المساءلة والإهمال الطبّي في قضية وفاة محمّد غميرة

  فضل عبد الغني

توفي محمّد غميرة، وهو شاب مصاب بالهيموفيليا، عقب احتجازه في مركز شرطة الحفّة في سورية. وقد أقرّت اللجنة الحكومية التي حقّقت في وفاته بأنَّ محقّقاً صفعه على رقبته أثناء الاستجواب، وأنَّ عناصر الأمن الداخلي كانوا على علم بحالته الصحّية، من دون أن تُدرج هذه المعلومة في السجلّ الرسمي أو تُبلّغ للقضاء. ثمّ أفاد بيان لوزارة الداخلية بأنَّ التحقيق خلص إلى أنَّ الوفاة نجمت عن الصفعة. ولهذه الإقرارات أهمية، لكنّها تثير أيضاً سؤالاً أكثر صعوبة: ما الالتزامات على الدولة عندما تضع شخصاً تحت سلطتها أثناء الاحتجاز، وهل تفي استنتاجات اللجنة بهذه الالتزامات؟

تتمثّل القضية الرئيسة في المسؤولية عن المحتجز، أي الواجب الذي تتحمّله الدولة عندما تفرض سيطرتها على حرّية شخص وسلامته، فالحرمان من الحرّية لا يقتصر على تقييد حرّية التنقل، بل ينقل إلى الدولة السيطرة على ظروف معيشة المحتجز، وإمكانية حصوله على الرعاية الطبّية، وقدرته على التواصل مع أسرته ومحاميه والعالم الخارجي، ولأنَّ المحتجز لا يستطيع اتخاذ ما يلزم لحماية نفسه، يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدولة ما تصفه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في تفسيرها المعتمد للحقّ في الحياة، بأنَّه واجب معزّز بالعناية. وتنصّ المادة 10 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُعدّ سورية طرفاً فيه، على وجوب معاملة الأشخاص المحتجزين معاملةً إنسانيةً تحترم كرامتهم الأصيلة. وبذلك يترتّب على الاحتجاز انتقال مجموعة من المسؤوليات إلى الدولة، وهي مسؤوليات لا تتوقّف على سلوك المحتجز أو تعاونه أو وضعه القانوني.

ولا ترقى النتائج المُعلَنة إلى هذا المعيار، لأنّها تترك سؤالاً سببياً محورياً من دون تفسير. فقد وصفت اللجنة، في مؤتمرها الصحافي، الوفاة بأنّها ناجمة عن مضاعفات نزف دماغي لدى شخص مصاب بالهيموفيليا، وأفادت بعدم وجود إصابات خارجية ظاهرة، أو كسور، أو جروح رضّية. ثمّ عزا بيان الوزارة سبب الوفاة إلى صفعة المُحقِّق. وقد يكون من الممكن التوفيق بين الروايتَيْن، إذ إنّ ضربة طفيفة لشخص مصاب باضطراب نزفي قد تفضي إلى مضاعفاتٍ لا يعانيها الأشخاص الأصحّاء، وعواقب لا تكون ذات شأن لدى غيره، لكنّ هذا التفسير لم يُقدَّم. وحتّى وقت كتابة هذا المقال، لا يبدو أنّ تقريراً كاملاً للطبّ الشرعي أو تسلسلاً زمنياً طبّياً قد أُتيح للجمهور، يوضّح متى أُبلغ عناصر التوقيف بالحالة الصحّية، ومتى ظهرت الأعراض للمرّة الأولى، ومتى طُلبت المساعدة الطارئة، ومتى نُقل غميرة إلى المستشفى. ومن دون هذه المعطيات، يُطلب من الجمهور قبول نتيجة يتعذّر عليه التحقّق من الأساس الإثباتي الذي تستند إليه.

يترتّب على الاحتجاز انتقال مجموعة من المسؤوليات إلى الدولة لا تتوقّف على سلوك المحتجز أو تعاونه أو وضعه القانوني

وهنا تأتي أهمية التفاصيل الطبّية، فالكدمات لدى شخص مصاب بالهيموفيليا لا تحمل دلالة واحدة؛ إذ إنّ إصابةً خارجيةً محدودةً قد لا تترك أثراً يُذكر على جسم شخص سليم، ولكن يمكن أن تنطوي لدى المصاب باضطرابٍ نزفي على خطر متزايد لحدوث نزف داخلي خطير، بما في ذلك النزف داخل القحف من النوع الذي حدّدته السلطات. أمّا ما إذا كان ذلك قد حدث في حالة غميرة، وكيف أثّرت الصفعة، وأي تماس آخر، في حالته المرضية الأساسية، فهو تحديداً ما ينبغي أن يوضّحه التقرير الشرعي. وقد يكون توصيف اللجنة للكدمات بأنّها متّسقة مع الحالة الطبّية أمراً معقولاً، لكنّ قيمته الإثباتية تعتمد على وجود تقييم موثّق لكلّ إصابة، وموقعها، وعمرها التقديري، وعلاقتها بسجلّ العلاج. كما أنّ غياب الإصابة الخارجية الظاهرة لا ينفي بالضرورة وقوع الإكراه، فالضغط والتهديد وتأخّر تقديم الرعاية الطبّية أمور قد لا يثبتها الفحص الخارجي وحده ولا ينفيها.

وتتناول المعايير الدولية هذه الإشكالية على نحو مباشر، فبروتوكول مينيسوتا الصادر عن الأمم المتحدة عام 2016، وهو الإطار الإرشادي المُعترف به للتحقيق في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، يدعو إلى إجراء تحقيقات فعّالة ومستقلّة ونزيهة وشاملة وسريعة وشفّافة. ويقتضي أن تحدّد التحقيقات الآلية الطبّية للوفاة، وتسلسل الأحداث التي سبقتها، وهُويّات المسؤولين عنها، وما إذا كان من الممكن منع وقوعها. وتطبيق ذلك على هذه الحالة يعني أنّ التحقيق لا يمكن اختزاله في سؤال من وجّه الضربة، بل يمتدّ إلى من تلقّى المعلومات بشأن حالة غميرة الصحّية، ومن واصل الاستجواب إذا ظهرت عليه علامات ضيق أو تدهور، ومن كان في موقع يتيح له طلب المساعدة الطارئة، ومن كان يشرف على المركز، ومن قام، إن وُجد من قام بذلك، بتغيير السجلّات أو إخفائها لاحقاً.

والفارق المفاهيمي بين هذَين التأطيرَين كبير. فإحالة محقّق واحد إلى النيابة العامّة تتعامل مع الوفاة بوصفها فعلاً جنائياً فردياً، أمّا التعامل مع القضية باعتبارها قد تنطوي على إخفاق أوسع، فيتطلّب تحليل سلسلة أوسع تشمل عدم توثيق الحالة الطبّية، وعدم إبلاغ القضاء بها، والقرارات المتّخذة أثناء الاستجواب، وتوقيت النقل إلى المستشفى، والترتيبات الإشرافية التي حكمت مجمل هذه الإجراءات. وقد لا يكون التركيز على محقّق واحد كافياً عندما تثير الأدلّة أيضاً تساؤلات بشأن حفظ السجلّات، والإشراف، والاستجابة الطبّية، والقرارات التي اتخذها مسؤولون آخرون. وينبغي أن تسير المساءلة الفردية والفحص المؤسّسي جنباً إلى جنب، كلّ منهما وفقاً للأدلة. كما ينبغي ألّا تحول إحالة ضابط واحد من دون التدقيق في الممارسات والإخفاقات الإشرافية التي ربّما ساهمت في الوفاة.

الاحتجاز يقيّد الحرّية، لكنّه لا يُسقط حقّ الإنسان في الحياة والكرامة والحماية من سوء المعاملة، ولا حقّه في الحصول على الرعاية الطبّية الضرورية

أمّا الآثار المترتّبة على ثقة الجمهور فهي مباشرة. ففي سورية، حيث وثّقت هيئات الأمم المتحدة ومنظّمات حقوق الإنسان التعذيب المنهجي والاختفاء القسري والوفيات أثناء الاحتجاز في عهد الإجرام الأسدي، سيُنظر إلى طريقة التعامل مع حالة وفاة جديدة أثناء الاحتجاز في ضوء ذلك السجلّ. وتعتمد المصداقية بدرجة أقلّ على البيانات العلنية، وبدرجة أكبر على الإجراءات القابلة للتحقّق، بما في ذلك حفظ الأدلة، وكشف سجلّات الاحتجاز والاستجواب، وتمكين الأسرة ومحاميها من الوصول الفعلي إلى المعلومات ذات الصلة، والسماح لخبير طبّي مستقلّ بمراجعة القضية، ونشر ملخّص طبّي قانوني معلّل يشرح العلاقة بين الهيموفيليا والصفعة وأي تأخير في العلاج، ومساءلة كلّ شخص تحدّده الأدلّة. وعندما يثبت وقوع انتهاك، فإنَّ واجب توفير سبيل انتصاف فعّال يقتضي بالضرورة الإقرار بالانتهاك، ودفع التعويض أو تقديم أشكال أخرى من الجبر، واتخاذ تدابير تهدف إلى الحدّ من تكراره، وهذه نتائج قانونية، وليست مبادرات تقديرية.

أمّا الضمانات التي من شأنها تقليل مخاطر حدوث مثل هذه الوفيات فهي، وإن كان تنفيذها الفعلي يتطلّب قدرةً مؤسّسيةً ورقابةً مستقلّةً والتزاماً سياسياً ودعماً دولياً مستداماً، تشمل إجراء فحص طبّي إلزامي وسرّي عند الدخول إلى الاحتجاز، مع إنشاء سجلّ لا يمكن حذفه من الملفّ؛ وإحالة المعلومات الطبّية ذات الصلة إلى السلطة القضائية التي تبتّ في أمر الاحتجاز؛ واعتماد بروتوكول مكتوب يوجب النقل الفوري في حالات الاشتباه بوجود نزف داخلي أو أعراض عصبية، وإجراء تسجيل سمعي بصري للاستجوابات يُحفظ في نظام يمنع حذفه؛ وفرض رقابة مستقلّة على مرافق الاحتجاز من خلال زيارات مفاجئة، ونشر بيانات دورية عن الشكاوى والإجراءات التأديبية بما يتيح قياس الإصلاح بدلاً من الاكتفاء بإعلانه.

أمّا المبدأ الحاكم فأبسط: الاحتجاز يقيّد الحرّية، لكنّه لا يُسقط حقّ الإنسان في الحياة والكرامة والحماية من سوء المعاملة، ولا حقّه في الحصول على الرعاية الطبّية الضرورية. وهذا المبدأ، أكثر من أي نتيجة منفردة، هو ما تختبره قضية غميرة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى