
يبدو المشهد السياسي المغربي خاضعاً لمفارقة تكاد تصير معادلة في الوقت الحاضر: رهان وطني كبير يكاد يكون من دون رهان سياسي في مستواه، إن لم نقل إنّ الرهان الذي تعد به الانتخابات يكاد يكون ضيّقاً أمام ما ينتظر المغرب من استشرافات مستقبلية على المديين، القريب والمتوسط. وفي الأجندة الوطنية “العليا”، هناك آفاق مخرجات التفاوض الدبلوماسي حول تنزيل الحكم الذاتي، بما يفرضه من مقوّمات جديدة تشريعية وتنفيذية، ترقى إلى هندسة نظام سياسي جديد في الأقاليم الصحراوية، في علاقتها بالتراب الوطني وبالمؤسّسات النظامية الأخرى، سيغيّر طبيعة الدولة ويفرض على المغرب أن يصير بلداً بملكية واحدة وبنظامَين مؤسّساتيَّين (انظر مقال الكاتب: “مغرب الحكم الذاتي… ملكية واحدة بنظامين“، “العربي الجديد”، 18/11/2025). في المقابل، يبدو الفتور الانتخابي وكلّ مظاهر انعدام الثقة في الفعل السياسي وتآكل مصداقية الطبقة السياسية وحقل الوساطة المجتمعية (نقابات، وهيئات سوسيو- مهنية، وأحزاب… إلخ)، علامات بارزة في المشهد السياسي المغربي، تزايدت خطورتها وتأثيرها في شرعية النظام الحزبي برمته.
تزايد الحلم بالهجرة، إضافةً إلى تآكل الخطاب السياسي وتشابهه، خلقا انغلاقاً كبيراً في إنتاج اليوتوبيا الضرورية للفعل السياسي
والغريب أنّ المشهد الحالي، الموسوم بهذا الضعف والتآكل، يتزامن مع تصدّر الشرعية الانتخابية للمقوّمات الجديدة في دستور ما بعد 2011. ونقصد بذلك حسم السيادة الديمقراطية في الأحزاب، بعد أن نصّ الدستور المتوافق عليه في زمن الربيع المغربي، أو الحصّة المغربية من “الربيع العربي”، على انتظام الاقتراع، وبالتالي تحريره من مزاجية السلطة وتوازناتها. ونصّ كذلك على أنّ رئيس الحكومة يُعيّن من الحزب الذي يتصدّر الانتخابات، وهذا تعبير عن الشراكة الدستورية بين الملك والجهاز التنفيذي، وهو ما كان يفتح أبواباً لطفرة كبيرة في الديمقراطية المغربية وقوّة المؤسّسات، ومنها المؤسّسات الحزبية.
على عكس هذا، ارتفع العجز في إطلاقه في المنظومة السياسية والحزبية، خصوصاً في المغرب. وإذا كان التكنوقراط يمثّلون خزّاناً لنخبة الدولة وطاقتها في التغيير، لشاهدنا نوعاً من الانكماش، إن لم نقل عزوف النُّخبة نفسها عن الفضاء العمومي والنقاش السياسي التأطيري له. هذا التآكل الرهيب في مصداقية الفعل السياسي هو نتيجة تاريخ من التحجيم والتقزيم ومحاولة ترتيب الحياة الحزبية بالتدخل فيها وصناعة القيادات.
وإذا كانت أحداث سبتة أخيراً تستوجب لتفسيرها مصفوفةً متداخلةً من العوامل، حيث يتقاطع السياسي بالمجتمعي بالتربوي بالرمزي بالسوسيو- نفسي، فإنّها كشفت كذلك هوّةً سحيقة بين مغربَين ومجتمعَين… ولعلّ في تزامن الخطاب الملكي لعيد العرش بالعبور الجماعي رسالة قاسية. وممّا تكشفه أنّ المعطيات الماكرو-اقتصادية والنتائج الباهرة على هذا المستوى، تجاورها قضايا الفقر والهشاشة، علاوة على تآكل المصداقية السياسية ومؤشّراتها التي لا تظهر بطبيعة الحال في المعطيات الماكرو-اقتصادية. ونحن أمام معطيات مرقّمة حول نسبة النفور العالية التي تسائل النظام السياسي، ولا تلقى دوماً اهتماماً يليق بتراجيديتها من لدن الفاعل السياسي الحزبي.
تزايد الحلم بالهجرة، مع ما نبّهت إليه الباحثة في علم الاجتماع سميّة نعمان جسوس بالقول إنّ صورة “الفردوس الأوروبي لا تزال قويةً جداً”، إضافةً إلى تآكل الخطاب السياسي وتشابهه، خلقا انغلاقاً كبيراً في إنتاج اليوتوبيا الضرورية للفعل السياسي، وضرورية لانخراط المواطنات حتّى لا يشعر الشباب بأنّه “مجرّد متفرّج في بلد يُبنى من دونه”، على حدّ قولها البليغ. ولعلّ من علامات التآكل والانهيار أنّ الحراكات جميعها تقريباً يسمها طابع العفوية بشكل كبير، نظراً إلى وجود خزّان كبير من الغضب والحلم والعجز والتخلّي. إنّ السؤال هو: هل هذا الوضع مقبول في بلاد تريد أن تتخطّى عتبة البلدان الصاعدة وتفتح ذراعيها لدورة إصلاحية جديدة؟
يفتح هذا السؤال نقاشاً حول مداخل هذا الطموح. بعضها يكمن في محاولة نقل هيئات الوساطة من أجهزة لتوزيع الريع، حتّى لا تزيد عزلتها وانطواؤها على نفسها… حتى نخرج “من الشعور بالفراغ السياسي”، على حدّ قول عبد المالك العلوي في كتابه “المغرب وتحدّي القوّة” الصادر حديثاً. ومن مداخله كذلك الحسم في علاقة “زنا المحارم بين السلطة والمال”، كما تتجلّى في علاقة السلطة بالاقتصاد التي يُعبَّر عنها في المغرب بـ”تضارب المصالح”، وتمركز الاستثمارات عند كبار الأغنياء، والثراء غير المشروع الذي يمرّ عبر القرار السياسي، ثمّ توفير شروط غير ديمقراطية للقيام بما يمكن تسميته بـ”التوزيع غير المشروع للريع الانتخابي”.
نحن أمام معطيات حول نسبة النفور العالية تسائل النظام السياسي، ولا تلقى اهتماماً من الفاعل السياسي الحزبي
في الوقت الذي تستعدّ البلاد فيه لدخول مرحلة جديدة كلّياً، لا في طبيعة دولتها ولا في طبيعة علاقة المركز بأقاليم الحكم الذاتي ولا في تسيير المجال الوطني العام، يحلم المؤمنون بضرورة تجذير الوعي الديمقراطي، كما يؤمنون بأنّه لا يمكن بناء التعدّدية الحقيقية من دون أحزاب، ويحلمون بلحظة تأسيسية في الستينيّات رواها الأب الوطني التقدّمي عبد الرحيم بوعبيد عن الانتخابات التي جرت في مايو/ أيّار 1960: “هناك حالة دالّة، من بين حالات عديدة يحسن سردها: في إحدى دوائر الرباط بحي السويسي ( حيث يقطن كبار شخصيات النظام – البرجوازية التجارية والصناعية الكبيرة) كان محمد الدويري، القيادي في حزب الاستقلال ووزير المالية، قد رشّح نفسه. في المقابل، رشّح الاتحاد الوطني تاجراً بسيطاً يبيع الفاخر (الفحم الخشبي) يسمى لعوينات. وكان الأمير -الرئيس، ولي العهد حينها مولاي الحسن، قد أصر، خلال الحملة الانتخابية، بمعية محمد الدويري، على القيام بجولة في الدائرة، مبرزاً بذلك دعمه وزير المالية، فكانت النتيجة أن تم انتخاب لعوينات بأغلبية كبيرة من الأصوات”. والجميل أنّ مولاي الحسن (الحسن الثاني من بعد) قبل، وقبل الوزير الشابّ، ولا أحد استشاط غضباً أو زيّف النتيجة.
ليس سهلاً أن تعود إلى الواجهة مقوّمات قِيَمِيَّة كان من المفروض أنّ المغرب راكم فيها خزّاناً مترامي الأطراف، قيم: الكرامة، والثقة، والجدّية، والانحياز النزيه، والمصلحة العامّة، والالتزام السياسي، والعمل المؤسّساتي، ونكران الذات، والموضوعية، في بلاد تبني استكمالها الترابي، وما زالت أمامها دورات أخرى فيه. بلاد تعبّر الدولة فيها عن إرادة ملموسة في أن تكون فاعلاً أخلاقياً مقابل نفور عامّ، جماهيري شعبي ونخبوي تكنوقراطي. عزوف ملحوظ، عملة واحدة بوجهَين: عزوف الشعب وعزوف النُّخبة معاً.
المصدر: العربي الجديد






