
كتبت صحيفة “إستيا” اليونانية، في 10 يوليو/ تموز الجاري: “ترامب انحنى أمام السلطان، وفتح الباب أمام مقاتلات أف ــ 35″، معتبرة أن الرئيس الأميركي لم يكتفِ بإظهار تقارب سياسي مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بل أغدق عليه بالمديح، ووصف تركيا بأنها “صديق أكثر ولاءً من دول أخرى كبرى”.
لم تأتِ الصحيفة على ذكر كلمة “سلطان” عن عبث، لما تشكّل من حالة “استفزازية” لدى الجانبين، الأوروبي واليوناني، وربما أبعد. فإستيا، واحدة من وسائل إعلام يونانية أثارت موجة من الغضب، عقب استقبال أنقرة رئيس وزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، في المجمع الرئاسي بالعاصمة، على أنغام مارش “جددين ديدن”، وهي معزوفة حماسية تابعة لفرقة “المهتر” العسكرية التاريخية الخاصة بالجيش العثماني. وتكمن دلالة الحدث في رمزية المعزوفة، فهي ترتبط بالإرث العسكري العثماني وتمجد تاريخه وانتصاراته. ومع التاريخ العدائي الممتد بين تركيا واليونان، تكتسب هذه الرموز معاني تتجاوز الجانب الفني والموسيقي. قد لا يتفاجأ المتابع مع هذا الاستقبال، ولا سيما أن العلاقة بين أنقرة وأثينا ليست على ما يرام، لا بل تشهد على تعقيدات كثيرة متداخلة بين الإرث التاريخي والديني والنزاع الجغرافي والاقتصادي، رغم أنهما أعضاء في حلف شمال الأطلسي.
رسائل العزف الموسيقية لا تقل تأكيداً عما نشره وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قبل القمة، على حسابه على منصة “إكس”، التي تظهر خلفه صورة أحمد جواد باشا، أحد ضباط الجيش العثماني الذين شاركوا في القتال على الجبهة الفلسطينية خلال سنوات الدولة العثمانية. فوجود هذه الصورة لا يعتبر تفصيلاً عابراً، بل يعدّ إشارة رمزية إلى استحضار شخصية عسكرية ارتبطت بتلك المرحلة من التاريخ، وتأكيداً لحضور الذاكرة التاريخية في المشهد التركي المعاصر، لكنّ السؤال هنا: هل فعلاً العودة إلى الجذور هدفت أنقرة منه توجيه رسائل إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أم لها خلفيات تموضع جديد في جبهة المحور الذي يدعو إلى تأديب إسرائيل؟
أدركت أوروبا أن إسرائيل لن تستطع الخروج من “الشرنقة” الطائفية التي حاكتها حكومة بنيامين نتنياهو
نجحت قمة الحلف الـ36 في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/ تموز الجاري، ليس في بيانها الختامي ذات البنود الروتينية، التي أدرك مضمونها المتابع قبل إعلانها، لكن في ما أرادت تركيا إيصاله إلى أعضاء الحلف، وبرز من خلال ما أوضحه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أن أردوغان قدّم لكل زعيم مسدساً منقوشاً عليه اسمُه مع علبة ذخيرة.
أراد الرئيس أردوغان من خلال هذه الهدية تأكيد تطور صناعة الأسلحة التركية، وأن شركات بلاده العسكرية باتت تتصدر طليعة الشركات العالمية، الأمر الذي يعزز مكانة تركيا عضواً لا يمكن تجاهله في حلف الناتو. فالرسالة من هدية أردوغان، تحمل جانباً آخر يرتكز على أن تركيا غيّرت صورتها النمطية اللاهثة وراء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فهذا أصبح وراءها. فتركيا الجديدة عصرنت ماضيها، ووسّعت في أمنها القومي إلى حدود دمشق وبيروت غامزةً من قناة الحلم الإسرائيلي. لهذا كانت الهدية مسدّساً مع ذخيرته لإطلاق رصاصة الرحمة على هذا الحلف، إن أخذ بعض أعضائه، تحديداً اليونان، التدخل لحماية إسرائيل، في حال نشوب أي حرب مستقبلية بين البلدين.
رسائل في اتجاهات مختلفة أوصلها أردوغان بذكاء لرسم الخطوط الحمراء أمام أطماع نتنياهو
قد يكون ما قاله ستارمر عن الهدية التركية فهمه أبرز المرشحين لخلافته، السياسي البريطاني أندي بورنهام، الذي ينظر إليه أحد أبرز المرشّحين لتولي منصب رئيس الوزراء، من تقديمه الاعتذار لحزب العمّال البريطاني من موقف بلاده وحزبه بشأن حرب الإبادة في غزّة. أدركت أوروبا أن إسرائيل لن تستطع الخروج من “الشرنقة” الطائفية التي حاكتها حكومة بنيامين نتنياهو، وهذا ما أدّى إلى إدخال جيشها في دوامة من الحروب التي لن تنتهي إلا بإقصاء نتنياهو عن السلطة.
اختلفت القراءة الإسرائيلية من رسائل أردوغان وتلك الاستقبالات التي مايز بها ضيوفه، فذهب إعلامها أبعد، ليضيء على خطر قومي لإسرائيل جديد قادم. كذلك تيقّن بعضهم في إسرائيل خطورة التماهي في السكوت عن جنون اليمين المتطرّف، الذي لا يكتفي بوضع الجيش الإسرائيلي في حالة استنزاف من حرب طويلة، وعلى جبهات مختلفة، لكن من ردة الفعل التي أدت إلى تشكيل “حلف المتناقضات” بين إيران وتركيا. لقد ذكرت صحيفة معاريف العبرية أن الرئيس أردوغان يريد إعادة تركيا إلى أيام الإمبراطورية العثمانية، وسينجح في هذا، لافتة إلى أن إسرائيل، بسبب الهيكل الائتلافي للحكومة وتطرّف بعض وزرائها دخلت في زاوية لا تدير فيها سياسة استراتيجية ولا تخلق تحالفات إقليمية.
رسائل في اتجاهات مختلفة أوصلها أردوغان بذكاء لرسم الخطوط الحمراء أمام أطماع نتنياهو، وكان من نتائجها أخذه وعداً ترامبيّاً بشراء بلاده مقاتلات من طراز أف ــ 35. فهل بدأ انحسار المدّ النتنياهوي من قمة أنقرة؟ أم أن المنطقة أمام حرب مقبلة سيكون عنوانها هذه المرّة استحضار مواقف السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض الخضوع للضغوط والإغراءات للمنظمة الصهيونية السماح لحركات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولكن هذه المرّة بهجرات عكسية؟
المصدر: العربي الجديد






