
تحوّلت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون بشأن تونس إلى قضية سياسية داخلية أكثر منها حدثاً دبلوماسياً عابراً، فأثارت ردّات فعل واسعة داخل الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية، بينما اختارت مؤسّسات الدولة التونسية الصمت، تاركةً المجال أمام التأويلات والسجالات. وفي المقابل، دافع أنصارٌ للسلطة عن تلك التصريحات بعدّها تعبيراً عن عمق العلاقة بين البلدَين. وكشف هذا الانقسام أنّ الإشكال لا يتعلّق بالتصريحات في حدّ ذاتها، بل بطريقة إدراك التونسيين مسار العلاقة مع الجزائر في السنوات الماضية، وبالحدود الفاصلة بين التضامن مع دولة شقيقة والتدخّل في شؤون دولة مستقلّة.
لم يكن هذا التفاعل وليد اللحظة. فقد تراكمت في الفترة الماضية أحداث ومواقف دفعت جزءاً من المعارضة ومنظّمات حقوقية إلى الاعتقاد أنّ الجزائر باتت أقرب إلى السلطة التونسية منها إلى المحافظة على المسافة التي طبعت سياستها تجاه تونس عقوداً. وجاءت إعادة السلطات الجزائرية المعارض والنائب السابق سيف الدين مخلوف إلى تونس لتغذّي هذا الانطباع، خصوصاً بعد انتقادات وجّهتها منظّمات حقوقية لهذه الخطوة. وبالنسبة إلى المعارضة، لم تعد هذه الوقائع تُقرأ بكونها مجرّد تعاون أمني أو قضائي، بل مؤشّراً على تموقع سياسي جديد في العلاقة بين البلدَين، حتّى إن لم تعلن الجزائر ذلك رسمياً.
احتضنت تونس جانباً مهمّاً من نضال الجزائريين، وكان العدوان على ساقية سيدي يوسف (1958) دليلاً على أنّ أمن البلدَين كان مترابطاً حتّى قبل استقلال الجزائر
وزادت بعض المنابر الإعلامية الجزائرية من هذا الاحتقان، عندما قدّمت قراءات للأوضاع التونسية اعتبرها كثير من التونسيين منحازةً إلى السلطة، أو عندما صدرت عن بعض الضيوف والإعلاميين تعبيرات أوحت بوجود علاقة وصاية أو بالتقليل من استقلالية القرار التونسي. ولا يمكن تحميل الدولة الجزائرية مسؤوليةَ كلّ ما يقال في وسائل الإعلام، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أثر هذه الخطابات في الرأي العام، خصوصاً عندما تتزامن مع تصريحات سياسية صادرة من أعلى هرم السلطة. وفي المقابل، أسهم غياب ردّ رسمي تونسي في توسيع مساحة التأويل، وتحوّل الجدل من نقاش في تصريح سياسي إلى نقاش في طبيعة العلاقة بين البلدَين.
أعاد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالاً أعمق يتعلّق بطبيعة العلاقة التونسية الجزائرية، التي لم تُبنَ على التقارب بين رئيسَين، ولم تتأسّس على توافق ظرفي بين حكومتَين، بل نشأت من حقائق فرضها التاريخ والجغرافيا. ويكفي استحضار سنوات الثورة الجزائرية لندرك حجم التداخل بين مصير البلدَين. فقد احتضنت تونس جانباً مهمّاً من نضال الجزائريين، وتحمّلت أعباءً سياسية وعسكرية كبيرة، وكان العدوان على ساقية سيدي يوسف سنة 1958 دليلاً على أنّ أمن البلدَين كان مترابطاً حتّى قبل استقلال الجزائر.
ولم تكن العلاقة بعد الاستقلال مساراً خالياً من الأزمات. فقد اختلف الرئيس الحبيب بورقيبة مع القيادة الجزائرية في عدة قضايا إقليمية، كذلك شهدت سنة 1980 واحدةً من أكثر المحطّات حساسيةً عقب أحداث قفصة، عندما اتّهمت تونس مجموعات مسلّحة مدعومة من ليبيا بالتسلّل عبر الأراضي الجزائرية، ما تسبّب في توتّر سياسي حادّ بين تونس والجزائر، بينما أعلن المغرب دعمه السياسي والعسكري لتونس. ومع ذلك، لم تنزلق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، لأنّ الطرفَين أدركا أنّ الخلاف، مهما بلغ، لا يمكن أن ينسف شبكة المصالح التي تجمعهما. وبعد سنوات قليلة، اتّجه البلدان إلى إعادة ترميم العلاقة بتوقيع معاهدة الأخوّة والوفاق سنة 1983، لتدخل العلاقات مرحلةً جديدةً من التعاون الأمني والسياسي أثبتت أنّ منطق الدولة كان أقوى من تداعيات الأزمة.
وخلال حكم الرئيس زين العابدين بن علي، تعزّز التعاون الأمني بفعل تصاعد خطر الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، ثمّ جاءت مرحلة ما بعد 2011، وتعاقبت على تونس حكومات ذات توجّهات سياسية متباينة، بينما حافظت الجزائر على اعتبار استقرار تونس مصلحةً استراتيجيةً. تغيّرت الحكومات والرؤساء، لكنّ القاعدة بقيت واحدة: أمن تونس والجزائر لا يمكن فصله عن أمن الأخرى، وهو ما جعل العلاقات الثنائية تتجاوز في كلّ مرّة رهانات السياسة اليومية.
غير أن السنوات التي أعقبت 25 يوليو (2021) أدخلت عنصراً جديداً إلى هذه العلاقة. فقد أصبحت كلّ إشارة تصدر من الجزائر تجاه الوضع الداخلي التونسي تُقرأ من زاوية الانقسام السياسي داخل البلاد. وأصبحت المعارضة تنظر إلى أيّ تقارب بين الجزائر والسلطة انحيازاً، بينما يعتبر أنصار السلطة هذا التقارب دليلاً على قوّة العلاقات بين البلدَين. وهكذا انتقلت العلاقة من مجال السياسة الخارجية إلى قلب التجاذب الداخلي، وهو تطوّر يحمل مخاطر على الطرفَين، لأنّ العلاقات بين الدول تصبح رهينة للاستقطاب السياسي الداخلي بدل أن تبقى محكومة بالمصالح الاستراتيجية المشتركة.
وهنا جوهر الإشكال. فالعلاقات بين الدول لا تستقيم عندما تصبح مرتبطة بالأشخاص أو بالسلطات القائمة. الرؤساء يتغيّرون، والحكومات تتبدّل، وموازين القوى الداخلية تتحوّل باستمرار، أمّا الدول فتبقى، وكذلك المصالح الاستراتيجية. ولهذا فإنّ اختزال العلاقة التونسية الجزائرية في طبيعة العلاقة بين رئيسَي البلدَين، أو في درجة التقارب بين السلطتَين القائمتَين، يحمل مخاطر حقيقية على مستقبلها. فما يُبنى على الأشخاص ينتهي برحيلهم، أمّا ما يُبنى على المؤسّسات، فيبقى قادراً على الصمود أمام التحوّلات السياسية.
من حقّ الجزائر أن تعتبر استقرار تونس جزءاً من أمنها القومي، كذلك فإنّ تونس من حقّها أن تتمسّك باستقلال قرارها الوطني وأن تدير شؤونها الداخلية بعيداً عن أيّ شعور بوجود وصاية أو تدخّل، مهما كانت النيّات المُعلَنة. ولا يوجد أيّ تعارض بين هذين المبدأَين، بل إنّ العلاقة السليمة بين الدول تقوم على الجمع بين التعاون واحترام السيادة. وكلّما اختلّ هذا التوازن، اتّسعت مساحة سوء الفهم، وتحوّلت التصريحات السياسية إلى أزمات لا تعكس بالضرورة حقيقة العلاقات بين الشعبَين.
ما يُبنى على الأشخاص ينتهي برحيلهم، أمّا ما يُبنى على المؤسّسات، فيبقى قادراً على الصمود أمام تحوّلات السياسية
وتتحمّل الدولة التونسية بدورها مسؤوليةً في إدارة هذا النوع من الملفّات. فغياب المواقف الرسمية الواضحة يفتح الباب أمام التأويلات، ويجعل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي يتولّيان تفسير ما يجري. والدبلوماسية لا تقتصر على اللقاءات الرسمية، بل تشمل أيضاً توضيح المواقف عندما يثار جدل يمسّ صورة الدولة أو سيادتها أو طبيعة علاقاتها الخارجية. فالصمت قد يكون خياراً في بعض الحالات، لكنّه لا يصلح دائماً عندما يتحوّل إلى فراغ تملأه القراءات المتضاربة.
لقد أثبت التاريخ أنّ تونس والجزائر قادرتان على تجاوز الخلافات عندما تكون العلاقة بينهما قائمة على احترام الدولة للدولة، لا على تقارب السلطة مع السلطة. وأثبت أيضاً أنّ الشعبين يملكان من الروابط الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية ما يجعل أيّ أزمة ظرفية قابلة للاحتواء، إذا أحسنت القيادتان إدارتها بعيداً عن الانفعال واستثمار الخلافات في الصراعات الداخلية.
لهذا تبدو الحاجة اليوم إلى إعادة التوازن في هذه العلاقة أكثر من أيّ وقت مضى. توازن يعزّز التعاونَين، الأمني والاقتصادي، ويحافظ على التنسيق السياسي الذي تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ احترام السيادة الوطنية ليس تفصيلاً دبلوماسياً، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات المستقرّة بين الدول. فالجغرافيا لن تتغيّر، والتاريخ المشترك سيبقى حاضراً، لكنّ مستقبل العلاقة سيتحدّد بقدرة البلدَين على ترسيخ منطق المؤسّسات، بحيث تبقى العلاقات التونسية الجزائرية شراكة بين دولتَين مستقلّتَين، لا علاقةً مرتبطةً بمرحلة سياسية أو بقيادات عابرة.
المصدر: العربي الجديد






