عن “التطبيع” المغربي مرّة أخرى

   عبد القادر الشاوي

لعلي تخيَّلْتُ أن سائلاً حاصرني بالسؤال المُربك قائلاً: “مَرَّ التطبيع الرسمي للمغرب مع إسرائيل برداً وسلاماً على المطبّعين، في وقت كان الكل يتوقع ردة فعل مجتمعي قوية، هل هناك أسباب خاصة تفسر هذا الأمر؟”، فكان جوابي أنني قلتُ له مباشرة ما يلي:

لأسباب كثيرة، لعل أهمها ثلاثة: التغنّي بعامل اليهود من أصول مغربية في إسرائيل، رغم الطابع الذّمي الذي ميّز وجودهم التاريخي. وقد استعمل معطى لإثبات الروابط التاريخية المفترضة بين فئة من سكان إسرائيل هاجروا وهُجِّرُوا إليها بعد الاستقلال (خصوصاً بعد التقسيم الأممي في فلسطين 1948)، والمغرب بصورة مطلقة (الدولة، الجغرافيا، الجنسية) لا بسكانه أو بفئات منهم على سبيل الإيضاح. ويرتبط هذا المعطى أيضاً بافتراض تاريخي آخر، رغم ضعفه، روّجه، من الناحية السياسية، بعض مفسري التاريخ الإسلامي حين اعتبروا اليهود عرقياً أبناء عمومة، للقول بالقرابة الدموية والجذور السامية المشتركة (العرب من نسل إسماعيل واليهود من نسل يعقوب). أضف إلى هذا ما أوحى به ونص عليه دستور 2011 حين جعل البعد العبري من أبعاد الهوية المغربية الخمسة.

الأهم طبيعة العلاقات التاريخية التي ربطها المغرب مع إسرائيل في أدق مراحل الصراع العربي الصهيوني (المصالحة، أو الوساطة في السلم، أو في الحرب) على مستويين هامين: السياسي والاقتصادي. ومعلوم أن المغرب استقبل منذ سنوات بعيدة، في إطار وساطة رشح لها نفسه خلال الأزمات والحروب، أكثر من زعيم صهيوني (ناحوم غولدمان، شمعون بيريز، ديفيد ليفي، بوحصيرة…). وعلى الصعيد الاقتصادي، لم يكن يخفى على من يهتم بالفلاحة مثلاً (وبقطاعات اقتصادية أخرى) التنسيق المشترك والزيارات المتبادلة والمواد النباتية والفلاحية التي كانت تصل إلى المغرب، واستفاد منها الفلاحون الكبار المالكون للأراضي الخصبة في أهم مناطق الفلاحية التصديرية، إلخ.

من الإذلال في التطبيع المغربي ما قد يدفع السلطة إلى إرغام قائد من قواد فصيل من الحركة الإسلاموية على التوقيع المشترك مع “الأعداء القوميين والدينيين” على “السلام

ويرتبط العامل الثاني بقضية الصحراء، من ناحية، وبالعداوة التاريخية بين المغرب والجزائر، تلك التي يعود تاريخها العلني المثير للاستفزاز إلى فترة ما سمّيت “حرب الرمال” في 1963، فضلاً أيضاً عن طبيعة الانتماء الإيديولوجي (أيام الحرب الباردة وما تلاها) الذي حوّل تلك العداوة من الجانبين إلى تهديد مباشر للسيادة الوطنية في أكثر من مرحلة. ويقال عن قضية الصحراء إنها، وأساساً بعد اعتراف ترامب بفائدة الحكم الذاتي، أجَّجَت مفهوم الصراع الإقليمي ــ القومي حين أضفت عليه الدولة الجزائرية (وقد عَدَّتْ نفسَها في ماضي التجربة العربية من “جبهة الصمود والتصدّي” عن بُعْد) طابع التعدّي اللفظي المباشر الذي انْحَطّ فيه السباب المتبادل، من بين أساليب أخرى، إلى الدرك الأسفل فلم يبقِ للجوار أيّ رباط أو رابط.

وسيكون من باب التجاهل ألا يُشار هنا إلى عامل آخر يتشخّص في انهيار صورة الفلسطيني المقاوم، وقبول ساسته بالحل المرفوض حسب كثيرين (داخل فلسطين وخارجها)، بالإضافة إلى الانقسام العمودي الذي حوّل القضية الفلسطينية إلى شبه صراع ديني (بين الفلسطينيين أنفسهم)، فكان من نتائج هذا أن تحوّل الاهتمام بها من “قضية وطنية” في الاعتقاد اليساري، إلى نوع من اللامبالاة الذي اتسم بالتجاهل منذ حَرَّضَ الملك الحسن الثاني شعبه بطريقة عدوانية ضد الثورة الفلسطينية، بل وضد الفلسطيني نفسه انتماءً وجنسيةً، بسبب الموقف الذي وقفه يسار المقاومة من قضية الصحراء، وكذا استقبال ياسر عرفات الأمين العام لجبهة بوليساريو ورئيس “الجمهورية الصحراوية” في العاصمة الجزائرية سنة 1987.

عملية التطبيع إذن تاريخية سياسية جرت في مراحل مختلفة، رغم أنها تحقّقت، في مرحلة لاحقة، عندما لم يعد للوجود الفلسطيني في “الشعور الوطني” أي حضور استثنائي. وظهر أن من الإذلال في هذا التطبيع ما قد يدفع السلطة إلى إرغام قائد من قواد فصيل من الحركة الإسلاموية (وهو الذي يعادي اليهود واليهودية دينياً أصلاً وفصلاً) على التوقيع المشترك مع “الأعداء القوميين والدينيين” على “السلام”، وهم الذين احتلوا وما زالوا أرض فلسطين بالقوة وشرّدوا سكانها بمختلف أشكال العنف والتقتيل.

ومع وجود حركة نخبوية تدين التطبيع وتعمل ضده في شروط غير مواتية، إلا أن “التجاهل الشعبي” العام سهّل، بصورة واضحة، ما كان يبدو، في المراحل السابقة، ولربما منذ 1948 يوم خرج بعض المغاربة ضد تقسيم فلسطين، غير ممكن في الشروط السياسية المناوئة إلا بخسائر معينة، علماً بأن الدولة المغربية، للحفاظ على الاستقرار وضمان شيء من الروابط القومية مع الحركات المناضلة في سبيل التحرير، كثيراً ما سعت إلى استرضاء “الوعي الشعبي” المحلي والعربي طمعاً في التهدئة وإظهار العطف والتعاطف. هذا ما يفسّر ارتباط السياسة المغربية المتّبعة في هذا المجال بموقفين متناقضين: دعم الدولة الفلسطينية القائمة في مطالبها العادلة المقرّرة أممياً، والسعي إلى جعل التطبيع مع الدولة الصهيونية خطّة لباقي أشكال التطبيع الأخرى الاقتصادية والسياسية والعسكرية من دون خوف ولا تردّد. مبرّر “المصلحة الوطنية العليا”، ولو كان وهمياً، ضروري في هذا.

التنظيم السياسي الموكول إلى الأحزاب السياسية والنقابات وللهيئات المدنية (المُضادّة للسلطة) داخل المجتمع ضَعِيفٌ، وعلى مستوى الفعل الاحتجاجي هزيل لا يفيد في التأطير والتعبئة

ولما لم يقتنع محاوري بهذا الجواب، بلور سؤالاً إضافياً سأل فيه: إلى ماذا يعود ضعف الرد الشعبي أو فتوره؟ فأجبته قائلاً: لا يمكن قياس ردود الفعل الشعبية دائماً بقوة التنظيم، أو بالوعي السياسي المرتبط بمرحلته، أو بالتحريض الذي يمكن أن يأخذ طبيعة معينة بحسب القوى التي تقف وراءه والأهداف التي قد تكون مرسومة له. وردود الفعل الشعبية (من حيث العدد المفترض لحشد الحشود) قَدْ تكونُ بِذَلِك مُجْتَمِعاً، وأحياناً، كما حصل في عدة هبّات اجتماعية في المغرب، بغير عامل خاص إلا عندما يكون الاحتقان بسبب الأزمة المجتمعية، وهو العنصر الجوهري في الشعور والاختيار المنظم، قد بلغ مدى يَعِدُ بالانفجار فيحدث فيها ما تحدثه النار في الهشيم.

ترتبط دواعي ردود الفعل الشعبية من المنظور الديمقراطي بثلاثة عوامل جاهزة: مستوى التطور الثقافي والفكري والسياسي داخل المجتمع. وبدرجة انخراط المواطن في الشأن العام، وطبيعة التنظيم السياسي الذي يؤطر فعله. وكذا من جراء الثقل المادي الذي يحدثه التطور الاقتصادي عندما تنعكس آثاره الاستغلالية على القدرة الشرائية، وعلى أسباب ضمان العيش الكريم لأوسع فئات المجتمع التي تعاني عادة من البطالة والتضخم والفقر.

أقول هذا لأن التنظيم السياسي الموكول إلى الأحزاب السياسية والنقابات وللهيئات المدنية (المُضادّة للسلطة) داخل المجتمع ضَعِيفٌ، وعلى مستوى الفعل الاحتجاجي هزيل لا يفيد في التأطير والتعبئة، ولا في صوغ الوعي السياسي، أو النقابي، في الصراع، أو في النضال، أو في المواجهة. أضف إلى ذلك أن مستوى الفعل الاحتجاجي دون مستوى الأزمة القائمة في المجتمع، فلا يفلح، لقصور سياسي في التحليل الملموس، في إدراك أبعاد تلك الأزمة ونتائج ما قد تنعكس به حدتها على الوعي المجتمعي من آثار سلبية.

عملية التطبيع تاريخية سياسية جرت في مراحل مختلفة، رغم أنها تحقّقت، لاحقاً، عندما لم يعد للوجود الفلسطيني في “الشعور الوطني” أي حضور استثنائي

على أنّ ما يجب الاهتمام به في هذا التحليل، هو السياسة العامة المتبعة من طرف النظام السياسي في مجالات مختلفة، ومنها مجال معالجة الأزمات المجتمعية في علاقة بالتطبيع أو بغيره. وأول مجالات تلك السياسة هو: الدعم الاقتصادي، على محدوديته، الذي توليه للأوضاع الاجتماعية القائمة. ثم المراقبة الاجتماعية والسياسية (القمع) الضامنة للحد من الفعل الاحتجاجي حفاظاً على الاستقرار والسلم الاجتماعي. إلى جانب الاهتمام بالمجال الديني (الأمن الديني) الذي يفيد كثيراً في تأطير الفعل الاجتماعي المحتمل، وفي غالب الأحيان بكثير من الفعالية (من خلال المساجد والإعلام الديني والزوايا…)، هذا فضلاً عن التّرْغيب الدائم المرتبط في وعي القائمين عليه بمقارناتٍ كثيرة يقومون بها للإيحاء بالتميز، أو بالاختلاف، أو بالعزة القومية، إلخ. فالدعوة (والإلحاح على السلم المجتمعي) مثلاً ليست إلا سياسة لتدبير الأزمات باستخدام وسائل الترغيب كافة التي غالباً ما تفلح في الإقناع بصواب تلك السياسة. ومن المفهوم أن المواطنين يخضعون في ذلك لكثير من أشكال المعالجة manipulation التي يكون القصد من القيام بها وحبك وسائلها، من طريق الإعلام أو غيره من الوسائط والشبكات، تحقيق غاية معينة تمليها الظرفية، أو هي مسنونة في الاختيار السياسي العام.

ويبدو لي أن أغلبية المواطنين المغاربة، في الوقت الحالي، يقفون بإزاء هذا كله موقفاً قدرياً طابعه التسليم بالأمر الواقع (في مقابل الهياج الذي تثيره فيهم كرة القدم على سبيل المثال)، ولعل أهل الإيمان يندمجون فيه وفي خطاباته وشعاراته المُنَافِحَة عن أهمية الحياد، أو التخلي، أو واجب الاستسلام الطوعي الذي فحواه العَقَدِي نصّاً، ودون تبعيض (ادخلوا في السلم كافّةً ولا تتَّبِعُوا خطوات الشيطان، إنه لكم عَدُوّ مبين.. البقرة).

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى