عاصفة “نيترات الأمونيوم” تهبّ مرَّتَين في لبنان

  يقظان التقي

تمرّ الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020) في ظلّ الدورة المتكرّرة من عصف الانفجارات والآلام التي تجتاح لبنان، بسبب الحرب الجديدة بين إسرائيل وحزب الله، التي تقتل وتفجّر وتدمّر القرى الجنوبية والبلدات والمعالم التاريخية وتتلف ذاكرة الأماكن وشجر الزيتون والمجتمعات. وكم من مكان صار قتاماً ورماداً. فتعكس الذكرى عمق معاناة اللبنانيين الواسعة والمستمرّة، فيما تبقى نتائجها النفسية والاقتصادية حاضرة في المكان ذاته. والحجّة واضحة على ذلك التقارب القائم بين الحقائق. أمّا ما فُرض بالوهم، ورُكّب بالحسّ، وعُرّي من صور الانتساب، فهو ذلك الذي خلا من معنى الطبيعة الإجرامية التي استخدمت مادّة “نترات الأمونيوم”، ويراها كلّ من له قلب.

المسألة لم تعد محصورةً بإمكان التوصّل إلى تفاهم مع إسرائيل، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تحويل أي تفاهم محتمل إلى التزام فعلي قابل للتنفيذ

وليس من المجدي العودة إلى تلك الغيمة السوداء التي حوّلت، في لحظة، فضاء مدينة كانت هادئة تماماً إلى أنقاض، أو الحديث عن حجم معاناة الضحايا من عناصر الدفاع المدني الذين تطايرت أجسادهم في الهواء وتلاشت، أو سرد قصص في المكان ذاته تُظهر صدمة الناس الذين تناثرت ذواتهم. وتبدو الحقيقة المنتظَرة بعيدة، ومتّصلة أكثر بما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في نهاية ولايته الأولى، وعلى طريقته المباشرة: “العسكر قالوا لي إنها عملية إسرائيلية”. وللمفارقة، كان حزب الله أوّل من بادر إلى تبرئة إسرائيل التي أعلنت امتلاكها كمّيات كبيرة من المادّة المتفجرة نفسها، عثرت عليها حديثاً قوّات الطوارئ الدولية (يونيفيل) العاملة في جنوب لبنان، بحجّة عدم رغبته في الردّ حينها، أو لحماية جماعات قريبة منه وأخرى نشطت في تجارة المادّة واستخدامها عشوائياً، لا سيّما حليفه، نظام الأسد المخلوع، وجنرالاته الذين أبدعوا شرّاً وفتكاً في صناعة البراميل المتفجّرة لقصف المعارضين وإبادة أبطال المدن السورية التي خلت من سكّانها وخلت معها الأرض من عُمارها.
لذلك، لدى كثيرين مصلحة في تأبين الحقيقة. والقرار الظنّي المتوقّع صدوره قد يكون نصف قرار قضائي جنائي، لا يجرّم الفاعلين أو الجهات الأساسية المرتكبة والمشاركة في جريمة مظلمة ومخيفة، لها أشباحها التي ظهرت، ثمّ أخفت الملفّ فاختفت. وقد يقتصد قاضي التحقيق طارق البيطار في مطالعته المتأخّرة في ذكر أسماء ووكلاء وأحكام، وما يقع في خانة جُنَح التقصير الإداري أو الوظيفي أو المادي، لذلك لن تعلن لحظة الحقيقة تعافيها بعد سنوات من الواقعة. فليست لديها رافعة سياسية في مسألة المسؤولية التي وُئدت، ولا ما يسمح بالقول إنّ سيناريو الجحيم لن يتكرّر بوتائر متصاعدة تبعاً لطبيعة العصف الإسرائيلي المجنون نفسه الواقع في الجنوب، وقد رجّت الأرض رجّاً في أكثر من زمان ومكان. هذا، على الرغم من تسجيل هوامش متفاوتة، أخيراً، على مستويات قابلة للتوقّع والانتظار، عن الانتقال في مفاوضات السلام المباشرة إلى مكان آخر أكثر أمناً للبلاد، لكنّ الحصيلة متباينة في محاولات الحكومة إعادة البناء بعد انسحابها من أدوار الإسناد التاريخية، تحت شعار السيادة الوطنية، أو عبر إصلاح النظام السياسي والأمني والقضائي المتهالك. فقد أصبحت أزمات لبنان المزدوجة عقدة مستعصية، وفكّ هذه العقدة يعني القيام بكلّ شيء في وقت واحد: نزع السلاح المسؤول عن مآسي الانفجارات، والإصلاح، وإعادة الإعمار، في بلد عانى طويلاً من العجز عن القيام بأي شيء. وإذا كانت الأمور تبدو أفضل الآن، فذلك فقط لأنّها كانت سيئة للغاية. لقد اتّخذت حكومة الرئيس نوّاف سلام بعض خطوات هادفة: حصر سلاح المليشيات الذي يأتي باللهب والنار، والعودة إلى بدايات مشروع استقلالية القضاء وتحقيق العدالة والمساءلة، وإقرار قانون السرّية المصرفية، واقتراح مشروع لإعادة هيكلة المقرضين المتعثّرين أو تصفيتهم.
لكنّ الحرب مشكلة، والبنوك “الزومبي” مشكلة أخرى. فقَد الاقتصاد ملاءته المالية، والبنية التحتية في لبنان في حالة يُرثى لها. ولا تستطيع شركة الكهرباء التي تديرها الدولة توفير سوى بضع ساعات من الطاقة يومياً في الصيف الحار. وتعاني شركات الهاتف سرعات إنترنت أبطأ ممّا هي عليه في الصومال. والناس ضعفاء، لا يملكون حولاً ولا طولاً، وتلفظهم أزماتهم وآلامهم. والدولة هي مرآة الحقيقة التي تحاول أن تمسكها في ذلك المحو الذي يلبس وجوهها وعذاباتها.
ومع ذلك، يكشف لبنان واقعاً مختلفاً عمّا كان عليه طوال السنوات الستّين الماضية. تربطه علاقة بالولايات المتحدة، وشخصياً برئيسها دونالد ترامب، والمنح الأوروبية لا تتوقّف، ويعيد بناء جسور الثقة مع العالم العربي، ومع الرئيس أحمد الشرع في سورية الجديدة، وينفتح على علاقات جيّدة مع تركيا، إلى جانب عودة دور الأقلية المسيحية الوازنة سياسياً في الشرق الأوسط، لكنّه مسار شديد الحساسية، قابل للانفجار، لأنّه يتحرّك فوق انقسام داخلي عميق وتوازنات إقليمية متحرّكة. فالمسألة لم تعد محصورة بإمكان التوصّل إلى تفاهم مع إسرائيل، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تحويل أي تفاهم محتمل إلى التزام فعلي قابل للتنفيذ، في ظلّ استمرار الجدل حول السلاح ودور حزب الله وحدود سلطة المؤسّسات الرسمية.
لكنّ هذه المقاربة تحمل في داخلها أسباب تعثّرها، فإسرائيل لا تتعامل مع المسار بوصفه نهاية للصراع، بل وسيلة لإعادة إنتاج شروط أمنية جديدة في حدودها الشمالية، وفرض معادلة تمنع عودة الجبهة الجنوبية إلى مرحلة الانفجارات، وهي التي تنشرها وتسعّرها. وتدفع رئاسة الجمهورية والحكومة باتجاه تثبيت دور الدولة والجيش مرجعيتَين، فيما يرفض حزب الله أن يتحوّل المسار الحالي إلى مقدّمة لتجريده من قوّته العسكرية من دون ضمانات واضحة. وهذا التباين يجعل أي تقدّم تفاوضي عرضة للاهتزاز.

إذا كانت الأمور في لبنان تبدو أفضل الآن فلأنها كانت سيئةً للغاية من قبل

والخطر ليس فقط في فشل مفاوضات الإطار، بل في التآكل التدريجي لمسارها. وهنا يتحوّل الجنوب إلى مساحة استنزاف مفتوحة، تستهلك الدولة والمجتمع والاقتصاد في آن واحد. وسيصبح الجيش اللبناني، الذي نهض بكلّ أعباء سنوات الانفجار الماضية، في موقع أكثر تعقيداً، أمام ضغط خارجي يطالبه بالتنفيذ والانتشار، وضغط داخلي يحمّله مسؤولية فراغ لا يملك وحده القدرة على ملئه. لقد سوّت إسرائيل قرى في الجنوب بالأرض، واحتلّت مساحاتٍ واسعة من المنطقة. وحصيلة قتلى حزب الله ثقيلة. ولعقود من الزمن، كان حزب الله “دولة داخل الدولة”، يدير شبكة واسعة من المرافق والموانئ، ويشغّل نظاماً مصرفياً موازياً، لكنّ الحرب الأخيرة أرهقته، لذا يرى المسؤولون فرصة لقلب الطاولة، عبر تقديم دولة حريصة على حماية أمن الجنوبيين وإعادة بناء قراهم ومنازلهم.
يأمل الرئيس جوزاف عون الاستثمار في السلام والأمن. وتتوقّف قابلية هذا المسار للحياة على توازن أوسع لمآلات التفاهم الأميركي الإيراني، حتّى لا يعود لبنان سريعاً إلى الساحة المفتوحة لتبادل الرسائل والانفجارات. عندها، لن يبقى الجنوب وحده تحت الضغط، بل ستنتقل العدوى إلى الداخل، في عصف آخر حول الحكومة والرئاسة والشرعية والسلاح والكيان دفعة واحدة. أمّا من يعتقدون أنّ بإمكانهم الالتفاف على قضية أهالي ضحايا انفجار المرفأ، أو إسكات الأرض، أو إسكات الجنوبيين المقهورين وإخفاء جروح الماضي والحاضر القاسي، فهؤلاء مخطئون تماماً. وقد أثبتت الأحداث أنّ نهج السلام والأمن هو جزء من منطق مواجهة الحقيقة، عبر المحاسبة، ومراجعة الأخطاء، وتحقيق العدالة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى