كيف تنظر تركيا إلى التصعيد الإسرائيلي في سوريا؟

أحمد زكريا

قالت مصادر دبلوماسية وتركية مطلعة لـ”المدن”، إن أنقرة تعاملت مع الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الضهور العسكري في ريف إدلب السوري بقدر عالٍ من اليقظة والحذر، رافضة الانجرار إلى رد عسكري مباشر يخدم حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية.

وبدلاً من الرد الميداني الفوري، شرعت تركيا في تفعيل شبكة اتصالات عسكرية ودبلوماسية واسعة النطاق، شملت الاتصال بواشنطن لضبط خط الاحتكاك، والتنسيق مع السعودية وقطر وسلطنة عُمان لتوحيد الموقف الإقليمي، في مرحلة وصفها محللون بـ”بناء الغطاء السياسي والعسكري” قبل أي تحرك ميداني محتمل.

وأكد محللون أن التوقيت الحساس للاتصال الذي أجراه رئيس الأركان التركي سلجوق بيرقدار أوغلو مع نظيره الأميركي دان كين، لا يمكن فصله عن التوتر الذي أعقب الضربة. وتناول الاتصال، بحسب الإعلان الرسمي، القضايا الإقليمية، فيما تتحدث واشنطن بالفعل عن ضرورة تعزيز آلية منع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.

وكشفت المصادر أن أنقرة لم تُبلَّغ مسبقاً بالهجوم، وأن مسار الطائرات الإسرائيلية كان يمكن أن يدفع تركيا إلى الاستعداد لرد عسكري فوري.

منع الاحتكاك

ويرى المراقبون أن الملف الإسرائيلي – السوري كان حاضراً بقوة في هذا الاتصال، بهدف منع تحول أي ضربة مقبلة من رسالة إسرائيلية إلى احتكاك تركي – إسرائيلي مباشر.

ونقلت تقارير عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، رسالة وصفت بأنها “مهمة وخطيرة” موجَّهة إلى إسرائيل، جاء فيها: “تم رصد طائرات تتجه نحو تركيا، وكان من الممكن أن تستعد تركيا للرد، ولحسن الحظ حال التعامل العقلاني دون تصعيد الموقف”.

وأضاف باراك أن تحركات مكثفة تجري حالياً لإنشاء آلية فض اشتباك وتنسيق أمني بين تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، في أعقاب الغارة على القاعدة القريبة من الحدود التركية.

وأشارت المصادر التركية إلى أن إسرائيل لم تجرؤ على إخطار أنقرة مسبقاً، إلا أن الدفاعات والرادارات التركية أثبتت يقظتها العالية باكتشاف المقاتلات فوراً أثناء توجهها شمالاً.

ووضع سلاح الجو التركي ومنظوماته الدفاعية في حالة استنفار قصوى وجاهزية قتالية كاملة للرد واستهداف الطائرات المعتدية بسبب عدم وضوح نواياها، قبل أن يتدخل ضبط النفس والوساطات لمنع صدام كاد يعصف بالطيران الإسرائيلي.

ويرى خبراء في الشأن التركي أن أنقرة تدرك جيداً أن نتنياهو يخوض معركته الأخيرة قبل الانتخابات، ولذلك لم تمنحه الرد الذي يبحث عنه.

تركيا “ليست عاجزة”

وتفتح الغارات على مطار أبو الضهور، سياقاً جديداً من التصعيد الإسرائيلي ضد سوريا، سبقه خطاب سياسي يصوّر الرئيس أحمد الشرع كعدو، وإغراق وسائل الإعلام بتقارير استخباراتية تتحدث عن قلق إسرائيلي مبالغ فيه من تسريع بناء القدرات العسكرية السورية، إضافة إلى تصعيد الخطاب ضد تركيا ودورها.

وقال الباحث التركي في العلاقات الدولية والأستاذ في جامعة لوسيل بقطر، محمد مظهر شاهين، لـ”المدن”، إن “إسرائيل تحاول من خلال استهداف أبو الضهور، دفع تركيا نحو دائرة من التوتر والتصعيد، وربما جرّها إلى مواجهة عسكرية تخدم حسابات نتنياهو”.

وأعرب شاهين عن اعتقاده بأن “تركيا لا تنجرّ إلى اللعبة التي يحاول نتنياهو فرضها، فالجمهورية التركية لا تتعامل مع إسرائيل باعتبارها الطرف الذي يجب أن يكون مخاطبها المباشر، بل إن مخاطب تركيا الحقيقي هو الولايات المتحدة، في حين ترى أنقرة أن الرد العسكري على هجوم لم يستهدف قاعدة عسكرية تركية بشكل مباشر، لن يكون في مصلحة تركيا في هذه المرحلة”.

وذكر شاهين أن عدم الرد الآن لا يعني أن تركيا عاجزة عن الرد أو أنها لن تتدخل، مضيفاً “أعتقد أن تركيا دولة كبرى، وتملك من القوة والقدرة العسكرية ما يجعلها قادرة على التدخل متى رأت أن مصالحها وأمنها القومي يتطلبان ذلك”.

وقال إنه “إذا دخلت تركيا الحرب، فإن المعادلة العسكرية التي ستنشأ في الشرق الأوسط ستكون بداية نهاية إسرائيل، فتركيا اليوم تراقب وتنتظر، لكنها تملك القدرة والإرادة على التدخل عندما ترى أن اللحظة قد حانت”.

“صبر استراتيجي”

وفي الوقت الذي يرتفع فيه منسوب القلق الإسرائيلي من الانخراط التركي في دعم الجيش السوري الجديد، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان عن زيارة لسوريا قبل نهاية العام الجاري، مؤكداً أن سوريا لن تُترك وحدها.

ويرتبط الإعلان بهذا التوقيت برسالة دعم تركية واضحة للرئيس أحمد الشرع ولسوريا، فيما دخل مسار العلاقات التركية – السورية مرحلة الاندفاعة القوية بعد مراحل التدرج السابقة. ويُنظر إلى قصف المطار كمؤشر على قلق إسرائيلي من أن تصبح تركيا بديلاً من إيران في النفوذ والحضور العسكري في الشام، بعد تراجع طهران، في رسالة موجهة إلى أنقرة أكثر مما هي إلى دمشق.

ويؤكد الباحث في الشأن الأمني التركي محمد رقيب أوغلو، أن “الغارات تندرج ضمن نمط أوسع من السياسة الإسرائيلية القائم على استهداف الاستقرار في سوريا، إذ ترى تل أبيب في عدم الاستقرار مصلحة استراتيجية تحد من قدرة أي إدارة سورية جديدة على ترسيخ سيادتها وبناء تحالفات إقليمية فاعلة وفي مقدمتها الشراكة مع تركيا”.

ويضيف في حديثه لـ “المدن”، أن “الضربة تعبير عن رفض إسرائيلي ضمني لكل من الإدارة السورية الجديدة والدور التركي المتنامي، فاستهداف القاعدة ليس فقط رسالة عسكرية، بل محاولة لتقويض أي تفاهمات أمنية أو عسكرية ناشئة بين أنقرة ودمشق”.

ويشير إلى أن تركيا اختارت حتى الآن عدم الرد العسكري المباشر على هذا التصعيد الإسرائيلي، وهو ما يمكن وصفه بـ”الصبر الاستراتيجي” أكثر من كونه ضعفاً أو تردداً، فقراءة أعمق للموقف الإسرائيلي تشير إلى أن تل أبيب تسعى لنصب فخ يستدرج تركيا إلى مواجهة مباشرة، بما يجر معه الإدارة الأمريكية وتحديداً إدارة ترامب، إلى موقف تصادمي مع كل من أنقرة ودمشق، وهذا سيناريو لا تريده واشنطن، وفق رأيه.

وبهذا الموقف، تؤكد أنقرة أنها تتابع التطورات عن كثب، متمسكة بسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها، ومستعدة لحماية مصالحها الأمنية دون أن تمنح خصومها الفرصة التي يسعون إليها.

 

المصدر: المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى