مكافحة الفساد ضرورة لبناء سورية الجديدة

عبد الرحيم خليفة

كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في مدينة حلب، يوم السبت 8 آب/أغسطس، عن جريمة فساد كبيرة في فرعي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، تضيع بنتيجتها من خزينة الدولة السورية مليارات الليرات السورية، لصالح فئة من الفاسدين واللصوص ونهّابي المال العام.

الكشف عن هذه الجريمة يأتي في سياق عمل الدولة السورية الجديدة ودأبها على مكافحة الفساد، واجتثاث منظوماته المافيوية، وإقامة دولة القانون والمحاسبة والمساءلة، وهي، في الوقت نفسه، تفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير من تفاصيل هذه القضية: كم من جرائم الفساد ما زالت مستورة؟ وكم من شبكات الفساد ما زالت متغلغلة في مفاصل الدولة ومؤسساتها وقطاعاتها المختلفة؟

لا شك أن هذه الجريمة واحدة من مئات الجرائم الأخرى التي لا يُعلم عنها حتى الآن شيء، والكشف عنها يتطلب جهوداً إضافية من الدولة السورية الجديدة في إطار التعافي وإعادة البناء والنهوض، لكن الكشف عن الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، على أهميته، لا يكفي وحده، إذ يتطلب الأمر حزمة متكاملة من الإجراءات التي تعزز ثقة السوريين بما تفعله الدولة وتقوم به، وتعزز كذلك ثقة المؤسسات الدولية التي تراقب وترصد أداء الدولة السورية.

في مقدّمة هذه الإجراءات، يأتي، تشديد الأحكام على الفاسدين وتطبيق القانون بحزم، وهو ما يتطلب إعطاء السلطة القضائية دوراً كبيراً وأساسياً في إعادة بناء الدولة، التي تقوم أساساً على مبدأ فصل السلطات، الأمر الذي يتطلب من مجلس الشعب الجديد سنّ تشريعات خاصة بهذا الأمر، تماماً كما هو الحال في قضايا العدالة الانتقالية وتجريم الأسدية.

ويتطلب كذلك، إطلاق يد وسائل الإعلام وإعطاءها الدور المطلوب للكشف عن الحقائق، والتقصي عن بؤر الفساد وعلاماته وتتبعها، فلا يمكن للدولة أن تحارب منظومات الفساد من دون رقابة مجتمعية وإعلامية حقيقية.

إن القضاء على مظاهر الفساد يشكل اليوم جزءاً من ضرورات المستقبل السوري، لأن آثاره الخطيرة لا تتعلق فقط بتراجع الاقتصاد وانخفاض معدلات التنمية وزيادة معدلات الفقر، بل تتعدى ذلك إلى انهيار الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة، وتعميق الهوة بين الدولة والمواطن. ومن هنا، فإن أهمية معركة اجتثاث الفساد لا تقل اليوم عن أي معركة أخرى يخوضها السوريون، كالعدالة الانتقالية ومحاكمات القتلة والمجرمين من رموز نظام الأسد البائد، بل إن هذه المعركة تتقاطع معها وتتصل بها بصورة مباشرة.

في عام 2013، كتبت مقالاً بعنوان: “وماذا عن جرائم الفساد؟”، وكان فحواه، وما زلت مقتنعاً به حتى اليوم، أن نتائج وآثار الفساد على المستويات كافة وفي مختلف المجالات لا تقل خطورة وإيذاءً عن جرائم القتل الممنهج، واستخدام السلاح الكيميائي، والتغيير الديمغرافي.

الفساد ليس مجرد سرقة للمال العام أو استغلال للوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية، إنه منظومة متكاملة تضيع فرص التنمية، وتبدد موارد الدولة، وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص، وتحول القانون إلى أداة انتقائية، وتدفع المواطن إلى فقدان ثقته بدولته ومؤسساتها، وهو الحال الذي أوصل سورية إلى أن تكون في المرتبة 178 من أصل 180 دولة على مؤشرات الفساد العالمي في عام 2018، وجعل عموم السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بواقع تسعة من كل عشرة، حسب الأمم المتحدة، وجعل المدن السورية من بين الأكثر بؤساً على مستوى العالم.

لقد أسس الأسد الأب نظام حكمه على ركيزتي الاستبداد والفساد، وجعلهما صنوان لا يفترقان، فالاستبداد كان يحمي الفساد، والفساد كان يوفر أدوات استمرار الاستبداد، ومع مرور الزمن، تحولت هذه العلاقة إلى بنى عميقة ومتغلغلة في مختلف مفاصل الدولة وقطاعاتها.

ولهذا يمكن القول اليوم: إن هذه البنى الفاسدة تهدد التجربة السورية الجديدة بالفشل الكامل إذا لم تتم مواجهتها بجدية وحزم، ولنا في كل ما حصل في دول الجوار الإقليمي شاهد حي تحت مسمى “الدولة العميقة” حين عجزت الدول الجديدة عن تفكيك الشبكات القديمة التي بقيت تعمل داخل المؤسسات وخارجها، وأعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

لا يقتصر الفساد على استغلال السلطة العامة لمآرب شخصية ومكاسب ذاتية، بل له جوانب أخرى، خطرها كبير وبائن للعيان، تتمثل في الانحرافات الأخلاقية وانتهاك القيم العامة، بل والتجاوز على الآداب والتقاليد والدين الحنيف، من مثل المخدرات والدعارة والإتجار بالبشر، وغيرها من الظواهر التي تنخر جسد المجتمع وتصيبه في مقتل. من هنا، فإن معركة القضاء على الفساد تحتاج إلى خطط قريبة ومتوسطة وبعيدة الآجال، لأنها تماماً كخطط النهوض والإعمار والبناء، وتحتاج إلى تعاون كبير بين الدولة والمواطن، وبين الدولة والمجتمع المدني.

كما تحتاج إلى تدريب الكوادر الإدارية والعلمية والمتخصصة البديلة، وبناء مؤسسات قادرة على العمل وفق قواعد جديدة، بعيداً عن المحسوبيات والرشوة واستغلال النفوذ. وتحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى ثقافة جديدة، مغايرة تماماً لما كان سائداً، وإلى تغيير آليات التعامل اليومية مع الدولة ومؤسساتها، وهو ما يتطلب تغيير البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج الفساد، وهذا كله جزء من توطيد السلم الأهلي وبناء مجتمع سوري جديد.

السوريون الذين عانوا كثيراً من الاستبداد والفساد والتمييز يحتاجون اليوم إلى أن يروا دولة مختلفة، دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، دولة لو سرقت فيها فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وسلم، لقطعت يدها. الفساد ليس جريمة مالية فقط، ولا قضية إدارية، إنه خطر استراتيجي على الدولة والمجتمع، والظلم، الذي هو أحد تجليات الفساد، “مؤذن بخراب العمران”، كما قال ابن خلدون، وهذا بالضبط ما حصل في سورية، وكان أحد أسباب ثورة السوريين العظيمة في آذار/مارس 2011.

إن معركة سورية الجديدة ضد الفساد جزء من معركة بناء الدولة نفسها، ومن معركة بناء المستقبل السوري، بل وبناء الإنسان نفسه، باعتباره صانع التاريخ ومحركه.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى