
تأتي زيارة وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى مناطق في الجنوب السوري اليوم الثلاثاء، لتنفي ما تجادل فيه بعض التحليلات والتصريحات السياسية في المنطقة عربياً وإقليمياً، في اختزال السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا وتركيا وبقية دول الإقليم، في رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وحده بشكل يؤدي بطريقة ما إلى تصغير المشكلة في شخصه من دون فهم الأبعاد السياسية والأمنية لدولة مثل “الاحتلال الإسرائيلي” ومشروعه الآخذ بالتوسع والتمدد.
وقال كاتس في زيارته التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية، إنهم لن يغادروا جبل الشيخ أو المنطقة الأمنية في سوريا ما دامت التهديدات ضدهم قائمة.
وأضاف: “رسالتنا لرئيس سوريا (أحمد) الشرع واضحة عندما تستيقظ في القصر بدمشق وتنظر إلى جبل الشيخ وترى قواتنا فأنت تعلم أننا هنا من أجل الدفاع عن بلداتنا وحدودنا”.
الجولة التي أجراها كاتس بحسب مواقع إسرائيلية في مناطق جبل الشيخ بريف دمشق
وزيارة كاتس وواقع الحال اليومي في الجنوب السوري يقول إن سياسة الاحتلال الإسرائيلي في سوريا أقدم من أزمات نتنياهو الحالية، وأوسع من شخصه، وتشير المعطيات إلى أن خلف رئيس حكومة الاحتلال مؤسسات عسكرية وأمنية واستخباراتية تتحرك وفق تصورات متراكمة عن ما يسميه الاحتلال “التفوق وحرية العمل العسكري ومنع تشكل قدرات يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تهديد” يتصل بشكل ما بالعلاقات الإسرائيلية مع الدول التي أسهمت في تأسيس هذا الكيان في المنطقة.
وجاء تراجع المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا، توماس برّاك، عن تصريحاته التي وصف فيها الجولان السوري بأنه أرض ما تزال “إسرائيل” تحتلها، ليكشف مجدداً حساسية الملف السوري داخل العلاقة الأميركية – الإسرائيلية وحدود الحركة المتاحة حتى للمبعوث الأميركي نفسه. فقد عاد برّاك ليؤكد أن تصريحاته كانت توصيفاً للسياق التاريخي وليست تغييراً في سياسة واشنطن التي اعترفت عام 2019 بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان، بعد انتقادات إسرائيلية حادة طالت تصريحاته. غير أن هذا التراجع لم يشمل، وفق ما نُشر، موقفه المنتقد لضربة مطار أبو الظهور، التي وصفها بأنها تصعيد غير ضروري، وطرح احتمال ارتباطها بمحاولة استدراج تركيا إلى مواجهة.
وبدت تصريحات المبعوث الأميركي، انتقاداً لسياسات نتنياهو الذي سبق أن ألمح عبر مصادر أمنية نقلتها صحيفة “يديعوت أحرنوت” أن “برّاك لا يولي الحساسيات الإسرائيلية الاهتمام الكافي ويدفع بمصالح أردوغان والحكومة السورية في واشنطن”.
وبالتوازي مع ذلك، حملت الساعات التالية تطوراً لافتاً في الاتجاه المعاكس، مع لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن، ضمن محادثات بوساطة أميركية هدفت إلى خفض التصعيد بعد قصف أبو الظهور، ووضع آليات لوقف الضربات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية، وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني أوسع، وفق مصدر دبلوماسي في الخارجية السورية لوكالة “سانا”.
وهو لقاء جاء بعد أيام فقط من اتصال سابق بين الشيباني وغوفمان تناول بصورة أساسية الوجود والتعاون العسكري التركي في سوريا، ما يؤكد أن العلاقة السورية مع الاحتلال الإسرائيلي ما زالت في وضع معقد من الصعب الإحاطة ضمن المعطيات الإعلامية المعلنة.
هذه التطورات المتناقضة ظاهرياً، من القصف إلى التفاوض ومن التصعيد إلى محاولات احتوائه، تجعل من السهل تفسير المشهد من خلال شخصية بنيامين نتنياهو وأزماته السياسية الداخلية وحاجته إلى استحضار الأخطار والتهديدات وتقديم نفسه باعتباره رجل الأمن أو رجل المرحلة الذي لا غنى عنه. ولا شك أن لهذه العوامل وزناً حقيقياً في السياسة الداخلية الإسرائيلية، في ظل معاركه السياسية والقضائية، وما جرى في غزة وما تبعه في لبنان وسوريا وإيران.
وقد وجد هذا التفسير صداه داخل دولة الاحتلال نفسها؛ إذ اتهم مسؤولون إسرائيليون مثل إيهود باراك ويائير غولان وموشيه يعلون نتنياهو بتسييس الملفات الأمنية وجر دولة الاحتلال إلى مواجهات قد تخدم بقاءه السياسي، في حين حذرت تحليلات نشرتها الصحافة العبرية من أن التصعيد مع سوريا وتركيا يجري من دون استراتيجية سياسية متكاملة لما ينبغي أن يأتي بعد الضربات العسكرية.
سياسات الاحتلال في سوريا
بالعودة إلى الواقع لا تعد سياسة الاحتلال الإسرائيلي في سوريا قد بدأت مع سقوط نظام بشار الأسد، ولم تنطلق مع تولي الحكومة السورية الجديدة الحكم، ولا مع المرحلة الحالية من حكم نتنياهو. فمنذ أكثر من عقد، طور الاحتلال ما يسميه “المعركة بين الحروب”، وحول الساحة السورية إلى أحد أهم ميادينه.
فقد بدأت العمليات العسكرية أساساً تحت عنوان منع نقل الأسلحة النوعية إلى حزب الله والحد من التموضع الإيراني، ثم اتسعت بمرور السنوات وأصبحت حرية العمل العسكري والجوي في سوريا مصلحة “إسرائيلية” قائمة بذاتها تقريباً. وبعد سقوط النظام السابق تراجع جزء كبير من العامل الإيراني، لكن العمليات الإسرائيلية لم تتوقف؛ بل تغير تعريف الخطر.
وفي الوقت الراهن لم يعد سؤال الاحتلال الإسرائيلي متعلقاً فقط بإيران وحزب الله، بل بدأ يتحول إلى سؤال أكثر توسعاً “ما شكل سوريا الذي تريده “إسرائيل” على حدودها؟”، والوقائع منذ سقوط النظام تشير إلى أن جانباً من المؤسسة الإسرائيلية لا ينظر براحة إلى عودة سوريا دولة قوية موحدة ذات جيش قادر على حماية أراضيها وعلاقات إقليمية فاعلة.
ومن هنا يمكن قراءة التدمير الواسع الذي طال ما تبقى من القدرات العسكرية السورية بعد سقوط الأسد، والتحرك داخل المنطقة العازلة، والتوغلات المتكررة في الجنوب، والسعي إلى فرض قيود مسبقة على طبيعة القوات والأسلحة التي يمكن لدمشق نشرها في أراضيها.
كيف ينظر الاحتلال إلى تركيا؟
تنطبق الفكرة نفسها على تركيا، فالعلاقة السورية – التركية في أصلها علاقة بين دولتين جارتين تشتركان في حدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية وسياسية واسعة. ومن الطبيعي أن تكون تركيا لاعباً رئيسياً في مرحلة إعادة بناء سوريا، وأن يظهر تعاون عسكري وأمني بين البلدين، بعد سنوات من النفوذ التركي في مناطق سيطرة الفصائل شمال غربي سوريا.
لكن دولة الاحتلال بدأت تنظر إلى تعمق هذه العلاقة من زاوية مختلفة. فالمشكلة بالنسبة إليها أن وجودًا عسكريًا تركيًا متطورًا، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي أو استخدام قواعد سورية، يمكن أن يقلص حرية الحركة الجوية للاحتلال في المستقبل.
فتركيا اليوم ليست في حرب مع الاحتلال، وسوريا لا تخوض حرباً معها، لكن قيام تعاون عسكري سوري – تركي قادر على الحد من حرية الاحتلال المطلقة في الأجواء السورية يمكن أن يُعرَّف داخل مؤسسات الاحتلال باعتباره تطورًا ينبغي منعه قبل اكتماله.
ولهذا لا يمكن تفسير القصف الاحتلال لبعض المنشآت السورية التي أثير احتمال استخدامها في تعاون عسكري مع تركيا على أنه مجرد رد فعل شخصي لنتنياهو على الرئيس رجب طيب أردوغان.
ثمة مشكلة استراتيجية أعمق تتعلق بالتنافس على شكل سوريا الجديدة، وحدود النفوذ التركي فيها، وما إذا كانت دولة الاحتلال ستقبل بعودة سوريا دولة تمتلك سيادتها العسكرية الكاملة، أم ستسعى إلى الاحتفاظ بحق التدخل كلما رأت أن ميزان القوى يتحرك في اتجاه لا يناسبها.
والخطاب التركي في الأسابيع الأخيرة بات يحمّل نتنياهو شخصياً مسؤولية التصعيد مع أنقرة، ويربط سياساته الإقليمية، ولا سيما في سوريا، بحساباته الانتخابية. وتوحي تصريحات هاكان فيدان ورئاسة الاتصال بأن تركيا تفكر فعلياً في مرحلة “ما بعد نتنياهو”، من دون افتراض أن رحيله سيُنهي التوتر مع “إسرائيل”. وتعزز استطلاعات الرأي هذه القراءة، إذ تُظهر صعوبة حصول معسكر نتنياهو على أغلبية الـ61 مقعداً رغم بقاء الليكود قوياً. في المقابل، يستخدم نتنياهو أردوغان وتركيا كأداة تعبئة انتخابية، ما يجعل التنافس التركي–الإسرائيلي جزءاً من الحملة الداخلية الإسرائيلية. لذلك تبدو أنقرة وكأنها تراهن على احتمال تغيير سياسي في دولة الاحتلال، مع إبقاء الباب مفتوحاً للتعامل مع حكومة لاحقة.
هل هناك سياسات مختلفة في دولة الاحتلال؟
في الواقع هناك نقد لسياسات نتنياهو وسلوكياته في كثير من الملفات ضمن التنافس السياسي بين الخصوم والأحزاب والساسة في الاحتلال، لكن هناك فيما يبدو اتفاقاً ضمنياً على السياسات الكبرى لدولة الاحتلال، فالتوسع شرقاً وغرباً، والحروب التي شنت في غزة ولبنان وسوريا وصولاً إلى إيران، جميعها لا يمكن لنتنياهو أن يتحملها من دون دعم سياسي ومجتمعي أيضاً.
ولعل من أهم ما يؤكد أن النقاش يتجاوز خصومة نتنياهو ومعارضيه ما كتبه الباحث الإسرائيلي “داني سيترينوفيتش” في تعليقه على لقاء وزير الخارجية السورية ورئيس الموساد قوله: “هذا تطوّر هام وإيجابي. قبل بضع سنوات، من كان يتخيّل أن يصبح هذا هو الواقع الجديد؟ لكن الاجتماعات وحدها لن تحلّ المشكلة الأساسية. فطالما استمرت دولة الاحتلال في اعتبار سوريا ضعيفة، ذات قدرات عسكرية محدودة، أفضل من سوريا أقوى وأكثر استقرارًا، وتعطي الأولوية لحماية الأقليات السورية على كل اعتبار استراتيجي آخر تقريبًا، فلن يتغيّر الكثير».
ومن المهم الإشارة إلى أن سيترينوفيتش هو ضابط سابق أمضى سنوات طويلة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وشغل سابقاً رئاسة فرع إيران في قسم الأبحاث، ويعمل اليوم باحثاً في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
وأضاف الباحث الإسرائيلي أنه “مع كامل الاحترام لأهمية هذا الاجتماع، فإنه لن يُجدي نفعًا يُذكر دون تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية: التوجه نحو اتفاق أمني مع دمشق، وإعادة العمل بقواعد اللعبة المتعارف عليها، وتعميق التعاون الأمني في المجالات التي تتداخل فيها المصالح الإسرائيلية والسورية”.
كما حذر “بدون هذا التغيير، قد تُسهم هذه الاجتماعات في إدارة التوترات، لكنها لن تحلّها. وستبقى المواجهة الإسرائيلية السورية القادمة مسألة وقت لا أكثر”.
وتكمن أهمية هذا الكلام في أن صاحبه ليس مراقباً عربياً أو مسؤولاً سورياً أو صحفياً تركياً مقرباً من دوائر صنع القرار، وإنما شخصية جاءت من قلب المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية. وهو من داخل النقاش الإسرائيلي نفسه، يضع إصبعه على المسألة المركزية: “المعضلة ليست غياب قناة اتصال بين دمشق وتل أبيب، وإنما الفلسفة التي تحكم السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا”.
فرئيس الحكومة يستطيع تضخيم المخاوف، ومنع التسويات، وتحويل الخيارات الأمنية إلى أدوات سياسية، ورفع سقف المطالب، واستخدام الضربات الخارجية لتعزيز صورة القيادة الحازمة.
كما أن طبيعة الائتلاف الإسرائيلي الحالي وتركيبته اليمينية والدينية والقومية تؤثر بلا شك في مستوى التشدد وفي التعامل مع الأراضي العربية المحتلة ومع فكرة استخدام القوة.
لكن من الخطأ انتظار رحيل نتنياهو باعتباره المفتاح الذي سيحل تلقائياً المشكلة السورية – الإسرائيلية أو التركية – الإسرائيلية، فربما قد تأتي حكومة أكثر اعتدالاً فتتراجع بعض التكتيكات، أو تقلل التوغلات، أو تبحث بصورة أكثر جدية عن اتفاق أمني مع دمشق، أو تخفض خطاب المواجهة مع أنقرة.
المصدر: تلفزيون سوريا






