
لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير حتى عادت لغة التصعيد إلى واجهة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد مرحلة من التفاهمات غير المباشرة وقنوات الاتصال الخلفية التي رأى فيها بعض المراقبين بداية لمسار أكثر استقراراً.
غير أن التطورات الأخيرة أكدت أن ما انهار لم يكن مشروع سلام مستدام، بل ترتيبات مؤقتة لإدارة الصراع في لحظة تداخلت فيها الضرورات السياسية مع الحسابات الأمنية، ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بتعثر التهدئة، بل بما تكشفه هذه الأزمة عن طبيعة المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط.
ليس كل اضطراب إقليمي دليلاً على الفوضى، كما أن كل تهدئة ليست مقدمة للاستقرار، فكما تمر الدول بمراحل انتقالية تُعاد خلالها صياغة مؤسساتها وعلاقاتها الداخلية، تمر الأقاليم أيضاً بمراحل انتقالية تتغير فيها موازين القوة، وتُختبر التحالفات، وتُعاد صياغة قواعد الأمن والصراع، قبل أن يستقر نظام إقليمي جديد.
ولعل ما يمكن تسميته بـ”الانتقال الإقليمي” لا يعني مجرد تبدل في موازين القوة، بل انتقال في القواعد التي تحكم التفاعل بين القوى الإقليمية والدولية. ففي مثل هذه المراحل لا تتغير التحالفات وحدها، وإنما تتغير أيضاً أولويات الأمن، وأدوات الردع، وحدود النفوذ، بما يجعل الأزمات اليومية جزءاً من عملية تاريخية أوسع لإعادة تشكيل الإقليم.
ما تزال إسرائيل تنظر إلى الملف النووي الإيراني، وإلى القدرات الصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة به، باعتبارها قضية أمن قومي لا يمكن التعامل معها بمنطق التهدئات المؤقتة..
ومن هذا المنظور، لا تبدو الأزمة الأميركية الإيرانية مجرد مواجهة بين خصمين تاريخيين أو خلافاً حول البرنامج النووي الإيراني، بل إحدى أبرز تجليات مرحلة انتقالية يعيشها الشرق الأوسط بأسره، إنها مرحلة لم تعد فيها قواعد ما بعد الحرب الباردة قادرة على تفسير سلوك الفاعلين الإقليميين والدوليين، في حين لم تتبلور بعد قواعد النظام الإقليمي الجديد بصورة مكتملة.
تشابك المصالح.. معادلات ما بعد الحرب الباردة لم تعد كافية
لقد دخل النظام الإقليمي مرحلة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الاعتبارات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة، فالولايات المتحدة لم تعد راغبة في الانخراط في حروب استنزاف طويلة، في وقت تتجه فيه أولوياتها الاستراتيجية نحو إدارة التنافس مع الصين، واحتواء التداعيات الأمنية في أوروبا، وإعادة توزيع مواردها العسكرية على مسارح أكثر ارتباطاً بمصالحها البعيدة المدى.
وفي المقابل، تدرك إيران أن الحفاظ على نفوذها الإقليمي لا يمر بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مفتوحة، بل عبر المحافظة على شبكة أوراقها السياسية والعسكرية، مع تجنب صدام واسع قد يهدد استقرارها الداخلي ويضاعف الضغوط الاقتصادية عليها.
أما إسرائيل، فما تزال تنظر إلى الملف النووي الإيراني، وإلى القدرات الصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة به، باعتبارها قضية أمن قومي لا يمكن التعامل معها بمنطق التهدئات المؤقتة، ولذلك تستمر في الاحتفاظ بخياراتها العسكرية والاستخبارية، بما يمنحها ما يشبه “الفيتو الميداني” القادر على إعادة خلط الأوراق متى رأت أن التوازنات تتحرك في غير صالحها.
وفي الوقت ذاته، لم تعد الصين وروسيا مجرد مراقبين للمشهد فبكين، التي ترتبط مصالحها الحيوية باستقرار تدفق الطاقة وسلامة طرق التجارة، تنظر إلى استقرار الشرق الأوسط بوصفه مصلحة اقتصادية واستراتيجية، في حين تدير موسكو حضورها في المنطقة باعتباره جزءاً من توازناتها مع الغرب، وورقة من أوراق المنافسة في النظام الدولي المتعدد الأقطاب.
إدارة المخاطر لا صناعة السلام
في ضوء هذه المعادلات، تبدو التهدئة التي شهدتها العلاقة الأميركية الإيرانية خلال المرحلة الماضية أقرب إلى دبلوماسية الضرورة منها إلى مشروع تسوية تاريخية، فقد تجسدت في تفاهمات غير مباشرة، وصفقات تبادل، وقنوات اتصال عبر وسطاء إقليميين، هدفت جميعها إلى تخفيض احتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة، لا إلى إنهاء أسباب الصراع.
ولهذا لم تكن تلك التفاهمات قائمة على بناء الثقة، بل على إدارة المخاطر وما دامت جذور الأزمة بقيت على حالها، كان من الطبيعي أن تهتز هذه الترتيبات عند أول اختبار ميداني أو سياسي، وهنا يكمن الخطأ الأكثر شيوعاً في قراءة أزمات الشرق الأوسط إذ يجري التعامل مع كل تصعيد باعتباره حدثاً مستقلاً، في حين تشير التحولات الكبرى إلى أن هذه الأزمات ليست سوى مظاهر لعملية أعمق تتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
فالتصعيد الأميركي الإيراني، والضربات الإسرائيلية، والحراك الدبلوماسي الخليجي، والتطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز، وانعقاد اجتماع حلف شمال الأطلسي في أنقرة في هذا التوقيت، ليست أحداثاً متفرقة، بل مؤشرات متزامنة على إعادة تموضع استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة.
إنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن الشرق الأوسط أصبح جزءاً من معادلة الأمن العالمي، وأن استقرار الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والطاقة بات عنصراً رئيسياً في حسابات القوى الكبرى.
من توازن الردع إلى توازن المصالح
لعل أبرز ما تكشفه هذه المرحلة هو أن المنطقة تشهد انتقالاً تدريجياً من منطق توازن الردع إلى منطق أكثر تعقيداً يمكن تسميته توازن المصالح. ففي العقود الماضية، كان الردع العسكري هو الأداة الأساسية لضبط التوازنات الإقليمية، أما اليوم ومع تعاظم الترابط بين الاقتصاد والأمن، وارتفاع كلفة الحروب، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لإنتاج الاستقرار.
لقد أصبحت حماية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، واستمرار حركة التجارة العالمية، وسلامة سلاسل الإمداد، عناصر لا تقل أهمية عن موازين القوة العسكرية في رسم سلوك الدول، وهذا لا يعني تراجع أهمية الردع، وإنما يعني أن الاستقرار بات نتاج تفاعل معقد بين القوة والمصلحة، وبين الأمن والتنمية.
وعليه فإن ما يجري اليوم لا يعكس انتقال المنطقة من الحرب إلى السلام، بل انتقالها إلى نمط جديد من إدارة الصراع، تتعايش فيه التهدئة مع التصعيد، والدبلوماسية مع الردع، والتنافس مع الحاجة المشتركة إلى منع الانفجار الكبير الذي قد يهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
الاستحقاق العربي في مرحلة الانتقال الإقليمي
وفي قلب هذه التحولات، تقف الدول العربية أمام فرصة وتحدٍ في آن واحد فالمرحلة الانتقالية التي يعيشها الإقليم لا تعني فقط إعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، بل تفتح أيضاً نافذة أمام الدول العربية للانتقال من موقع التكيف مع التوازنات الخارجية إلى موقع المساهمة في صياغتها.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار لم يعد: هل ستنجح التهدئة المقبلة بين واشنطن وطهران؟ بل: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يعبر مرحلته الانتقالية نحو نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً، أم سيبقى أسير إدارة الأزمات دون أن ينجح في بناء قواعد جديدة للاستقرار؟
وتبدو الدول الخليجية نموذجاً لقراءة مختلفة لهذه المرحلة، من خلال التركيز على الاستقرار، وحماية مسارات التنمية، وتنويع الشراكات الدولية، وربط الأمن بالاقتصاد والاستثمار وفي الوقت نفسه، ما تزال دول عربية أخرى تدفع كلفة الصراعات الممتدة، وتعاني من هشاشة المؤسسات، بما يجعلها أكثر عرضة للتحول إلى ساحات تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
إن نجاح العرب في التعامل مع هذه المرحلة لن يقاس بقدرتهم على تجنب الأزمات فحسب، بل بقدرتهم على بناء رؤية استراتيجية مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، والاستثمار في الاستقرار بوصفه ركيزة للتنمية، لا مجرد هدنة مؤقتة بين جولات الصراع.
وفي هذا السياق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار لم يعد: هل ستنجح التهدئة المقبلة بين واشنطن وطهران؟ بل: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يعبر مرحلته الانتقالية نحو نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً، أم سيبقى أسير إدارة الأزمات دون أن ينجح في بناء قواعد جديدة للاستقرار؟
ربما لا تحمل الأزمة الأميركية الإيرانية إجابة حاسمة عن هذا السؤال، لكنها تكشف بوضوح أن المنطقة لم تعد تعيش نهاية أزمة بل بداية مرحلة، والمرحلة الانتقالية -بطبيعتها- لا تُقاس بعدد الاتفاقات التي تُوقَّع أو المواجهات التي تقع، وإنما بمدى تغير القواعد التي تحكم توزيع القوة، وأنماط التحالف، ومفهوم الأمن ذاته.
فالأقاليم -مثل الدول- لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بالرؤية التي تمتلكها، وبقدرتها على تحويل التحولات الكبرى إلى فرص لصياغة مستقبل أكثر استقراراً، وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم: ليس الخروج من أزمة بعينها، بل العبور من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء نظام إقليمي جديد، تكون فيه المصالح المشتركة أساساً للاستقرار، لا مجرد استراحة قصيرة بين جولات الصراع.
المصدر: تلفزيون سوريا






