
الحرب الأميركية الإيرانية مستمرّة، على الرغم من تصريحات الرئيس الأميركي ونائبه المتناقضة، بين قرب التوصّل إلى اتفاق مع إيران من جهة، واحتمالية تصعيد الأمور إلى حدود غير مسبوقة عسكرياً واقتصادياً، والتهديد بالإقدام على خطوات خاصّة تصل إلى حدود احتلال مناطق جغرافية إيرانية من جهة ثانية.
وما تتميّز به هذه الحرب أنّها تهدّد اقتصادات معظم الدول، سيّما دول أوروبا الغربية وجنوب شرق آسيا وغرب آسيا وأفريقيا، وغيرها من مناطق تواجه مخاطر تراجع مستويات النموّ، وارتفاع الأسعار ونسب التضخّم؛ وربّما تكون روسيا الدولة شبه الوحيدة المستفيدة من هذه الحرب التي فتحت المجال أمامها لتصدير نفطها المُكبَّل بقرارات الحظر الأوروبية والأميركية.
وبالنسبة إلى إقليمنا المضطرب، تنذر هذه الحرب بمخاطر وجودية تهدّد راهن مجتمعات المنطقة ومستقبلها ودولها، في حال إخفاق الولايات المتحدة في حسم الأمور بصورة نوعية مع النظام الإيراني، سلماً أو حرباً. ففي منطقة الخليج هناك مخاوف حقيقية من تعرّض البنى التحتية لمزيد من الهجمات الإيرانية، وهذا فحواه زيادة التدمير وزعزعة الأمن والاستقرار.
يسعى الجانب الإيراني إلى استغلال نقاط الضعف في الموقف الأميركي، ويحاول رفع السقف واستخدام ورقة مضيق هرمز
وفي العراق، هناك مخاطر كبرى لحدوث صدامات داخلية بين المليشيات الولائية وواجهاتها السياسية والدولة العراقية، إذا ما أصرّت حكومة علي الزيدي على مشروعها الخاصّ بحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، في مواجهة حلفاء إيران في الداخل العراقي، الذين من الملاحظ أنّ صوتهم قد ارتفع، ونبرة تصريحاتهم ازدادت حدّة بعد زيارة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد، واجتماعه مع قادة الإطار التنسيقي والفصائل الولائية.
والأمر نفسه في لبنان، حيث تعاني الدولة عجزاً أمام مطالب أميركية وإسرائيلية تفوق قدراتها، ما يهدّد وحدة المجتمع اللبناني وتماسكه، بل ومستقبل لبنان دولةً ذات سيادة. ومن الواضح أنّ التصريحات التي أدلى بها زعيم حزب الله الشيخ نعيم قاسم أخيراً، بخصوص توجّه لبنان السياسي ومسألة السلاح، تعكس رغبة إيرانية في عدم التخلّي عن ورقة الحزب في المفاوضات مع الأميركيين. … ولا يختلف الوضع كثيراً في اليمن عمّا هو عليه الحال في كلٍّ من العراق ولبنان، من جهة الاضطراب المجتمعي، وارتفاع وتيرة التدخّل الإيراني بمختلف الصور.
وبطبيعة الحال، لن تكون سورية بواقعها الهشّ بعيدة من ارتدادات الاضطرابات الداخلية في كلٍّ من العراق ولبنان، وسيحاول النظام الإيراني بجميع الوسائل البناء على استثماراته السابقة في الداخل السوري، وتحريك خلاياه الفاعلة والنائمة لبثّ الفوضى عبر التفجيرات، وإيصال الأسلحة والأموال إلى حزب الله في لبنان، وحتّى بناء الجسور أو ترميمها مع بعض القوى تحت شعارات المقاومة والممانعة، وهو يستغلّ في هذا، لمصلحة مشروعه، وحشية ممارسات حكومة نتنياهو في غزّة والضفّة الغربية، ومحاولاتها المتواصلة لوأد إمكانية (بل فكرة) الدولة الفلسطينية التي نصّت عليها القرارات الأممية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن أولوية أسعار النفط بالنسبة إلى الولايات المتحدة على حساب الملفّ النووي الإيراني والملفّات الأخرى، مثل الصواريخ الباليستية والمسيّرات والأذرع والتدخّلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة ومجتمعاتها، فهذه التصريحات تكشف النقاب عن إخفاق أميركي في تحقيق الأهداف التي أُعلنت في بداية الأزمة قبل أشهر، كما أنّها تمثّل انعكاساً للضغوط الداخلية على إدارة ترامب، والخشية من نتائج الانتخابات النصفية المقبلة التي يمكن أن تؤدّي إلى إضعاف هذه الإدارة المرتبكة أصلاً.
ومن الواضح أنّ ترامب يحاول بشتّى السبل الوصول إلى حلّ مؤقّت يضمن استمرارية تدفّق شحنات النفط والغاز عبر مضيق هرمز إلى الأسواق، ما سيسهم في تخفيف الضغوط على التجارة العالمية في مختلف الأماكن؛ الأمر الذي من المفروض أن ينعكس إيجابيّاً على الاقتصاد الأميركي، والرأي العام الأميركي، قبل الانتخابات المُنتظرَة. ولكن من الملاحظ، في الوقت نفسه، أنّ الجانب الإيراني يسعى بكلّ جهوده إلى استغلال نقاط الضعف في الموقف الأميركي، ويحاول رفع السقف واستخدام ورقة مضيق هرمز؛ وهو يراهن على خضوع ترامب للضغوط الداخلية، ويستوعب جيّداً طبيعة الخلل الاستراتيجي الذي تسبّب فيه لنفسه على صعيد علاقاته مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا.
خلل واضح في العلاقات بين الأوروبيين والولايات المتحدة نتيجة تراكمات من المواقف السلبية التي اتخذها ترامب تجاههم
وما يضعف الموقف الأميركي أكثر هو مواقف نتنياهو الانتهازية، وهو يحاول ضمان بقائه في رأس الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، ويصرّ على استخدام ورقة قمع الفلسطينيين، والتنصّل من مسؤوليته عن محنتهم. فهذه المواقف التي يستقوي صاحبها (نتنياهو) بالتأييد والدعم الأميركيَين، تعطي المزيد من الدفع للسياسة الشعاراتية التي يلتزمها النظام الإيراني، ومحاولاته تسويق مزاعم الممانعة والمقاومة، ودغدغة عواطف بعض القومويين والإسلامويين، وحتّى اليساريين والليبراليين.
ونحن إذا قارنا اليوم بين الاستراتيجية الأميركية، إذا ما كانت هناك استراتيجية متكاملة ومتماسكة أصلاً، في التعامل مع الموضوع الإيراني، وتلك التي اعتمدتها إدارة بوش (الأب) الجمهورية في حرب تحرير الكويت عام 1991، نلاحظ فرقاً واضحاً في نضج العقل السياسي بين الإدارتَين، لصالح إدارة بوش (الأب) بطبيعة الحال. فجورج بوش لم يبدأ الحرب التي حقّقت أهدافها خلال 43 يوماً قبل أن ينجح في تشكيل تحالف دولي شمل الأوروبيين والدول الإسلامية والعربية، لا سيّما الخليجية منها، ومصر وسورية. وشمل التحالف أيضاً دولاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية. كما أنّ الاستعدادات اللوجستية من ناحية العدد والعدّة والتقنيات كانت متكاملةً، ولم تعانِ أيّ خلل؛ هذا إلى جانب الوعد بإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية وتسوية النزاع العربي الإسرائيلي قبل الحرب. وكان انعقاد مؤتمر مدريد 1991 بعد الحرب. هذه الاستعدادات كلّها كانت لحرب تحرير الكويت، وهذا التخبط كلّه هو نصيب الحرب الأميركية اليوم على إيران، مع ضرورة أخذ الفارق الكبير بين حجم وإمكانات العراق في ذلك الحين وحجم إيران وإمكاناتها في يومنا الراهن بالاعتبار. ومن الضروري أن يُشار هنا إلى وضع الاتحاد السوفييتي الذي كان على أبواب الانهيار في ذلك الحين، ووضع الصين التي كانت على بعد سنوات ضوئية من تقدّمها الحالي.
كما تمكّن جورج بوش في حربه الشهيرة من ضبط تصرّفات الحكومة الإسرائيلية التي كان يقودها في ذلك الوقت إسحق شامير، المتشدّد هو الآخر. فقد منعها من التدخّل في الحرب، على الرغم من الشعارات والصواريخ الإعلامية التي أطلقها صدّام حسين قبل الحرب وخلالها ضدّ إسرائيل، وادعاءاته بشأن تحرير القدس وفلسطين. أمّا الوضع بالنسبة لحرب ترامب على إيران فهو مختلفٌ تماماً عمّا كان عليه الحال في حرب تحرير الكويت. فاليوم، هناك خلل واضح في العلاقات بين الأوروبيين والولايات المتحدة نتيجة تراكمات من المواقف السلبية التي اتخذها ترامب تجاههم، مثل فرض الرسوم الجمركية المرتفعة على السلع الأوروبية، ودعم حركات اليمين المتشدّد، وتشجيع بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وادّعاء حقّه في الاستيلاء على غرينلاند، والتساهل مع الرئيس الروسي بوتين مقابل إهانة الرئيس الأوكراني زيلينسكي في قلب البيت الأبيض. والموضوع الأوكراني، كما نعلم جميعاً، استراتيجي بالنسبة إلى الأوروبيين، يمسّ أمنهم في الصميم. ولعلّ هذا ما يفسّر حديث الرئيس الفرنسي ماكرون عن الصحوة الأوروبية، والتأييد الكبير الذي حظي به هذا التوجّه أوروبياً.
وبخصوص إسرائيل، استغلّت العملية التي نفّذتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالتعاون مع الفصائل المتحالفة معها في خريف 2023، وحاول رئيس حكومتها استثمار فرصة وجود ترامب في البيت الأبيض، وهو الذي عُرف بدعمه اللامحدود إسرائيل. وكان ترامب قد اعترف بسيادتها على الجولان السوري المحتلّ، كما اعترف بالقدس عاصمتها الأبدية، من دون إعطاء أيّ اعتبار وقيمة للقرارات الأممية التي تنصّ على خلاف ذلك.
منطقتنا في حاجة إلى مبادرات تفتح الآفاق، وإلى تفهّم للهواجس يفرّق بين النزعات التوسّعية العدوانية والتطلّعات الطموحة
ومع وجود تقاطع في الأهداف بين إسرائيل والولايات المتحدة في لبنان وفلسطين وسورية، إلّا أنّ الحرب على إيران كانت خارج دائرة الصلاحيات المتعارف عليها بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، وهي الصلاحيات التي تقرّ بحقّ إسرائيل في التدخّل في الأمور الخاصّة بترتيب الأوضاع ضمن دول الطوق. أمّا السياسات الأميركية الاستراتيجية على مستوى الإقليم برمّته فهي تخصّ السيادة الأميركية وحدها، وبتنسيق مع الجانب الإسرائيلي وتبادل الدعم والخبرات والمعلومات بمختلف الصور ضمن حدود المطلوب.
ولكن الانطباع الذي تشكّل في بدايات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أنّ الموقف الأميركي تابع للموقف الإسرائيلي، أو أنّه تعرّض لنوع من التضليل من نتنياهو. وفي ما بعد، وجّه اللوم إلى المسؤولين الإسرائيليين، والتوجّه نحو المحافظة على مصالح الولايات المتحدة أولاً، وهذا ما تبيّن من تصريحات نائب الرئيس الأميركي قبل مدّة، وما يُستنتج من مواقف ترامب الحالية التي يحاول من خلالها المحافظة على مسافة بينه وبين نتنياهو، ويحرص على إظهار ذلك.
في هذه الأجواء المضطربة المتداخلة، جاءت خطوة الإعلان عن تحالف مكّة، بين السعودية وتركيا وباكستان؛ وهناك اليوم محاولات لإقناع مصر بالانضمام، وربّما دول أخرى في المنطقة، إلى هذا المحور الجديد الذي قد يُسهم في ضبط توازنات المعادلات الإقليمية المختلّة، نتيجة إصرار كلّ من إسرائيل وإيران على مشاريعه التوسّعية التي تعتمد أسلوب زعزعة الاستقرار في دول ومجتمعات المنطقة بغية السيطرة عليها، أو إرغامها على التزام المسارات التي تنسجم مع حسابات هذا الطرف أو ذاك.
منطقتنا في حاجة ماسّة إلى مبادرة أو مبادرات إقليمية تفتح الآفاق أمام حلّ المشكلات القائمة عبر الحوار الهادئ الذي يتفهّم الهواجس، ويفرّق بين النزعات التوسّعية العدوانية والتطلّعات التي يمكن أن تتجسّد في المشاريع الاقتصادية والبحثية والتنموية المشتركة لمصلحة أمن مجتمعات ودول المنطقة، وبما يخدم مساعي النهوض بها، وتوفير مقوّمات ازدهارها.
المصدر: العربي الجديد






