الغزو الناعم للعقل العربي

منذر العلو 

منذ اللحظة الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني في قلب عالمنا العربي، اعتمدت الصهيونية العالمية والدول الراعية لهذا الكيان خطة تضمن استمراره وبقاءه، وذلك من خلال تحويله إلى القوة الأولى في المنطقة، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، بل ما هو أخطر من ذلك: (جغرافياً)، وأن يكون بيت الطاعة في هذه المنطقة الذي لا يمكن الخروج عنه.

فكيف يُعقل أن يتحقق كل ذلك، في ظل وجود كيان صغير محاط ببحر عربي واسع من جهاته الأربع؟

عام 1982، نشر عوديد نوين، مستشار الرئيس الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، وثيقة خطيرة في صحيفة كيفونيوم التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، والتي عُرفت لاحقاً بوثيقة كيفونيوم أو خطة نوين، طرح فيها تصورات تقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة جديدة تسمح لإسرائيل بتحقيق رؤيتها التوسعية.

وتتضمن هذه الوثيقة مجموعة من الخطوات التي تمهّد الطريق للوصول إلى الهدف المنشود (إسرائيل الكبرى)، ويمكن اختصار هذه الخطوات بتفتيت الدول العربية (المفتتة أساساً) على أسس دينية ومذهبية وطائفية، وأن تعتمد جميع هذه الدويلات الصغيرة على إسرائيل الكبرى في بقائها وشرعية وجودها.

وفي عام 2015، أعاد مركز دراسات العولمة (غلوبال ريسيرش) نشر الوثيقة ذاتها، واعتبر أنها ما زالت تمثل حجر الأساس في السياسات الإسرائيلية الحديثة لجميع الحكومات المتعاقبة.

وما شهدناه خلال العقود الأربعة الأخيرة، وما نشهده اليوم من سياسات إسرائيلية تدعم حركات الانفصال ومشاريع التقسيم في الدول العربية بشكل واضح وعلني، يعزز هذا الطرح ويؤكده.

فمن إدخال لبنان في حروب أهلية، وتحويله إلى كيان ممزق منزوع السلاح، إلى التآمر على العراق وإغراقه بالحروب الداخلية من خلال دعم الحركات الكردية الإنفصالية فيه، وجرّه لاحقاً إلى حروب عبثية، ومن ثم الغزو المشؤوم الذي أفقد العراق دوره العالمي والإقليمي السابق، وصولاً إلى دعم الحركات الانفصالية في السويداء وشمال شرق سورية، وسبقه الدعم الهائل للميليشيات الإنفصالية في جنوب السودان والدور الكبير الذي لعبته إسرائيل في نجاح الإنفصال 1961، وأخيراً الاعتراف بصومالاند كدولة مستقلة عن الصومال.

كل هذه الممارسات والسياسات القذرة وغيرها الكثير، والتي نجد لإسرائيل دوراً محورياً فيها، تكشف لنا بوضوح أن الكيان الصهيوني ما زال يرى أن سر وجوده وبقائه وقوته يكمن في تفتيت الدول العربية إلى عشرات الدول، بل المئات إن أمكن ذلك.

في الفترة الأخيرة، أصبح تحقيق مثل هذه الأهداف بالنسبة لإسرائيل أكثر صعوبة من سابقتها، لسببين رئيسيين:

أولاً: زيادة الوعي الفكري والثقافي لدى الإنسان العربي، الذي بات يبصر بشكل جيد كل ما يجري من حوله.

ثانياً: تبدل الظروف الدولية والإقليمية، وتغير المناخ العربي عسكرياً واقتصادياً وسياسياً نحو الأفضل، بكل ما فيه من أخطاء.

هذه التغيرات دفعت بالصهيونية إلى تغيير سياساتها الاستراتيجية، واستبدال السياسة الخشنة بالسياسة الناعمة في تنفيذ هذه المشاريع، عبر الغزو الناعم للعقل العربي، وحقنه بأفكار هدّامة تجعل الإنسان العربي يدمر بلاده ويساهم في تفتيتها قبل الآخرين، وهذا ما يدفعنا إلى مرحلة أكثر خطورة من سابقتها، لأنها تمس الجوهر الذي إن فسد لا يمكن إصلاحه أبداً.

من أخطر هذه الأفكار السوداء التي أصبحنا نشاهد انتشارها بشكل واسع في السنوات الأخيرة، عبر ضخ إعلامي لها بشكل ممنهج ومدروس، الترويج لقوميات جديدة ومختلفة في الدول العربية، وكل واحدة من هذه القوميات المزيفة تهدف إلى إسقاط الهوية العربية عن دولة عربية ما؛ فمصر ليست عربية بل هي فرعونية أو كيميتة، والشام ليست عربية إنما هي سريانية، والعراق كلداني ليس عربياً، ومنطقة المغرب العربي ذات أصل وهوية أمازيغية، وأجزاء من شمال سورية والعراق كردية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى محاولة إثبات أسس وجذور تاريخية لهذه القوميات المزيفة في المنطقة العربية، وفرض تاريخ مزيف على المنطقة في أقذر غزو تاريخي علني شهدته البشرية، وهذا ما يساعد في تحويل الجسم العربي الواحد الموحد إلى قوميات ضعيفة متنافرة، كل منها يربط وجوده وبقاءه ببقاء إسرائيل ووجودها.

وعلى الرغم من أنها خرافات وأكاذيب يظهر زيفها لكل شخص لديه اطلاع بسيط على تاريخ المنطقة وماضيها، إلا أننا بدأنا نشهد في المقابل، تقبلاً لهذه الأفكار وإيماناً بها لدى فئات محدودة من الشعوب العربية، وخاصةً لدى فئة الشباب، وهذا ما يجعل الحكومات العربية تقف أمام مسؤولية كبيرة ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار.

وعلى الرغم من انحسار هذه الأفكار لدى فئات صغيرة من المجتمع، والرفض الحالي والكبير لها من غالبية العرب، فإن استمرار الحكومات العربية بالنظر إليها بعين التصغير والإهمال قد يسمح لهذه الكتلة السرطانية الصغيرة بالانتشار والتمدد إلى جميع أعضاء الجسم وإفسادها، وحينها يصعب، بل ربما يستحيل السيطرة عليها، فالعلاج الأضمن لمثل هذه الآفات هو استئصال الكتلة والتخلص منها في طور الحضانة والنمو.

كما تتحمل الأنظمة العربية مسؤولية الانحدار الثقافي والفكري الذي وصلت إليه الأجيال العربية، مما أوجد فراغاً كبيراً في مخزونها الثقافي، وأتاح لمثل هذه الأفكار السوداء أن تتسلل إلى عقولها بسهولة وسلاسة .

فلو عرف ذلك الطفل العربي الشامي تاريخ أجداده العرب الفينيقيين والكنعانيين، وقرأ عن أمجادهم التي بلغت عنان السماء قبل آلاف السنين، وعرف الطفل العربي العراقي تاريخ جده الإمبراطور العربي العظيم سرجون الأكادي، الذي أسس الحضارة العربية الأكدية قبل أربعة آلاف عام ، كأول دولة في التاريخ ذات قانون ومؤسسات ونظم، وقرأ عن أجداده العرب السومريين، أول من اخترع الكتابة في التاريخ والذين بنوا حضارة عربية سادت الدنيا، وعرف الطفل العربي المصري تاريخ أجداده من القبائل العربية التي عاشت بين نهر النيل والبحر الأحمر قبل الميلاد بمئات السنين وسكنت مصر طيلة العصور الفرعونية، وعرف الطفل العربي المغربي تاريخ أجداده الكنعانيين الذين سكنوا في المغرب العربي قبل عشرة آلاف سنة، وقبل الغزو الروماني وما جلبه معه من الدخلاء إلى هذه المنطقة العربية، لما وجدت مثل هذه الأفكار ثغرة تتسلل من خلالها إلى عقولهم وأفكارهم.

يتوجب على الأنظمة العربية اليوم إقرار قوانين رسمية تجرّم الترويج لمثل هذه الأفكار السوداء، بصفتها قضيةً تمس الأمن القومي العربي، كما يتوجب على حكومات الدول العربية والجهات المختصة فيها رفع سوية التثقيف التاريخي والقومي، من خلال المراكز الثقافية ووسائل الإعلام ومناهج التعليم بمختلف مراحله ومستوياته.

إن محاولة حصر العرب والعروبة في الجزيرة العربية ودول الخليج العربي هي إحدى الأدوات القذرة التي تحاول الصهيونية العالمية الترويج لها بكل الوسائل المتاحة، مما يفضي إلى إضعاف العرب وتحويلهم في أرضهم، من أصحاب للأرض إلى مكوّن صغير من مكوّناتها المزعومة، مما يخلق واقعاً جديداً تجد فيه إسرائيل بيئة آمنة تضمن لها الاستقرار والتفوق على المدى البعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى