الجزائر والمغرب إلى أين؟

نور الهدى سعودي

بين الجزائر والمغرب حدود مغلقة منذ زمن، غير أنّ الأخطر من الحدود التي تمنع العبور تلك التي صارت تُقام في اللغة، ونجدها في نشرات الأخبار، والتعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تصنع من جار كامل خصماً أبدياً، وتدفع الناس إلى التصرّف كما لو أنّ كلّ مباراة وتصريح أو صورة معركة جديدة في حرب لم يعلنها أحدٌ باسم الشعوب، فوجدت الشعوب نفسها داخلها، تردّ وتلعن وتنتصر وتُهزم وتتشفّى، من غير أن تسأل نفسها: من يستفيد من تحويل الوجدان المغاربي إلى غرفة عمليات مفتوحة على نزاعات لا تتوقّف؟

المؤلم في هذا المشهد أنّ العداء لم يعد مادّةً عابرة في خطاب سياسي رسمي، فقد صار طقساً يومياً في بعض المنابر، خصوصاً حين تتحوّل قنوات إلى مصانع للاتهام، وحين يصير المغرب في بعض النشرات الجزائرية الرسمية مادّةً يوميةً للتخويف والتعبئة، كما تصير الجزائر في منصّات مغربية موضوعاً للتهكّم والردّ الغاضب. هنا لا يعود الإعلام وسيلة إخبار، بل يغدو جهازاً لتشكيل الانفعال العام، يختار الكلمات التي بها سيعبّر عن كرهه الناس، ويصنع القاموس الذي سيستعملونه في بيوتهم ومقاهيهم وصفحاتهم، ثمّ يتظاهر بأنّه ينقل ما يشعرون به.

لا يحتاج المرء إلى الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك كي يرى الخطر. المسافة النقدية لا تعني الحياد البارد أمام التضليل، ولا تعني مساواة ميكانيكية بين الخطابات مهما اختلفت درجاتها ومصادرها، لكنّها تفرض سؤالاً أكثر أخلاقيةً: كيف نمنع الخلاف السياسي من أن يهبط إلى سبّ الشعوب ورموزها وتاريخها وموتاها؟ وكيف نعيد للمغاربي حقّه في ألّا يكون جندياً لغوياً في حرب تتغذّى من غضبه، وتتركه وحيداً أمام الغلاء والبطالة وضيق الأفق وانسداد المستقبل؟ ومتى سيقتنع كلٌّ من الجزائريين والمغاربة بأنّ النار التي تشتعل في بيت جار ستصله، وسيخنقه دخانها لا محالةَ؟

لقد ورث الجزائريون ذاكرة استعمارية طويلة وقاسية، وعشرية سوداء وثورة كبرى وجراحاً عميقةً لا يملك أحدٌ حقّ السخرية منها، وورث المغاربة أيضاً ذاكرات مركّبة من الاستعمار وسنوات الرصاص وتوتّرات الحدود. لا تصلح هذه الذاكرات ذخيرةً للمهاترات، لأنّها حين تدخل سوق الشتيمة تفقد سياقاتها، وتوضع في يد غوغاء رقمية تحوّلها إلى سلاح رخيص. ماذا يعني أن يسخر شخص من شهداء بلد آخر؟ وما معنى أن يحتكر طرف كلمة الأحرار كما لو أنّ الحرّية نسب وطني مغلق؟ وهل الشهداء ملكية خاصّة في الجزائر وحدها أو في المغرب وحده؟

ليس من السهل على الدول تجاوز خلافاتها، فهناك ملفّات سياسية وتاريخية معقّدة، ونزاع الصحراء له حصّة الأسد فيها

الطبقة المثقّفة، للأسف، لم تخرج ممّا وقع ويقع بكرامة كافية. كان المفترض أن تكون خطّ الدفاع الأخير عن المعنى، فإذا ببعض أصواتها تدخل سوق المزايدة، تلبس الانفعال ثوباً فكرياً، وتعيد إنتاج الشوفينية في لغة أفصح، بينما مهمّة المثقّف ليست تلطيف القبح والكره بمفردات أنيقة، إنّما فضح الآلة التي تصنعه، وتذكير الناس بأنّ الذاكرة التي لا يهذّبها التسامحُ والمعرفةُ تتحوّل إلى انتقام مؤجَّل، وأنّ التاريخ الذي لا يمرّ عبر النقد يصير أسطورةً عدوانيةً.

وسائل التواصل الاجتماعي منحت، هي الأخرى، هذا كلّه سرعةً غير مسبوقة. الحسابات المجهولة، والمقاطع المجتزأة، والمؤثّرون الذين يتغذّون على الغضب والفتنة، كلّها حوّلت الأزمة إلى فرجة يومية. كلمة واحدة تشعل آلاف التعليقات، وتصريح مبتور يتحوّل إلى دليل، وفوز كروي يصبح برهاناً على تفوّق شعب كامل. هكذا فقدت حتّى الرياضة براءتها؛ لم تعد مباراة كرة القدم مساحةً للعب والمتعة، بل صارت محكمةً رمزيةً، فيها تشفٍّ واتهامٌ وكيلٌ بمكيالَين، وفيها اللاعب يحمل فوق كتفيه أحمال التاريخ والسياسة والحدود.

المأساة أن المنطقة التي تنفق هذا القدر من الطاقة في الخصومة تعيش أصلاً ما يكفيها من أعطاب. كان المغرب الكبير يمكن أن يكون فضاء تنمية وتكامل وحركة بشرية واقتصادية أوسع، فإذا به يتحوّل إلى إمكان مُعطَّل، وحدود نفسية قبل أن تكون جغرافية، وسوقاً مقفلة، وقرابة ممنوعة، ومخيالاً مشتركاً ممزّقاً بين نشرات التحريض وتعليقات الوعيد. كم يحتاج الشاب في وجدة أو تلمسان أو فاس أو وهران إلى عمل كريم، وجامعة أفضل، وأفق أوسع، وفرص أكثر، وثقافة مغاربية فاعلة وداعمة مشتركة؟ وماذا تمنحه هذه الحرب الإعلامية سوى وهم الانتصار في شاشة صغيرة؟

مَن بدأ الشتيمة؟ سؤال بلا جدوى، لأنّ سؤال البداية في دوائر الكراهية يتحوّل إلى فخّ

ليس من السهل على الدول تجاوز خلافاتها، فهناك ملفّات سياسية وتاريخية معقّدة، ونزاع الصحراء له حصّة الأسد فيها. تقول الجزائر إنّها ليست طرفاً فيه، وتضع موقفها ضمن الدفاع عن حقّ الشعوب في تقرير المصير، في وقت تصنّف فيه الجزائر حركة تقرير مصير منطقة القبائل (الماك) تنظيماً إرهابياً؛ بينما يرى المغرب أنّ حضور الجزائر السياسي والدبلوماسي ودعمها لجبهة بوليساريو يجعل هذا النأي بالنفس موضع تناقض، ويتمسّك بوحدة ترابه ويرفض قيام كيان منفصل في المنطقة. وهل المنطقة في حاجة إلى بلد سادس، أم إلى وحدة لم تتحقّق بعد على أرض الواقع؟ غير أنّ الاعتراف بالتعقيد شيء، وتحويله إلى كراهية شعبية شيء آخر. السياسة تحتاج إلى مؤسّسات قادرة على التفاوض، والإعلام يحتاج إلى أخلاقيات مهنية تراعي حساسية النزاع، أمّا المجتمعات فأحوج ما تكون إلى القدرة على التمييز بين النظام والإنسان، والاختلاف والعداء.

“مَن بدأ الشتيمة؟” سؤال بلا جدوى، لأنّ سؤال البداية في دوائر الكراهية يتحوّل دائماً إلى فخّ، كلّ طرف يجد أرشيفاً يؤكّد براءته ويدين الآخر. السؤال الأحقّ: من يملك الشجاعة لإيقافها؟ من يقول إنّ الكرامة لا تحتاج إلى احتقار الجار؟ من ينتقد إعلام بلده قبل أن يفتّش عن خطايا إعلام الآخرين؟ من يستطيع أن يحبّ الجزائر من غير أن يكره المغرب، أو يحبّ المغرب من غير أن يكره الجزائر؟ أين السبيل إلى مغارب تحيا فيها الجزائر ويدوم فيها المغرب؟

لن يُولَد الإنسان الكوني الذي نحبّ أن نستدعيه في الكتب والخطب من شاشة تشحنه ضدّ أقرب جيرانه. سيُولَد حين نؤمن بأنّ الجار ليس عدوّاً، والذاكرة التاريخية ليست ملكاً للثأر. أمّا إذا استمرّت النشرات في صناعة وهم العدوّ، والمنصّات في تجييش الغضب، والنُّخب في تبرير الانحدار، فإلى أين نمضي؟ إلى مغرب كبير مؤجّل مرّةً أخرى، أم إلى أجيال جديدة ترث منا حدوداً حاقدةً أعمق من الحدود المغلقة؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى