أموال العراق… الوصاية والذريعة

أحمد سعداوي

أعاد بيان أصدرته حركة النجباء إلى الواجهة ملفّاً متوارياً في النقاشات العامّة، حين دعا البيان يوم 18 أغسطس/ آب الجاري، إلى “تحرير اقتصاد العراق” من الوصاية الأميركية، في معرض الردّ على مطالبة الحركة بتسليم سلاحها. ويبدو أنّ “النجباء” تريد توسيع قائمة الذرائع: فلم يعد تسليم السلاح المليشياوي مقروناً بالانسحاب العسكري الأميركي، وإنّما على العراق أن يتحرّر اقتصادياً أيضاً قبل أن تتكرّم المليشيا وتعيد إلى الدولة حقّها البديهي في احتكار السلاح.
المفارقة الكُبرى هي في السياق العام الذي تجري فيه هذه المساجلات؛ فهل هناك منطق في أن تجادل حركة مسلّحة غير شرعية الدولة الرسمية، وتفرض عليها شروطاً وإملاءاتٍ؟ لماذا تستمع الدولة أصلاً وتهتمّ لمثل هذا الكلام؟
يعود موضوع “الوصاية الأميركية على أموال العراق” إلى عام 2003، حين أنشأ قرار مجلس الأمن رقم 1483 “صندوق تنمية العراق”، بينما وضعت سلطة الائتلاف حساب الصندوق لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كان العراق خارجاً من نظام العقوبات، مثقلاً بديون ومطالبات ترتبط بحروب نظام صدّام حسين، فوفّرت الآلية حمايةً للأموال من الحجز ودعاوى الدائنين، وخصّصت 5% منها تعويضاتٍ لغزو الكويت.
في قضايا عديدة ارتكبت الولايات المتحدة في تعامها مع العراق أخطاء كثيرة، وربّما يرقى بعضها إلى مستوى الجرائم، ولكنّها في هذا الملفّ عملت أشياء جيّدة، فقد قادت تسوية نادي باريس التي خفّضت ديون العراق البالغة نحو 39 مليار دولار بنسبة 80%، وألغت كامل دينها البالغ 4.1 مليارات دولار، وأسهمت في حماية الإيرادات من المطالبات. وهذا لا يمحو حقيقة أنّ نظام الحماية وُلد في ظلّ الاحتلال، وأنّ إدارة الصندوق خلال عهد سلطة الائتلاف تعرّضت لانتقادات تدقيقية جدّية.
كان هناك مسار يُفترَض به أن يؤدّي إلى انتهاء نظام الحماية بشكل طبيعي، ويستعيد العراق كامل السيطرة على أمواله. فقد انتهت رقابة الأمم المتحدة الخاصّة سنة 2011، وأنهى باراك أوباما الحماية القضائية الاستثنائية سنة 2014، وأكمل العراق دفع 52.4 مليار دولار من تعويضات الكويت سنة 2022. ومع ذلك، أبقت الحكومات العراقية عائدات النفط في حساب سيادي عائد للبنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
استمرار الحساب شغّالاً كلّ هذه المدّة لم يفرضه قرار أممي نافذ، فالآلية الجديدة وضعتها الحكومة العراقية نفسها، واختارت إبقاء الإيرادات في نيويورك قبل تحويلها إلى وزارة المالية. وبغداد تستطيع نظرياً تغييرها، لكنّ الانتقال يحتاج تسوية المطالبات العالقة، وإلى بنية مصرفية موثوقة، ولا يتحقّق بخطبة من فصيل مسلّح.
سرعان ما استخدمت واشنطن قضيّة الحماية ورقةً سياسيّةً، حين لوّحت بتعليق التحويلات إذا شاركت الفصائل المرتبطة بإيران في الحكومة الجديدة، ثمّ أوقفت في إبريل/ نيسان الماضي شحنةً نقديةً بنحو 500 مليون دولار، قبل أن تستأنف الشحنات لاحقاً. هذه الإجراءات كشفت موضع الاختناق الذي تركه السياسيون العراقيون في يد دولة أخرى.
على مدى أكثر من عشرين عاماً استراحت الطبقة السياسية لهذا الترتيب، لأنّه يضمن تدفّق الدولار، ويدعم سعر الصرف، ويحمي من الدائنين، وما هو أهمّ، أنّ عمليات التدقيق التي يجريها الأميركيون تعفي الحكومة العراقية من هذه الإجراءات التي تتطلّب إصلاحاً عميقاً للنظام المصرفي المنخور والمتلكئ، وتجعل الأميركيين يقومون بجزء من مهمة مكافحة التهريب وغسل الأموال التي عجزت الدولة عن أدائها. ولم تضع الحكومات خطةً جديّةً لتنويع حسابات الاحتياطي والعملات، أو إصلاح المصارف، أو تقليل اعتماد الموازنة على النفط، أو التفاوض على انتقال تدريجي نحو منظومة مالية أكثر استقلالاً.
أمّا “النجباء” أو غيرها من المليشيات، فلا تقدّم خطّةً اقتصاديةً، ولا يبدو أنّ لديها سوابق في الاهتمام بقضايا الاقتصاد الوطني، وإنّما هي تستدعي مفردات السيادة وتحرير الاقتصاد بوصفها حجّةً للإبقاء على السلاح. والمفارقة أنّ الفصائل المرتبطة بإيران أسهمت، عبر تهريب الدولار وربط القرار الأمني بالخارج، في إضعاف الدولة ومنح واشنطن مبرّراتٍ إضافيةً للتدخّل.
المدخل لتحرير الاقتصاد العراقي من إجراءات الحماية المؤقّتة، التي غدت دائمةً بسبب إرادة الفاعل السياسي العراقي، يبدأ من استعادة الدولة السيطرة على المجال العام، واحتكار السلاح، وليس العكس.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى