في تحقيق منظومة الكفاية الذاتية، عبر ما يسمى بالاقتصاد المنزلي.

يجدر بي أن أسرد بشيء من الإسهاب، ما تيسر لي من تذّكر، لمهارتهّن.. لاسيما، بكون تلك المهارات، طفقت تسير في بلادنا على طريق الانقراض مع غزو الحضارة الزاحف.

للحضارة أسنان تطحن الأخضر واليابس، لا تميز في التراث بين الصالح والطالح.. تجرف كل شيء أمامها، لا شأن للعدل والرأفة في قاموسها.

من بين تلك المهارات، تأتي أعمالَ التحويل في مواد غذائنا. اعتادتا جدتي وأمي الإشراف والعمل الميداني على تصنيعها.

البرغل في الطليعة – من القمح يأتي البرغل الممثل للمادة الأساسية في غذائنا. في مجرى تحضيره، تساهم العائلة بكليتها، وفق طقوس احتفالية، له توقيته، وطرقه ومراحله.

السلق: حينما يشرع الصيف، في لملمة حقائبه للرحيل، تاركاً ساحة الزمن لقدوم الخريف، يبدأ ناس القرية في تنظيم شؤون طقوسهم في حملة السلق للقمح.

تدور رحى عملية السلق وفق نسق منظم، يتناوب فيه تباعاً أهل القرية..

على مجرى من فعل تعاوني، أقام أهل القرية لهذا العمل منشأة على تخوم البركة، تدعى الخلقينة، كملكية عامة للقرية.

قوامها طوق مصنوع من الحجارة المرصوصة بالطين، يقوم بوظيفة موقد.. تم إنشاؤه، على قياس إناء معدني نحاسي واسع، لاحتواء القمح.

المجرى – توقد النار في موقد الخلقينة.. يجتمع الصبية ويبدأ الاحتفال بالتهام السليقة، الناجمة عن القمح المسلوق الممزوج بالسكر، كتقدمة بشر وبَرَكة.

فيما بعد السلق إلى التجفيف تحت أشعة الشمس.. و من ثم إلى الطحن في مطحنة القرية، أو لدى مطحنة قرية مجاورة. يليه الفصل بين المكونات، عبر طاقم من الغرابيل المتباينة في قياس الفتحات.

يسرنا نحن الصبية، الإسهام الفعال في مجرى هذه العمليات، من نقل القمح والماء والوقود وإشعال النار ومرافقة الحمار إلى الطاحون، وحماية السليقة ومشتقاتها البرغل بأنواعه، من غزوات العصافير.

من القمح يتم تحضير الفريكة: على وقع من شهر نيسان، تتشكل السنابل- يتم جمع سيقان القمح في باقات (جرزات)، تُعرض السنابل الطرية للنار، حتى تأخذ كفايتها من الصلابة (الفريكة).

يجري تحرير حبات القمح المشوي بعملية الفرك اليدوي أو بأداة خشبية مناسبة، ثم فصله عن القشور.. نحن الصبية لنا باعنا في مجمل هذه العمليات – مساهماتنا تبيح لنا لالتهام الفريكة الغضة اللذيذة.

سيقان القمح: تدخل بدورها حلبة الإنتاج المنزلي، منه تُصنع حاويات القش المتعددة الاستعمال، من بينها الطبق القشي مائدتنا.. التي حولها نستدير جلوساً على الأرض، لتناول الغذاء.. فضلاً عن ” المناسف القشية ” المتعددة الأحجام والألوان.

في الصيف القائظ، دأبت النسوة أن يجلسن على أكداس القش في البيادر، يصنعن ببراعة وهمة تلك الحاويات، يعملن على تلوينها وإسباغ مظهر فني من خلال تكوين أشكال متعددة في صناعتها..  هنا أظهرت أمي براعتها وحذاقتها الفنية.

 للقمح استعمالات أخرى، فالتبن كما أسلفنا، يدخل في الطين، كي يعطيه قوامه الصلابة الكافية ليصبح في عداد مواد البناء، كطبقة طلاء.. فضلاً عن كونه العلف المفضل للحيوان.

سيقان القمح تنتج القصل، وله الدور المجلّى كمادة، تساهم مع غيرها في مناحي توفير الطاقة.

العدس – بعد الحصاد يتم تحريره من أوراقه، يُستحضر منه العدس المجروش: تجري العملية بين رحى الجاروشة الحجرية. تتكوّن الجاروشة من صفيحتين حجرتين دائريتين ومتطابقتين حجماً وشكلاً، يقع في مركز الصفيحة العليا مقبض خشبي قوي وبارز، وظيفته تدوير هذه الصفيحة العليا على قرينتها السفلى، كي تقوم بتحطيم حبات العدس إلى أجزاء.

ويأتي الحمص والذرة والسمسم بدرجة أقل، والجلبانة كعلف للحيوانات.

من الحاكورة القريبة: أتقن أبي مجمل الزراعات الصيفية، من الطماطم، والكوسا والبصل والتوم، والخيار والفاصولياء والبطيخ.

الحليب ومشتقاته: لدينا كغيرنا عدد محدود من الماعز والأغنام، يتراوح كل منها بعشرة رؤوس – حسب التعبير الدارج – يزداد العدد مع التوالد.

رعاية المواشي يتولاها بدو القرية، الذين يقيمون في خيامهم على ربوعها، يزاولون رعي أنعام القرية ورعايتها. يقودونها إلى ديار القرية في كل مساء من أيام مواسم إفراز الحليب، ربيع وصيف كل عام، تعمل النسوة كجدتي وأترابها على استخلاص الحليب من ضروع الأغنام والماعز.

لجدتي علاقة وثيقة بتربية الأنعام: حالما تنضب مراعي القرية مما لديها من الحشائش الممتع للأغنام، تحمل جدتي ذاتها وصويحباتها لمرافقة القطعان إلى الجولان، الأكثر ماءً وأعشاباً. تدعى تلك الرحلة برحلة ” التعزيب “

(من عزبة المصرية، أو عزوبية – العيش المنفرد).

تقطن فيها جدتي وأترابها من النسوة في خيام البدو. من مهامها جمع الحليب وصنع المشتقات.

لم تكن إسهامات جدتي في رحلة ” التعزيب ” محصورة فيما يخصنا، بل بأنعام أخوتها (سلمان وسليمان) وغيرهما، طوعاً لوجه الله..

لم يكن من شأن جدتي تحصيل أجور مقابل أية خدمات، لم يكن ذلك قائماً قط في وعيها ومخيلتها، كقاعدة تعامل وسلوك وقيم حياة.

من أعمال تصنيع الحليب – الخضيض: يوضع الحليب في حاوية مصنوعة من جلد الماعز، تحتوي فتحة عليا، يتم إغلاقها.. يجري خض الحليب على ساعات، تترنم أثناءها جدتي بأغاني تتسق مع حركات الخض..

لكم كان يطيب لي المشاركة في فعل الخض، التي تعطي في النهاية الزبدة الطازجة البيضاء، ما تبقى من الحليب يدعى بالشنينة.

تستكمل جدتي أعمال التحويل: من الزبدة يتم تحضير السمن البلدي.. وقد أتقن أبي طريقة صنعه.

من الشنينة، يستحضر لبن الكيس بتخليصه من مائها.. بدوره يعطي الكثي، وهو اللبن المجفف تحت وهج شمس الصيف.

صنع الكشك: تتشكل المادة الأساسية من الكشك، من البرغل الناعم الممزوج في اللبن. يحضر في خليطه، تتلقى بدورها نصيبها من قبلات أشعة الشمس الحارة.. يفرك بعد جفافه ليصبح مسحوقاً، قابلاً للتحضير بطرق شتى للمائدة، بأشكال عدة..

من الحليب يأتي تصنيع الجبن الأبيض، بتأثير الأنفحة المستخلصة من معد صغار الماعز.

من الحليب يتم تحضير اللبن الرائب، ومنه اللبنة التي يمكن حفظها ككرات مغروسة في زيت الزيتون.

تربية الدجاج – من بين سلسلة المهارات المنوطة بفعاليات جدتي، يأتي تربية الدجاج. كان من شأن جدتي وفي أسوأ الظروف، الحرص الدائم على بقاء مردود الدجاج من البيض واللحم الطري، على المدى الكافي لاحتياجات الأسرة، كغذاء وقيمة تبادل.

بلغ من حذاقة جدتي، أن استطاعت الحفاظ المنظم على هذا المردود، رغم وافدات الوباء.. حالما يتم القضاء على دجاجاتها بفعل وباء ما، تعيد إنتاجه بطريقة مبتكرة.. تعمد جدتي لاستعارة بيضات ودجاجة حاضنة، من جاراتها، من الذين سلمت دجاجاتهم من الوباء، تقوم بتجديد حضور الدجاج، اعتباراً من الصيصان..

تعيد ما اقترضت من بيض والدجاجة الحاضنة، إلى أصحاب الفضل، كما كانت تدعوهم..

والكساء – تتعدى المهارات العاملة في مجال اقتصاد الاكتفاء المنزلي، مجرد التزود بالقوت.. فمن الغذاء إلى الكساء.

من صوف الغنم – يتم صناعة ثياب الصوف (الكنزات) لحمايتنا من قر الشتاء.

توفير الصوف: إبان فصل الصيف يأتي دور أبي.. مع أداة خاصة يملكها كمقص كبير، يعمل على جز الصوف، أي تجريد الأغنام من صوفها، يليه غسل الصوف وتجفيفه.

غزل الصوف: في مغزلها تهم جدتي لتحويل الصوف إلى خيوط دقيقة، يسرني بدوري أن أمسك لها طرف خيط الصوف لتلفه على مغزلها، ثم تعيد عليه الكرة ليصبح في دقة الخيط المطلوب للصنعة المحددة إياها. يأتي دور أمي، بيديها البارعتين والصنانير المعدنية أو الخشبية الدقيقة، تسعى لحياكة الكنزات لنا.. بما تحتوي عليه من رسومات فنية، بألوان عدة، بعدما يكون قد تم صباغة الخيوط الصوفية في أصبغة ملونة متعددة.

بالترافق تأتي حياكة البسط والأغطية الصوفية المتنوعة الأشكال والألوان. يتم ذلك بوضع لمسات فنية رائعة. دأبت أمي على إتقانها.

من جلد الماعز- يتم صنع حاويات اللبن والماء، كالقربة و ” جف ” الخضيض و ” الشكوة ” لخزن وحفظ اللبن.

وجلد الربابة تلك الأداة الموسيقية التي مهر أبي في العزف عليها.. ولكم أطربتني ربابة أبي وفعلت في نفسي موسيقاها الشجية الألحان..

أدت جملة هذه المهارات في تحويل الموارد والمواد التي تقدمها الطبيعة، إلى مواد نافعة، قيض لها على مد عائلتنا، كغيرها من عائلات القرية، بالمواد الأساسية لغذائنا وبالاحتياجات الأساسية الأخرى.

على هذا المنوال جرى الحال، لدى ناس القرى في حوران، في تلك الحقبة من الزمان..  ومما لا شك فيه، تعمم هذا النمط من الفعاليات الإنتاجية على مدى الريف في بلادنا.

لكم كان لدى أجدادنا من براعة وقدرة من ذاك الأوان، في فن التعامل مع مواد الطبيعة وتطويعها لمصلحة الإنسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى