
يتناول الدكتور طيب تيزيني في كتابه: بيان في النهضة والتنوير العربي، الصادر عن دار الفارابي- بيروت عام 2005، (وهو في الأصل دراسة موسعة نُشرت لأول مرة في مجلة عالم الفكر الكويتية عام 2001) جملة قضايا هامة تفرض ذاتها بصورة ملحة في الواقع العربي الراهن، وهي قضايا تفرض نفسها بإلحاح ضمن الوضع السوري المعاش حالياً.
فهو يرى أن الحطام الشمولي الذي تنوء تحت ثقله مجتمعاتنا هو حطام مفتوح، أي قابل للاختراق، وليس قَدَراً أبدياً مفروضاً لا يمكن ردّه أو تجاوزه. ولتحقيق ذلك، يدعو تيزيني إلى نهضة شاملة مقرونة بالتنوير الذي من دونه لن تكون هناك رؤية واضحة تكون بمثابة خارطة الطريق؛ ولن تكون هناك قدرة على التعامل العقلاني النقدي الفاعل مع التحديات الداخلية والخارجية، وذلك في سبيل اعتماد الخطوات العملية التي تُبعد المخاطر، وتفتح الآفاق أمام إعادة البناء والنهضة على مختلف المستويات: المعنوية والمادية والاجتماعية والعمرانية.
والنهضة المطلوبة التي يتحدث عنها تيزني مطولاً في كتابه المُشار إليه لن تتحقق، بناء على ما يذهب إليه، إذا ما التزمنا الرؤية الماضوية النكوصية، أو الظلامية، التي لا تقبل بالآخر المختلف، ولا تستطيع التكيّف معه ضمن مشروع النهوض الشامل. كما أن النهضة المطلوبة لن تكون بالمشاريع التبشيرية المنسوخة عن تجارب كانت حصيلة خصوصيات أخرى، قد تتقاطع مع خصوصيتنا في بعض المواقع، ولكنها لا تتطابق معها تماما. ولهذا يطالب تيزيني بضروة أخذ خصوصيتنا المجتمعية ببعديها الزماني والمكاني بعين الاعتبار. وانسجاماً مع ذلك، يرى أن العقلية الفقهية الماضوية، خاصة النصية، لن تنفعنا في مساعينا للوصول إلى ما نحتاج إليه راهناً. وما يسعفنا أكثر في هذا المجال هو فقه الواقع الذي يركّز على خصوصة وضعيتنا المعاشة واحتياجاتها، والعلاقة الجدلية التضايفية بين هذا الواقع المعاش والمحيط الإقليمي والدولي.
الدولة هي في الأساس ملكية عامة، تخص سائر المواطنين، وليست مشروعا خاصاً بهذه الجماعة أو الفئة أو تلك، بهذا الشخص أو ذاك.
ولبلوغ هذا المستوى من التفكير يركز الدكتور طيب بصورة رئيسة على شرطين أساسيين هما: التنوير العمومي والحامل الاجتماعي.
فمجتمعاتنا، ومنها المجتمع السوري، تحتاج إلى توسيع دائرة التنويريين من أجل ردم الهوة بين المطلوب لمواجهة التحديات الوجودية البنيوية المفصلية في ميادين الاجتماع والعمران والتنظيم، وبين القصور الناجم عن مآلات الأمية المركّبة بأبعادها الثلاث: الأبجدية و الثقافية والسياسية.
وهذه العملية تتحقق من خلال تعديل مناهج التعليم وطرق التدريس، لتزويد الطلاب بمعارف تركّز على العقل والتحليل والنقد، وتتناسب مع تحديات العصر، وتنمّي الملَكَة النقدية لديهم، ليمتلكوا الأدوات التي تمكّنهم من تنمية معارفهم، وتطويرها بفضل الاطلاع على أحدث الاكتشافات والأبحاث العلمية.
ولا يمكن بلوغ النتائج المرجوة التي يحتاجها المجتمع السوري ليتمكن من النهوض، الذي يرتقي إلى مستوى حاجاته وامكانياته وتطلعات مواطنيه، من دون حماية الحريات الشخصية، لا سيما حرية التعبير التي تظل الأساس الذي لايمكن الاستغناء عنه في أي جهد ابداعي ابتكاري.
أما الحامل الاجتماعي فهو يشمل، وفق ما ذهب إليه تيزيني برؤيته الاستشرافية قبل نحو ربع قرن من الزمن، جميع القوى المجتمعية التي لها مصلحة في عملية النهوض والاستقرار والإزدهار. من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، شرط الالتزام بمصالح الوطن وأهله. واحترام خصوصيات الجماعات وحقوق المواطنين على اختلاف انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية.
وحتى يصبح هذا الحامل فاعلاً مؤثراً لا بد من مأسسة جهوده ضمن أطر أحزاب، وجمعيات، ومنظّمات مجتمع مدني، ونقابات، وتيارات سياسية. فالدولة، التي هي في الأساس مشروع سياسي، وظيفتها إدارة المجتمع وتنظيم شؤونه وتمكينه من تأمين حاجات الناس وتوفير الأمن لهم، وضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة، لا يمكن لها أن تنجز مهامها من دون إفساح المجال أمام كل الراغبين من المواطنين للمشاركة في الحياة السياسية، سواء من موقع الموالاة أم المعارضة، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية وجود محدّدات وضوابط قانونية ينصّ عليها الدستور الذي من المفروض أن يكون حصيلة حوار وطني شامل حقيقي.
فالدولة هي في الأساس ملكية عامة، تخص سائر المواطنين، وليست مشروعا خاصاً بهذه الجماعة أو الفئة أو تلك، بهذا الشخص أو ذاك. ولذلك من غير المجدي سياسياً، ومن غير المقبول أخلاقيا، وفق ما يذهب إليه تيزيني في كتابه الذي نحن بصدده؛ وبناء على تجارب المجتمعات الإنسانية في مختلف العصور والأماكن، أن تعلن مجموعة مهما أمتلكت من مؤهلات وامكانيات نفسها وصيّة على الناس من دون إرادتهم.
والدولة تقوم على المؤسسات الراسخة الثابتة، في حين أن الحكومات التي تدير الدولة هي التي تتغير وتتبدّل وفق مهل وشروط انتخابية يحدّدها الدستور. وحتى تكون هذه العملية سليمة ومجدية لا بد من وجود قوى سياسية مدنية تتنافس في ما بينها من خلال برامج سياسية واضحة تعرضها على المواطنين؛ وتمتلك الحق في مناقشتها والدفاع عنها عبر لقاءاتها مع الناس، سواء بصورة مباشرة أم من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أو المقروءة الخاصة بالدولة، وحتى عن طريق منصات التواصل الاجتماعي.
أما التلميح أو التلويح بالنتائج السلبية لتشكّل الأحزاب، والدعوة إلى إرجاء هذه العملية من دون تقديم خارطة طريق واضحة، خارطة تتناول استحقاقات المراحل الانتقالية الفرعية التي تنتظر المجتمع السوري لتجازو المرحلة الانتقالية العامة واجراءاتها الاستثنائية، فهذا يعزز الهواجس، ويرسّخ المخاوف، ويفتح الأبواب أمام القيل والقال، خاصة في أجواء التعتيم الاعلامي، وصعوبة الحصول على المعلومات الخاصة بقضايا حيوية ترتبط بمصير الوطن والمجتمع والمواطنين.
هل ستكون دولة عمادها تقسيم السلطات وتوزيع الصلاحيات بصورة شفافة بموجب الدستور، وسيكون التداول السلمي للسلطة هو الحكم والمفصل؟
فالناس يريدون معرفة ملامح الدولة التي ستشهدها سوريا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. يريدون معرفة شكل هذه الدولة الإداري، ونظامها السياسي، وطبيعة العلاقة بين مؤسساتها ومواطنيها؟ هل ستكون دولة حيادية بصورة ايجابية تجاه سائر المواطنين بغضّ النظر عن انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم السياسية وجهاتهم المكانية؟ أم انها ستكون دولة تتحكّم فيها مجموعة تدّعي تمثيل الأكثرية العددية، ومن دون إعطاء أي اعتبار لواقع عدم التجانس في الآارء والمواقف والتوجهات والأولويات والمصالح ضمن مختلف المكوّنات والشرائح المجتمعة التي تتشكل منها هذه الأخيرة؟
هل ستكون دولة عمادها تقسيم السلطات وتوزيع الصلاحيات بصورة شفافة بموجب الدستور، وسيكون التداول السلمي للسلطة هو الحكم والمفصل؟
وإذا أخذنا المدخل الاقتصادي الحيوي لعملية النهوض، التي يركز عليها الدكتور طيب في كتابه المذكور إلى جانب المداخل الأخرى، مثالاً من بين القضايا التي يتناولها السوريون هذه الأيام، فمن الضروري أن نتناول هناك ما يجري من حديث حول عدم الشفافية والوضوح بشأن الاعلان عن الاستثمارات والمشاريع. فالسوريون يعانون كثيرا من التوقف شبه الكامل للعجلة الاقتصادية؛ وهم في انتظار التوضيحات الواقعية الملموسة القابلة للتحقق. أما الوعود التبشيرية فقد سئمها الناس بعد مرور أكثر من عام ونصف على المرحلة الانتقالية، خاصة انهم لم يتلمّسوا خطوات فعلية تؤكد أنهم يتوجهون نحوالحلحلة.
مختصر الكلام: الشفافية والنزاهة والمصداقية هي الأركان التي تعزز الثقة المتبادلة بين السوريين جميعا شركاء الوطن والمصير والإدارة، وتضع حداً للشكوك وتبادل الاتهامات والتوترات والتشنجات بشأن المستقبل.
المصدر: تلفزيون سوريا






