إشكالية الأقليات في المشرق العربي

    معقل زهور عدي

بدون تجاهل الخصائص البنيوية التي تميز كل أقلية عن غيرها من الأقليات وتساهم بطريقة فعالة في رسم طبيعة علاقتها بالمحيط، يمكن التفكير بخصائص عامة تجعل من مصطلح الأقليات مفهوما تجريديا لا يقل أهمية عن المساهمة البنيوية للأقلية في دراسة علاقتها بمحيطها الأكثري.

وضمن ذلك المفهوم التجريدي يمكن التفكير في العناصر الآتية:

1 – الانغلاق الأقلياتي : تتصف الأقلية بميل قوي للانغلاق على نفسها والبحث عن رموز وسرديات خاصة بها, وبغض النظر عن طبيعة نظرتها للخارج فهي تميل إلى اعتبار أن الانغلاق هو جدار الحماية الأول لها ضد الذوبان في المحيط.

2 – التعصب : مهما كانت العقيدة الدينية أو القومية تتسم بالتسامح في مبادئها الأصلية أو عاداتها المستمدة من التاريخ قبل تكون البنية الأقلياتية فالبنية الأقلياتية لابد أن تتسم بشيء من التعصب , وهذه الكمية الاضافية من التعصب ضرورية لأجل بناء الانغلاق بصورة خاصة . فالانغلاق والتعصب يعملان معا في النتيجة دون أن ينفصل أحدهما عن الآخر .

3- إنتاج صورة محددة عن الآخر كخطر وجودي , وهو ليس خطرا حقيقيا , ولا نابعا من تجربة تاريخية بالضرورة , وقد يكون كذلك بالفعل , لكن تلك الصورة ضرورية بحد ذاتها للبنية الأقلياتية , وحين تمتلك الأقلية ذاكرة تاريخية للخطر مثل الحروب مع المحيط فذلك سوف يضاعف من تركيز المشاعر الأقلياتية , لكن عدم وجود مثل تلك الحروب أو الاضطهاد التاريخي لا يعني انعدام وجود صورة عن الآخر تحمل معها شيئا يزيد أو ينقص من الشعور به كخطر وجودي . فالآخر أو الخارج مهما كان مسالما لكنه يظل خطرا كامنا بالنسبة للأقلية .

4 – السعي للسيطرة على المجتمع : تمثل نزعة السيطرة على المجتمع أداة حماية للأقلية ضمن المفهوم الأقلياتي , فحين تستطيع أقلية أن تتمتع بنفوذ سياسي أو عسكري أو اقتصادي – مالي يفوق حجمها الطبيعي فهي تضمن بذلك تحييد الخطر الكامن ضدها , أو تأمين أدوات لمضاعفة قوتها بوجه ذلك الخطر .

وهو نتيجة مباشرة للشعور بالضعف .

5 – الشعور بالضعف : تتميز جميع الأقليات بشعورها بالضعف تجاه الأكثرية , ويشكل ذلك الشعور الجمعي مهمازا يدفع الأقلية للبحث عن أدوات لمضاعفة القوة , وقد يتجلى ذلك على الصعيد الفردي بامتلاك مهارات خاصة , وعلى الصعيد الجمعي بالبحث عن السيطرة على مراكز تحكم بالمجتمع كما أسلفت .

6 – وقبل الانتقال لطرق الخلاص بالنسبة للأقلية من وضعها في المجتمع لابد من ذكر أن وضع الأقلية البنيوي يشكل باستمرار إشكالية بحد ذاته مطروحة على النخب وعلى التفكير الشعبي الذي يجد ملاذاته دائما بالكهنة ورجال الدين أو الزعامات القبلية والطائفية .

نأتي بعد ماسبق إلى الحلول التي تجد الأقلية نفسها أمامها باستمرار في ظل إشكاليتها الوجودية .

أولا : الاندماج التدريجي بالمحيط : وهو الحل الأكثر بساطة وفعالية وإنسانية حين يكون متاحا , وشرطه وجود محيط قادرعلى تقبل ذلك الاندماج لا يتصف بالتعصب والنظر للأقلية باعتبارها بؤرة سرطانية داخل جسم المجتمع أو مصدر تهديد داخلي ( طابور خامس ) ليس على صعيد السياسة فقط ولكن على صعيد الثقافة ونمط الحياة أيضا .

ثانيا : الاستعانة بقوى خارجية يفترض أن تكون قوى كبرى أو قريبة جغرافيا بحيث يمكن أن تحيد فائض القوة التي تتمتع بها الأكثرية .

ثالثا : تغيير القيم السياسية والفكرية السائدة إما بسحبها نحو قيم الأقلية وهو الاحتمال الأضعف أو لسحبها نحو منطقة أخرى خارج قيم أي من الأقلية والأكثرية على حد سواء وهو الاحتمال الأقوى . فيكفي أن تسحب الأكثرية خارج ثقافتها وقيمها التقليدية بحيث تفقد بالتدريج هويتها الأصلية وبالتالي يصبح الباب مفتوحا أمام الأقلية إما للاندماج بالمجتمع ضمن ثقافة وهوية جديدة وهو حل النخب على الغالب، أو كمقدمة لنزع سلاح الأكثرية الهوياتي تمهيدا لسيطرة الأقلية وهو الحل الأكثر تعصبا ورجعية.

رابعا: خلق سردية قومية – دينية بدل السردية الدينية أو توسيع السردية القومية أو الدينية من خلال تعظيم الفروق مع الأكثرية إلى حد التناقض وصعوبة التعايش ولابد لمثل ذلك الحل من عناصر داعمة خارجية ليصبح على شيء من الواقعية.

ولابد من تناول تلك الحلول بشيء من التفصيل لاحقا.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى