ترامب والعبث المنظم

صدام الكمالي

قد نرى في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأسبوعين الماضيين من الحرب على إيران، وخصوصاً منذ موجة التصعيد الأخيرة في 7 يوليو/تموز الماضي، شيئاً من العبثية والتخبط، لكن إذا ما دققنا وتفحصنا هذه التصريحات ونتائجها التي يسعى إليها رجل البيت الأبيض، فسنلاحظ أنه عبث يكشف عن نمط مدروس يمكن تسميته “العبث المنظم”. لا يعكس ما يقوم به ترامب مجرد انفعالات لحظية، بل يمثل استراتيجية متعمدة، كما هو واضح، تهدف إلى توجيه رسائل سياسية داخلياً وخارجياً، وأيضاً لا شك تحقيق مكاسب اقتصادية، عبر استغلال منصبه على رأس البيت الأبيض للتلاعب بأسواق الأسهم والنفط وجني ثروة هائلة مما نراه نحن عبثاً.

يعي ترامب ما هي انعكاسات أن يصرح عبر منصته تروث سوشال، التي بالمناسبة قرر جني الأرباح منها أيضاً عبر إتاحة الوصول السريع إلى منشوراته بـ100 ألف دولار في الشهر، بمحو حضارة كاملة في ليلة، أو ضرب منشآت الطاقة والجسور في إيران في سياق تهديداته المتكررة، أو حتى تنفيذ هجوم عنيف وربطه بالحرب العالمية الثانية. المقصد هنا أن الرجل يعي ارتدادات كل ذلك، ولأنه عبث منظم، فيذهب بعد ساعات للتراجع عن كل تلك القوة الهائلة التي لوح بها، ويعلن عن اختراقات دبلوماسية هنا أو اتفاق يلوح في الأفق هناك، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

في المحصلة، هذا التناقض في تصريحات الرجل لم يكن عشوائياً، بل جاء وفق تسلسل زمني دقيق، وسياسة استخدم فيها التهديدات القصوى أداةً مدرّةً للربح في اتجاهين، اقتصادي عبر التلاعب بالأسواق في الداخل وجني المليارات، حيث تحولت تصريحات الرئيس الأميركي إلى محفز مباشر لتقلبات هائلة في أسواق المال والطاقة، مما أتاح لأقطاب الاستثمار المرتبطين بدوائر السلطة وأيضاً عائلته، جني مليارات الدولارات في عملية دقيقة ومنظمة، وأيضاً جانب سياسي عبر إجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات.

سياسة العبث هذه، يستغلها ترامب أيضاً في الدعاية الانتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وتراجع نسب تأييده بسبب الحرب، لذلك يسعى الرجل إلى إظهار القوة والحزم أمام قاعدته الانتخابية، لكن إلى أين يمكن أن تودي هذه السياسة بترامب ومستقبله السياسي؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى