العمال السوريون ومسؤولية الإدارة السياسية عن حماية حقوقهم

محمد علي صايغ

 العمال وحقوقهم وعلاقاتهم برب العمل وإشكاليات هذه العلاقة سواء الناتجة عن عقودهم أو بيئة العمل التي يشتغلون فيها تبقى إشكاليات قديمة جديدة بحاجة لإعادة تقييم ومراجعة تمهيداً لإجراء التغيير في الوضعية القانونية سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص .

معاناة العمال والموظفين سواء أيام النظام السابق وحتى اليوم لا زالت مستمرة ، وهي تزداد باطراد .. وقضايا العمال من أكثر القضايا الملحة والتي تتطلب تشخيصاً لها ومعالجة نتائجها وانعكاسها عليهم وعلى الانتاج والقوة الانتاجية في بلدنا .

إن مسؤولية حقوق العمال ليست مسؤولية أرباب العمل لوحدهم ، وإنما هي مسؤولية مشتركة مع الإدارة السياسية بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية .. خاصة بعد سنوات الحرب المريرة ، وارتفاع نسبة التضخم ، والفجوة الكبيرة بين الدخل واسعار السلع .. انعكس على تراجع كبير بالقدرة الشرائية ، مما جعل الغالبية من العمال والموظفين وكثير من الشرائح الاجتماعية تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية .

إن المشكلات التي تعاني منها الطبقة العاملة كثيرة ، لا تبدأ او تنتهي بانخفاض الرواتب والاجور في القطاعين العام والخاص وتٱكل القوة الشرائية لرواتبهم وانما تمتد الى البطالة وعدم وجود فرص عمل خاصة لجيل الشباب حاملي الشهادات الجامعية ، الى جانب العمالة التي لا يحميها القانون المرتكزة على عقود محددة المدة تجعل العامل واسرته في حالة تهديد دائم بإنهاء العمل وعدم الاستقرار الأسري . الى جانب ضعف الحماية المؤسسية وتهرب معظم أصحاب العمل في تسجيل العمال بمؤسسة التأمينات الاجتماعية التي تشكل ضماناً لأسرهم في التقاعد أو العجز الطارئ أو إصابات العمل ، يضاف الى ذلك غياب التمثيل النقابي الفعلي للعمال للدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم . وفوق هذا كله غياب التسلسل الوظيفي للأجور الذي لا يمكن فهمه بعد سقوط النظام السابق ، فإن التفاوت الكبير في الأجور بدون اعتماد فئات التوظيف على أساس الشهادة أو الكفاءة أو الخبرة في القطاعات المختلفة ، ففي ذات القطاع الواحد يسود الاختلال الفاضح للأجور ، ما جعل شريحة واسعة من الموظفين تشعر بالغبن الشديد ، إذ كيف يمكن أن يتقاضى موظف يحمل شهادة عليا وله سنوات عديدة بالعمل ما يعادل ١٥٠ دولار بالليرة السورية مع زميله الموظف الجديد الذي يتقاضى ٧٠٠ أو ٨٠٠ دولار بالشهر بدون مؤهلات تعادل زملائه وما يشكل ذلك من معاناة وتمييز بين عمال وموظفي الطبقة العاملة ، وطبعاً إذا لم نتوقف عند غلاء العقارات والإيجارات المرعب ، إذ كيف يمكن تصور أن إيجار عقار لأسرة صغيرة جداً لا يكفي إجرة العامل أو الموظف لتسديد فقط قيمة بدلات الايجار المطلوبة وفق الأسعار التي تزداد اتساعاً ، هذا دون الحديث عن متطلبات المعيشة اليومية وفواتير الماء والكهرباء والاتصالات ..الخ .

ولا شك بأن التغيير في حياة الناس ومعاشهم ، وتحسين ظروفهم المعاشية لا يأتي فوراً  و” بكبسة زر ” لقوة خارقة  ، وإنما بحاجة لتدرج في تأمين احتياجات المواطنين بعيداً عن الفوضى والعشوائية والارتجالية في أعمال وتوجهات الإدارة السياسية، والعمل على نمط محدد أو ٱليات تنفيذية تستند الى بيئة سياسية وتشريعية تقوم على خطط مرحلية وبعيدة المدى لإحداث الأثر الملموس للنهوض بالطبقة العاملة ببلدنا .

ومن هنا فإن مسؤولية الادارة السياسية حاسمة في حماية العاملين وتثبيت مكتسباتهم مرحلة بعد أخرى ، هذا الدور والمسؤولية للإدارة السياسية يجب ان تستند الى توجهات منها المستعجل ومنها يتوجب وضع برامج عمل للوصول إلى مستوى يحقق العدالة للعاملين ، ويتمثل دور السلطة السياسية فيما يلي :

١- تحديث البيئة التشريعية  القانونية بما يؤدي إلى تعديل القوانين السابقة من أجل حماية العمال وانصافهم ، والعمل على ربط الأجور بمؤشر الأسعار من خلال وضع محددات قانونية مرنة لزيادة الأجور تلقائياً تتناسب نسبياً مع موجات التضخم السريعة للأسعار عن طريق الزيادات الدورية للرواتب ، بما يضمن الاستقرار المعيشي للأسر وحياة كريمة لها ، كما أن من الأهمية بمكان دفع الأجور بمواعيدها وعدم تأخرها منعاً للاضطراب النفسي للعامل الذي ينعكس سلبياً على العمل والإنتاج .

٢ـ رفع الانتاجية : إذ من الأهمية بمكان ربط السياسات الاقتصادية بمصالح القوى المنتجة ، وذلك بتنشيط الصناعة وتقديم كل أوجه الدعم لها ، ودعم الصناعات المتوسطة والصغيرة وتشجيع الاستثمار لفتح مجالات اوسع لسوق العمل ، إذ أن زيادة الأسعار لوحدها ليست كافية إذا لم تترافق مع خلق فرص عمل تحد من البطالة الصريحة والمقنعة ، بما يدفع بالعملية الانتاجية لتشكل رصيداً مهما للدخل القومي الإجمالي . ولابد بالتوازي مع ذلك من العمل على مكافحة الاحتكار والفساد ووضع حد للمحسوبيات لما قد يؤدي ذلك الى ابتلاع جزءاً مهماً من الأجور ، واستناد فرص العمل على معايير القرابة والعلاقات الشخصية وليس على أساس الخبرات والكفاءات النوعية .

٣- توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتطوير أنظمة التأمينات الاجتماعية ، من أجل حماية رواتب التقاعد وتوفير تعويضات البطالة وإصابات العمل وحماية العمال المؤقتين في القطاع الخاص والعام .

كما يدخل في الحماية الاجتماعية قيام الدولة بالحفاظ على حمايتها للخدمات السيادية كالصحة والتعليم ، ودعمها وتحملها جزءاً مهماً من نفقات الكهرباء والماء والاتصالات والنقل والأمن الغذائي .

٤ـ تعزيز دور النقابات العمالية ومنحها الاستقلالية في تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم ، ومراقبة تطبيق قوانين العمل والتفاوض مع أرباب العمل للحفاظ على مكاسبهم ، وإشراك العمال في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية .

٥ـ إصلاح النظام الضريبي : وهذا يتطلب زيادة مساهمة الشرائح العليا الأكثر دخلاً في الإيرادات العامة ، مما يقتضي وجود القوانين التي تضمن العدالة الضريبية وإجراءات عملية لمكافحة التهرب الضريبي ، في مقابل تخفيف العبء الضريبي عن أصحاب الدخل المحدود .

إن نجاح الإدارة السياسية بعد سنوات الصراع والحرب  لا يقاس بحجم الاستثمارات التي تعود عائداتها على فئة محدودة من رجال المال ، ولا بمؤشرات النمو الاقتصادي لوحده ، بل بمدى قدرتها على حماية العمال وصون كرامتهم ، وتحويل العمل إلى مصدر للأمن الجماعي والاستقرار الأسري ، فحقوق العمال وصيانة حقوقهم ليست مطلباً هامشياً أو فئوياً ضيقاً ، وإنما أساس لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي والتنمية المستدامة ، عندها يشعر العمال أنهم شركاء حقيقيون في بناء الدولة وإعادة إعمارها والمساهمة في تطوير بلدهم ونهضته .

٢١ / ٨ / ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى