هل تركيا بديل من إيران؟

حسام أبو حامد

يبدو أنّ الفراغ يهدّد التاريخ. لذا قيل: “يكره التاريخ الفراغ”. وملء الفراغ من أقدم قواعد السياسة. ومنذ انحسار المدّ الإيراني في المنطقة بسقوط نظام بشّار الأسد، ومحاولات الولايات المتحدة وإسرائيل ودول في المنطقة تطويق الجمهورية الإسلامية، ونفوذها الإقليمي (بعد إضعافها عسكرياً واقتصادياً)، برز سؤال البديل الذي سيملأ فراغاً قد تتركه إيران بطريقة تسمح بإعادة التوازن إلى الإقليم. فخلال أربعة عقود، بنت إيران في المنطقة علاقات دبلوماسية ومصالح اقتصادية، وإلى جانبها بنت منظومةً متشعّبةً من الفصائل المسلّحة وشبكات التمويل والولاءات المذهبية، ويفتح تراجع المدّ الإيراني الباب أمام تركيا لملء هذا الفراغ (على الأقلّ جزئياً أو بصورة مؤقّتة) بعد أن فُتحت لها أبواب بدت مغلقةً، خصوصاً في سورية والعراق ولبنان.
في سورية، تبدو فرص تركيا أكبر منها في غيرها، إذ تتمركز تركيا عسكرياً وأمنياً في مساحات واسعة، ولديها نفوذ (سياسي واقتصادي) كبير على سلطات دمشق المؤقّتة، وتتركّز مصالحها في ملفّات الأكراد واللاجئين والحدود وإعادة الإعمار. وبإمكان أنقرة أن تلعب دوراً حاسماً في تدريب الجيش السوري وضبط الحدود وربط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية، وهي الأقدر على منع عودة الشبكات الإيرانية. إلّا أنّ دورها قد يتحوّل إلى مشكلة إذا تصرّفت بوصفها راعية للأكثرية السُنّية، لا شريكةً موثوقةً في بناء دولة وطنية لجميع السوريين. فحجر الأساس في أيّ نجاح تركي هناك هو تمكين جميع السوريين من الاستغناء عن الرعاية الخارجية. فكلّ نفوذ لا يقوّي الدولة لا يُعوّل عليه، وقد أثبتت تجربة نظام الأسد ذلك.
الأمور أكثر تعقيداً في العراق مع تغلغل النفوذ الإيراني في المؤسّسات العراقية، إلّا أنّ بإمكان تركيا أن تكون لاعباً رئيساً على الطاولة العراقية بفضل أوراق الطاقة والمياه، ولامتلاكها دبلوماسية نشطة مع إربيل وبغداد. وهناك مشروع طريق التنمية لربط الخليج بتركيا وأوروبا الذي قد يغيّر طبيعة الاقتصاد العراقي، وينقل ثقله من المعابر السرّية وشبكات الفصائل إلى الموانئ والسكك الحديد والبنية التحتية. وهنا أيضاً: استبدال نفوذ سُنّي بالنفوذ الشيعي الإيراني يعني يقظة الأيديولوجيا الإيرانية.
في لبنان، ليس لتركيا حليف قوي على غرار حزب الله، ولكن يمكن لتركيا، حتّى في غياب الحدود المشتركة، أن تلعب دوراً في الجغرافيا اللبنانية الضيّقة، وقد تقايض ترامب على دور سوري هناك يصرّ عليه ترامب وترفضه أنقرة، فتدعم أنقرة الجيش اللبناني وتستثمر في المناطق المهمّشة، وفي إعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي. بل ربّما تكون تركيا نواةَ قوّة إقليمية تحلّ مكان “يونيفيل”. المحاذير هنا مشابهة، فسعي أنقرة إلى بناء زعامة سُنّية تابعة لها أو محاولتها ترسيخ قاعدة نفوذ مذهبي في طرابلس أو عكّار، لن يفيدا في إضعاف حزب الله بقدر ما سيعزّزان سرديته المتعلّقة بحماية حاضنته الشيعية.
نقل المنطقة من هلال شيعي بقيادة إيران إلى قوس سُنّي تتزعّمه تركيا سيكون سبباً جوهرياً للفشل التركي، إذ إنّ ذلك لن يعيد التوازن إلى المنطقة بقدر ما يعني استمرار إنتاج الطوائف أدواتٍ جيوسياسيةً وبقاء الدول ساحاتٍ مستباحةً وبقاء المواطنين جماعات تحتاج إلى رعاية خارجية. ولا ضمانات لنجاح تركيا منفردةً من دون أن تتحرّك ضمن ائتلاف إقليمي يضمّ دولاً خليجيةً رئيسةً، بالإضافة إلى الأردن ومصر.
تبقى إسرائيل عقبةً كأداءَ، لكنّها قد تقبل دوراً تركياً مضبوطاً يمنع عودة النفوذ الإيراني ويقطع طرق إمداد حزب الله، من دون أن تسمح بنشاط عسكري للفصائل الفلسطينية انطلاقاً من الأراضي السورية، مع فرض ترتيبات صارمة لإبعاد السلاح الثقيل من الجولان المحتل، ولضمان عدم وجود قواعد عسكرية تركية متقدّمة تهدّد تفوّقها الجويّ في سورية ولبنان. ويبقى الموقف الإسرائيلي من تركيا رهناً بحجم الضغوط الأميركية على حكومة نتنياهو، وهي ضغوط ستتناسب طرداً مع مدى الرغبة الأميركية في منح تركيا دوراً إقليمياً أوسع، قد لا يرقى (في المدى المنظور) إلى دور “الشرطي الإقليمي” الذي لعبته أنقرة قبل “العدالة والتنمية”، وقبل تحوّلها مع الحزب إلى “حليف تفاوضي” لواشنطن.
قد تكون لتركيا فرصةٌ لإعادة بناء المشرق من دون أن تعيد إنتاج دور مستنسخ من إيران، وأن تختار بين أن تكون راعيةَ مشروع إقليمي دوله مستقرّة أو أن تكون راعيةَ مشروع مذهبي بمليشيات مسلّحة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى