
يشعر من يتنقّل بين مدن الضفّة الغربية وبلداتها بحجم التغييرات على الأرض. يتبدّل المشهد سريعاً وكأنّه في سباق مع الزمن. أعداد البؤر الاستيطانية المستحدَثة تملأ التلال والمرتفعات، حتّى التي تلاصق بيوت الفلسطينيين، فيما تلاشى الوجود الفلسطيني البدوي في البراري الواسعة التي تمتدّ على طول السفوح الشرقية للضفّة ومناطق الأغوار، وحل مكانه رعاة أغنام من المستوطنين. شبكات الطرق الاستيطانية الجديدة تكمل الصورة وتبتلع ما تبقّى من الأرض، وتعزل القرى الفلسطينية التي باتت سجوناً صغيرة تقيّدها البوابات الحديدية والحواجز العسكرية.
ثمّة خطّة ممنهجة تُدار بإحكام، تتكامل فيها الأدوار بين المؤسّسات الرسمية الإسرائيلية وداعمي الاستيطان، فاعتداءات المستوطنين الدموية، التي باتت تأخذ أشكالاً مختلفة، ليست أحداثاً أمنية معزولة، بل سياسة مرسومة تضغط على الفلسطينيين لإجبارهم على ترك المكان. وقد أفضت هذه الممارسات بالفعل إلى تهجير عشرات التجمّعات الفلسطينية الصغيرة نحو مراكز القرى والمدن، لا سيّما في منطقة الأغوار ذات الأهمية الاستراتيجية.
يعيش الائتلاف الحاكم على معادلة سياسية مرتبطة باليمين القومي والديني وبالقواعد الاستيطانية، فتتحوّل الضفّة في هذه المعادلة إلى ساحة للتنافس على مزيد من التطرّف
ما يحدث في قُصرة والمغير والطيبة ومسافر يطا وغيرها ليس استثناءً، فالتهجير من بعض مناطق الضفّة يجري بصمت ومن دون قرار مُعلَن، عبر إيجاد ظروف قهرية طاردة يصعب معها البقاء، فتراكم الاعتداءات والتهديدات، وسرقة الممتلكات والمواشي، وتدمير المزارع، وقطع المياه، وفرض الغرامات، وإغلاق الطرق، وغيرها من الانتهاكات، تجعل الحياة في المكان نفسه عبئاً لا يُحتمل، وتصبح المغادرة نتيجة حتمية بعد فقدان القدرة على البقاء. يجد الفلسطيني اليوم نفسه وحيداً أعزلَ يواجه منظومة متكاملة تتغيّر فيها الأدوات: يفرض الجيش السيطرة الأمنية، ويُغلق الطرق، ويهدم المنازل، ويعتقل المواطنين، ويتحرّك المستوطنون على الأرض، يقتحمون ويهاجمون ويسرقون ويحرقون ويزرعون البؤر الاستيطانية.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقرَّرة نهاية أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، يكتسب هذا المشهد بعداً انتخابياً إضافياً، فالائتلاف الحاكم يعيش على معادلة سياسية مرتبطة باليمين القومي والديني وبالقواعد الاستيطانية، فتتحوّل الضفّة في هذه المعادلة إلى ساحة للتنافس على مزيد من التطرّف، حيث يصبح الاستيطان وفرض السيطرة على الأرض جزءاً من الخطاب الانتخابي لليمين.
ولكن لا يمكن تفسير ما يحدث في الضفة بأنه مجرّد محاولة من اليمين الإسرائيلي لكسب أصوات المستوطنين، فثمّة تيّارات سياسية ترى في الضفّة الغربية جزءاً من المشروع القومي والديني الإسرائيلي، وتتعامل مع الاستيطان باعتباره وسيلة لمنع أي تسوية تقوم على الانسحاب. وبالتالي، فإنّ خلق وقائع جديدة على الأرض يمثّل بالنسبة إلى اليمين مكسباً سياسياً يتجاوز نتيجة صناديق الاقتراع، عبر فرض واقع يصعب على أي حكومة لاحقة التراجع عنه. وهذا لا يعني أنّ حكومة تقودها المعارضة الإسرائيلية يمكن أن تغيّر السياسات الجوهرية تجاه الفلسطينيين، بل سيكون التغيير شكلياً في لغة الخطاب الذي يلبي معايير المجتمع الدولي.
تغيّر الواقع في الضفّة الغربية كثيراً خلال السنوات الماضية. نجح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يُعدّ بمثابة الحاكم الفعلي للضفة من خلال موقعه وزيراً في وزارة الأمن مسؤولاً عن الإدارة المدنية وشؤون الاستيطان، في تغيير قوانين كثيرة لتسهيل السيطرة على أراضي الفلسطينيين، وحوّل صلاحيات واسعة داخل الإدارة المدنية الإسرائيلية من سلطة الجيش إلى المستوطنين. وبمفهوم سموتريتش، لا يحتاج ضمّ الضفّة الغربية إلى إعلان، ويمكن أن يحدث عبر سلسلة من الخطوات تتوَّج بفرض أنظمة إدارية وقانونية جديدة، وهذا ما يجري فعلياً. على الأرض، لم يعد الاستيطان يعترف بالتقسيمات التي رسمها اتفاق أوسلو بين المناطق المصنَّفة “أ” و”ب” و”ج”، فالبؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية والبنية التحتية تتقدّم باتجاه المناطق التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، لتعيد رسم الخريطة من خارج اتفاق أوسلو، وقد وثّقت منظّمة “السلام الآن” الإسرائيلية اليسارية، في أحدث تقاريرها، وجود ما لا يقلّ عن 26 بؤرة استيطانية في المنطقة “ب” مقابل هدم عشرات المباني الفلسطينية، والاستيلاء على أخرى في هذه المنطقة التي تتبع إدارياً السلطة الفلسطينية، فيما استولى المستوطنون على ما لا يقلّ عن مائة ألف دونم في المنطقتين “أ” و”ب”، كما طردوا ما لا يقلّ عن 19 تجمّعاً فلسطينياً في المنطقة “ب”.
نحن أمام أزمة مشروع سياسي فلسطيني يتآكل أمام حقائق جديدة على الأرض
أمام ذلك كلّه، تواجه السلطة الفلسطينية مأزقاً استراتيجياً، فهي تتعرّض لتهميش دولي، ولضغط إسرائيلي متعدّد الأدوات، من حجب أموال المقاصة، والتهديد بقطع العلاقات المصرفية وتقييد سلطتها، إلى تضييق المجال السياسي أمامها. كما تواجه سخطاً داخلياً متصاعداً، فهي عاجزة عن حماية الفلسطينيين، وفشلت في خلق برامج جدّية لتعزيز صمود المواطنين في أراضيهم، ولم تنجح في الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه موظفيها. فيما فشلت التنظيمات والأحزاب والقوى والمؤسّسات الوطنية في بلورة مشروع وطني موحَّد واستراتيجية مواجهة.
لكنّ الخطر الأكثر عمقاً بالنسبة إلى الفلسطينيين هو اعتياد المشهد، بعد أن باتت اعتداءات المستوطنين خبراً يومياً عابراً، وأصبحت البؤر الاستيطانية تفصيلاً عادياً، والهدم والطرق الجديدة جزءاً من المشهد. وتحوّل نزوح العائلات الفلسطينية إلى رقم في تقارير المؤسّسات ذات العلاقة، وسط عزوف عن الحراك الميداني، وتراجع ملحوظ في المشاركة الشعبية.
نحن، إذن، أمام أزمة تتجاوز تصاعد عنف الاحتلال ومستوطنيه واتساع رقعة الاستيطان، إلى أزمة مشروع سياسي فلسطيني يتآكل أمام حقائق جديدة على الأرض، وانهيار منظومة العمل المشترك، وغياب الرؤية الموحَّدة لمواجهة هذا الواقع، وأزمة في النظام العربي، والنظامين الإقليمي والدولي، تعجز عن وقف البطش الإسرائيلي، فيما تتضاءل الخيارات أمام الفلسطيني في الضفّة الغربية الذي لم يعد يملك خياراً سوى الصمود والبقاء في أرضه.
المصدر: العربي الجديد






