مصر والسودان وأزمة السدود الإثيوبية مجدّداً

عمر سمير

عادت إثيوبيا تهدّد مصر والسودان ببناء عدّة سدود جديدة ضخمة في مجموعها وإمكاناتها، إذ تزيد السعات التخزينية لها على ضعف بحيرة سد النهضة الكبير، ولا يبدو أن الأمر يقتصر على مسألة السدود، وإنما هناك ابتزاز صريح لمصر والسودان ودول القرن الأفريقي بأنه إما أن تنفذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر والموانئ عليه، أو أن هناك تهديداً كبيراً لهذه البلدان، لأن إثيوبيا تتحكم أكثر من أي وقت مضى في النهر والمياه الواردة إلى تلك الدول.

يقول عديدون من خبراء المياه والسدود في مصر والسودان إن هذه السدود الجديدة في طبيعتها ليست فنية، وإنما لدى إثيوبيا أعراض سياسية واستراتيجية كبيرة، لأن المسألة لا تتعلق فقط بسد النهضة الكبير، وإنما بعدّة سدود على النيل الأزرق تزيد سعتها التخزينية على ضعفي سعة خزّان سد النهضة وبحيرته. وتسير، في الوتيرة نفسها التي تقوم فيها إثيوبيا بإنشاء السدود، من دون التنسيق مع دولتي المصبّ، مصر والسودان. وبطبيعة الحال، لا تعترف إثيوبيا بفكرة الأنهار الدولية العابرة للحدود.

تنتقل إثيوبيا من معادلة عدم الاعتراف بالنظريات والأنظمة القانونية الحاكمة للأنهار الدولية من أساسها، إلى فكرة فرض السيطرة على النهر والمساومة به على منفذ بحري يكسر عزلة إثيوبيا الحبيسة التي تحيط بها المشكلات مع كل جيرانها باعتبارها دولة نشأت عبر تاريخ من الاستيطان والتوسّع على حساب الجوار الجغرافي الذي ابتلعت فيه أكثر من ثلث مساحة الصومال وجزءاً هاماً من أراضي السودان، وبعض دول جوارها، وتستخدم إثيوبيا خطاباتٍ مناهضة للاستعمار في انتقاد وضعها دولة حبيسة، بينما نجد أن إثيوبيا، بصورتها الجغرافية الحالية نفسها، دولة تأسّست عبر توسّع استعماري بالأساس.

تستخدم إثيوبيا خطاباتٍ مناهضة للاستعمار في انتقاد وضعها دولة حبيسة، بينما نجد أن إثيوبيا، بصورتها الجغرافية الحالية نفسها، دولة تأسّست عبر توسّع استعماري بالأساس

يقول المثل المصري “سكتنا له دخل بحماره” تعبيراً عمن التزم الحِلم مع الآخرين، فاعتدوا عليه في عقر داره، انتقلت إثيوبيا إذن من الدفاع عن حقها في التنمية الذي تذرعت به في مواجهة اعتراضات مصر على الاشتراطات الفنية والهيدروليكية لسد النهضة، إلى الهجوم على جيرانها عبر الحديث بوقاحة عن السيطرة على تدفق نهر دولي يمثل لمصرنا، الواقعة في الحزام الصحراوي الأشد جفافاً عالمياً، مصدرها شبه الوحيد للمياه العذبة، الأمر الذي حذّر منه مصريون كثيرون عند الحديث عن مفاوضات سد النهضة والتنازلات التي قدّمتها الإدارة المصرية في هذا الملف، ومن دون مقابل حقيقي سوى يمين حلفه ثم أخلفه أبي أحمد.

ضمن معادلة التصعيد الإثيوبي على مصر وفي محاولة لتثبيت معادلة جديدة، البحر مقابل النهر، تحاول إثيوبيا أن تدفع باتجاه اضطرابات إقليمية، علّها تتجاوز أزماتها الداخلية في إقليم تيغراي ومع الأورومو وكل المكونات الغاضبة من سياسات أبي أحمد. إثيوبيا هنا دولة حبيسة شبه منبوذة من جيرانها تتعامل مع حقيقتها الجغرافية كأنها خطيئة على الآخرين حلها، والتكفير عنها دوماً، سواء بتنازلات تخص الأراضي أو الأنهار أو البحار.

السؤال لم يعد ماذا تريد إثيوبيا وكيف تحقق ما تريد؟ بل هل من قدرة على إيقافها؟

من يتابع التحرّكات الإثيوبية المشبوهة في ملفات القرن الأفريقي، سواء عبر ملف إقليم أرض الصومال أو ملفاتها مع إريتريا وجيبوتي والسودان، يرى أن إثيوبيا تدفع مصر والسودان إلى الهاوية، وتفعل هذا وهي ترفع الضغوط في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، بينما يصرّح وزير المياه والطاقة الإثيوبي بأن تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان سيكون تحت “السيطرة” الإثيوبية، والوزير الإثيوبي نفسه ربط قبلها بأيام بين النيل الأزرق والبحر الأحمر، باعتبارهما مجالين استراتيجيين مترابطين لمستقبل بلاده. ويشير كثيرون إلى تحرّكات إثيوبية مشبوهة في الصومال والقرن الأفريقي، تتحرّك أديس أبابا لبناء سدود إضافية على النيل الأزرق، وهي سدود تُقدر السعة التخزينية لها ب 140 مليار متر مكعب، أي تقريبا ضعف سعة سد النهضة البالغة 74 مليار متر مكعب.

تجاوزت إثيوبيا، إذن، المعارك القانونية والفنية القديمة التي صاحبت إنشاء سد النهضة، وتحاول التأسيس لقاعدة التحكم والتسيد على نهر دولي، مثل نهر النيل، بعد أن ضمنت تعبئة خزانات وبحيرة سد النهضة وتشغيله وقدرتها على التحكّم به من دون أية اتفاقات مع مصر والسودان، أو ردّة فعل منهما غير المناوشات الكلامية هنا وهناك. ولطالما ردّدت إثيوبيا السردية الاستعمارية في مواجهة مصر والسودان، وهي تستغلّ هذه السردية بشكل مزدوج شديد الغرابة، فعندما نتحدّث عن النيل تتحدّث إثيوبيا دولة منبع ترى أن الجغرافيا تعطيها كل الحق التحكّم في مياه الآخرين، وعندما تتحدّث عن البحار والموانئ دولة حبيسة ترى أنها ظلمت استعمارياً، وأن الجغرافيا تعطيها حقاً في بحر الآخرين، وهذا كله لا يعدو أن يكون جزءاً من محاولة الهروب إلى الأمام من أخطار واستحقاقات داخلية بمحاولة تجاوزها عبر إيجاد صراع خارجي، ثم ستتهم مصر بـ”الاستعمارية”، إذا ما طالبتها باحترام وحدة الصومال وسلامة أراضيه أو الكفّ عن المناوشات مع إريتريا والسودان، والتوقف عن دعم الجماعات والمليشيات المسلحة هنا وهناك.

نحن، إذن، أمام واحدة من أكثر مفارقات الخطاب السياسي الإثيوبي إثارة للسخرية، لأن إثيوبيا بصورتها الجغرافية الحالية نفسها تأسّست عبر توسع استعماري واسع على حساب جيرانها، بل إن سد النهضة الحالي لولا اتفاقيات استعمارية لتبادل الأراضي والتنازل عنها كان سيصبح سدّاً سودانياً بالكامل، إذ بني على أراضي إقليم بني شنقول، فالحبشة تاريخيّاً كانت أصغر بكثير من إثيوبيا الحالية، وفي أواخر القرن التاسع عشر، وفي الوقت نفسه تقريباً، الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتسابق للسيطرة على أفريقيا، كان منليك الثاني يشن حملات عسكرية واسعة جنوباً وشرقاً وغرباً، يضم بالقوة ممالك وشعوباً لم تكن خاضعة لدولته، ولم يكن يخجل أو يخفي أصلاً أنه يرى نفسه لاعباً في عملية اقتسام أفريقيا.

إثيوبيا لم ولن تتوقف عند ما حصلت عليه، بل وتمارس مزيداً من الضغط، عبر إنشاء سدود أخرى

بل كان منطقه أنه إذا هُدم بيت والدك فلا بد أن تحصل على طوبة منه، وفي خطابه إلى القوى الأوروبية سنة 1891، قال إنه إذا كانت القوى الأوروبية البعيدة جاءت لتقسيم أفريقيا فلن تقف إثيوبيا متفرّجة، وقدّم مطالب إقليمية هائلة وصلت، في تصوّره إلى الخرطوم وبحيرة فيكتوريا، وتحدّث عن استعادة الساحل الذي اعتبره جزءاً من الحدود التاريخية لإثيوبيا، وهي الأزمة الاستعمارية العابرة للزمن والقافزة فوق الحدود.

ولم يتوقف الأمر عند منليك ومحاولاته الاستعمارية تلك، ففي القرن العشرين ألغى هيلا سيلاسي الاتحاد الفيدرالي مع إريتريا وضمها إلى إثيوبيا مطلع الستينيات، ضمن واحدة من أطول الحروب في أفريقيا، والتي انتهت بعد ثلاثة عقود باستقلال إريتريا وتحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة منبوذة من إريتريا وكل جيرانها، بعد أن كان نفاذها إلى البحر أمراً ودّياً أصبحت أقل من أن تستحق نفاذا للبحر.

المشكلة الكبرى أن إثيوبيا تفعل ذلك كله، وتتهم بلداننا بالاستعمارية، في أكبر لحظات الانكماش والانكفاء المصري على الذات، فمصر أقلّ المتدخلين في الشأنين، السوداني والليبي، رغم أهميتهما، وتتراجع أهميتها في القضية الفلسطينية بعد أن كانت وسيطاً وحيداً في مختلف جولات الصراع، أصبحت أحد الوسطاء الضامنين، وتتعرّض لضغوط شديدة في كل ملفاتها الداخلية من ديون واستثمارات ومنح ومعونات ترتبط كلها بمساومات كبيرة عبر صفقات إنقاذ كبرى من بعض البلدان تنتهي غالبا ببيع البلاد بالقطعة.

سدّ النهضة قد أنجز وتمت تعبئة بحيرته وخزانه من دون أي اتفاق ملزم

مصر التي تراجعت حتى في الدفاع عن مصالحها ومياهها تتهم بأنها استعمارية، بينما كنّا قد تناسينا أن سدّ النهضة قد أنجز وتمت تعبئة بحيرته وخزانه من دون أي اتفاق ملزم، وهو الأمر الذي طالبت به مصر والوسطاء في الأزمة مراراً وتكراراً، تفاجأ بأن إثيوبيا لم ولن تتوقف عند ما حصلت عليه، بل وتمارس مزيداً من الضغط، عبر إنشاء سدود أخرى، وبلغة تتحدّث عن السيطرة الكاملة على تدفّقات مياه النيل، وتصعيد موازٍ في قضية الوصول إلى البحر الأحمر، وبالتالي، تدفع إثيوبيا مصر إلى الحافة، وتستدعيها لمواجهة في معادلة البحر مقابل النهر، وهنا الخطر.

فهل تترك مصر عزلتها الاختيارية وتتحرّك بجدية أكبر في التنسيق مع الصومال وإريتريا وجيبوتي والقوى الفاعلة هناك لمواجهة التحركات المريبة لإسرائيل وإثيوبيا، أم تبقى في مرمى الهجوم والضغوط الإثيوبية إلى ما لا نهاية، لأن الطرف الذي يضغط عليك، ولا يجد ضغطاً مضادّاً لا يستنتج عادة أنك حكيم؛ يستنتج أن أمامه مساحة أخرى ليتقدم فيها، فالسؤال لم يعد ماذا تريد إثيوبيا وكيف تحقق ما تريد، بل هل من قدرة على إيقافها، وهل لدى مصر وإريتريا والصومال خطوط حمراء في مواجهة تلك التهديدات الأمنية المصيرية والجماعية؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى