
وصلت حركة الاستيطان، التي مجَّدها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تحت مسمَّى “ثورة المستوطنين”، إلى مرحلةٍ لا مجال للتعايش معها. فهي لم تقف عند القضاء على الحقوق السياسية للفلسطينيين، متجاوزةً ذلك إلى تقويضٍ مباشر لعناصر اتفاقية جنيف الرابعة التي تنظِّم حقوق المدنيين في المناطق المحتلة، وفي مقدّمتها منع الاستيطان والعقوبات الجماعية وحظر النفي والتهجير. وتمتدّ جذور هذه الحركة الاستيطانية إلى “الخطة دال” التي أعلنتها قيادة الهاغاناه في مارس/آذار 1948، وهدفت إلى السيطرة على مساحات شاسعة من فلسطين بالقوّة، لضمان تواصل جغرافي يتجاوز ما نصّ عليه قرار التقسيم الأممي الصادر عام 1947.
هذه الحركة المنظَّمة، وقد بدأت العمل المنهجي لإنشاء المستوطنات في الضفّة الغربية، وانطلقت مشاريعَ صغيرةً ذات طابع أمني وأيديولوجي، ثمّ بدأت في ابتلاع منظَّم وواسع النطاق للأراضي، لم تعد تكتفي بمصادرة الأراضي الفلسطينية تحت ذرائع قانونية متعدّدة: “مناطق عسكرية مغلقة”، و”محميات طبيعية”، و”استملاك للمصلحة العامّة”، و”أملاك دولة”، و”أملاك غائبين”… بل وصلت إلى آخر القلاع الفلسطينية، وهي بيوتهم التي تؤويهم، ما يعني البدء بالتهجير. ليس الأهمّ الآن العدد، ولا إلى أين يغادرون، إلى داخل الضفة الغربية أم إلى خارج فلسطين، لكنّ المطلوب ترسيخ التهجير عملياً، وتجريع الفلسطينيين والعالم ومؤسّساته الحقوقية هذه النقلة الخطيرة. ومع أنّه حصل تدمير مخيّمات في الضفّة الغربية، منها مخيّما طولكرم ونور شمس، لكن، ومن دون التقليل ممّا حصل في المخيّمات، ما يحدث الآن في قصرة (جنوبي نابلس شمالي الضفّة الغربية) يُعدّ أخطرَ، ذلك أنّه بلا أيّ ذريعة (ولو كاذبة) عن أهداف أمنية وملاحقة فصائل مقاومة.
المستوطنون المدعومون على نحو مُعلَن من نتنياهو وحكومته ينتهزون ما يرونه فرصةً مواتيةً قبل أن تفوت، ومعها ما يعدّونه إنجازات كُبرى إستراتيجية وجودية
وتفصيلاً، تواصل قوّات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها العسكري على بلدة قصرة منذ أيّام، بالتزامن مع احتلال منازلَ وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ومنع عدد من المتضامنين الإسرائيليين والأجانب من الوصول إلى منازل حاصرها مستوطنون. وبحسب المعطيات المحلّية، أبلغت قوّات الاحتلال الأهالي بضرورة إخلاء 16 منزلاً في قصرة، تمهيداً لاتخاذها ثكنات عسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وقبل نحو أسبوع، أقام مستوطنون بؤرةً استيطانيةً في المنطقة الغربية من قصرة بين ثلاثة منازل، فاقتحمت قوات الاحتلال المنازل وأخلتها، وجمعت سكّانها جميعاً في أحد هذه المنازل. هذا يعني بوضوح أنّ المستوطنين هم الآن رأس حربة دولة الاحتلال.
ومن دون إطالة، هذه هجمة تسابق الزمن لا يوقفها على نحو حاسم إلا قوّة أكبر منها، دولية أو غيرها. أمّا الإدانات، فحتّى الدولية منها والأميركية أيضاً، كما جاء على لسان السفير الأميركي في دولة الاحتلال مايك هاكابي، الذي بدا غافلاً عن موقعه ودوره المفترَض، بحسب وصف سيناتور أميركي ديمقراطي رأى أنّ هاكابي يدافع عن بنيامين نتنياهو لا عن الأميركيين ودعاه إلى الاستقالة. هاكابي نفسه، في صحوة عارضة، ندَّد بما يرتكبه المستوطنون في قصرة، ووصف أعمالهم بـ”الإرهابية المروِّعة والمقزّزة”.
هؤلاء المستوطنون يعيشون في حلقة مغلقة داخلياً وخارجياً، لا يكترثون بتحذيرات سياسيين وعسكريين كبار، كما كان من رئيس حزب يشار، غادي أيزنكوت، وهو منافس يتقدَّم على نتنياهو في استطلاعات الرأي، إذ قال إنّ ما جرى يُشكِّل “تعبيراً خطيراً إضافياً عن فشل وضعف حكومة الإخفاق”. وأضاف: “إنّ المساس بدور الجيش الإسرائيلي بوصفه صاحب السيادة في يهودا والسامرة يستحقُّ كلّ إدانة، ويستوجب التصحيح. هذه نتيجة سياسة منفلتة لحكومة إخفاق تُدار بعجز وانعدام مسؤولية”. كما لا يأبه المستوطنون، ولا تردعهم مواقف دولية مهمّة مثل موقف الأمم المتحدة الذي قضى بأنّ “التدهور المتسارع في الضفّة الغربية لا يمثّل تطوّراً مفاجئاً، وإنّما يأتي نتيجة عقود من “الصراع”، أسهمت في تعميق الاحتلال الإسرائيلي، ثمّ حذّرت من اقتراب الضفّة الغربية من “نقطة الانهيار”، في ظلّ تصاعد عنف المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية، واتساع عمليات التهجير والاستيطان. وكذلك لم يُغفل الاتحاد الأوروبي الخطورة النوعية لما يحدث، إذ رأى أنّ عنف المستوطنين والترهيب وتدمير المنازل والممتلكات في الضفّة الغربية يجب أن يتوقّف، و”ندعو إسرائيل إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لمنعه”.
فهؤلاء المستوطنون المدعومون على نحو مُعلَن من نتنياهو وحكومته، وإن اضطر نتنياهو (أحياناً) إلى التظاهر برفض بعض التصرّفات الثانوية، ينتهزون ما يرونه فرصةً مواتيةً قبل أن تفوت، ومعها ما يعدّونه إنجازات كُبرى إستراتيجية وجودية. وخارجياً يستهينون بفقدان التأييد في عقر الدول الغربية التي عُرفت بأنّها داعم وذخر، وفي أميركا حيث لم يعد الأمر استطلاعات رأي، وإنّما تحوّلات واقعية تُرجمت في فوز مرشَّحين سياسيين بدءاً من عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، وليس انتهاءً بفوز عبد الرحمن السيّد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ متغلّباً على مرشَّحة دعمتها “أيباك” دعماً كبيراً. ما حدث يُؤكِّد تحوُّلاً حقيقياً في الرأي العام الأميركي، وحتّى في أوساط معروفة تاريخياً بتأييدها الكبير لإسرائيل. وتكشف استطلاعات الرأي لعام 2026 تحوّلاً في موقف الأميركيين من الصراع الفلسطيني – “الإسرائيلي”.
هجمة الاستيطان الصهيوني تسابق الزمن، لا يوقفها على نحو حاسم إلا قوّة أكبر منها، دولية أو غيرها
فبحسب استطلاع غالوب الصادر في فبراير/شباط 2026، وللمرّة الأولى منذ أكثر من عقدَين، يتعاطف الأميركيون مع الفلسطينيين (41%) أكثر من “الإسرائيليين” (36%)، بعد أن كانت لـ”إسرائيل” أفضلية قدرها 13 نقطة مئوية قبل عام واحد فقط. بل إنّ النسبة بين الديمقراطيين بلغت 65% متعاطفين مع الفلسطينيين مقابل 17% فقط مع “إسرائيل”.
تُظهر هذه الحالة التسارع، وأهمّية الزمن، ومراكمة الزخم، ويزيدها توتّراً اقتراب موعد انتخابات الكنيست في إسرائيل، إذ تتراجع المؤشّرات إلى نجاح مؤكَّد لنتنياهو، وإلى أن يفقد قادة الاستيطان بعض الحرّية الممنوحة لهم، من دون أن يفقدوا الدعم، مهما كانت طبيعة الائتلاف الحكومي المقبل.
غنيٌّ عن التفصيل أنّ هذا الصراع طويل ومعقَّد، وأنّه لا يُحسَم في الظروف الراهنة في ضربة واحدة، لكن في خضمّ تموّجاته ثمّة نقاط يصعب التراجع عنها. فإن نجح الاحتلال ومستوطنوه، لا قدّر الله، في فرض وقائع استيطانية سافرة، بطرد الفلسطينيين من بيوتهم، وإقامة بؤر استيطانية في قلب القرى والبلدات العربية، فإنّ هذا ينذر بتكرُّره وتوسُّعه. لذا فهذه المواجهة تصبح مصيرية، ويجب حشد كلّ الدعم الممكن لها محلّياً وخارجياً، واستنفار عوامل الصمود كلّها، فهؤلاء الرعاع ليس لهم من عُدَّة إلّا العنصرية المقيتة المُعلَنة، وتلك الكراهية المتعالية، ومع أنّهما مركز تحشُّدهم، لكنهما في الوقت نفسه عاملان لصراعاتهم، وسببان ينبّهان العالم إلى شذوذهم عن المتّفق عليه من أدنى قواعد الإنسانية، وهو ما يتجسّد في تصريحات المحامي المستوطن يهودا شمعون: “حياة يهودي واحد تساوي حياة 10 ملايين فلسطيني”.
المصدر: العربي الجديد






