
حرية التعبير في المجتمعات الخارجة من أزمات وصراعات مختلفة الأسباب، تكتسب أهمية خاصة، من حيث ضرورة حماية الحق في التعبير، وفي حرية الإعلام، وبما يتصل بذلك من حريات أساسية، كحق التجمع، والتنظيم السياسي، والعمل المدني، وفقاً لما نصت عليه المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان وحرياته، والدساتير الوطنية، ومن في حكمها مثل “الإعلان الدستوري”.
في الحالة السورية، يمكن أن تسهم حرية التعبير، في عملية النهوض بالمجتمع للتخلص من آثار الدمار النفسي والمادي، وفي معالجة الآثار الكارثية للسلطة الاسدية البائدة، بمعنى أدق الإسهام الجذرية في إعادة بناء المجتمع، على نحو يمكّن الجميع – دون استثناء، مؤسسات وأفراد – من ممارسة جميع الحقوق، بما يضمن – إضافة لما سبق -الحق في مراقبة المجتمع لأداء السلطة، دون أي عوائق، كالتهديد، أو التضليل.
من المهم القول إن ممارسة حق التعبير، يسهم بصورة فعّالة، في بناء ومعالجة القضايا المتصلة بالعدالة الانتقالية، وفي السلم الأهلي، مثلما يمنح الفرصة لمناقشة جميع القضايا المحلية والوطنية، وإشراك أوسع الفئات، في تلك المناقشات.
لذلك، لا تعدّ حرية التعبير، ترفاً أو مسالة ثانوية، يمكن النظر فيها لاحقاً. إنها مسألة جوهرية، بالغة الحساسية، آخذين في الاعتبار الحالة السورية في منعطفاتها الكبرى: الثورة السورية ومسبباتها، حرب النظام الأسدي، وسقوطه، والمرحلة الانتقالية القائمة اليوم.
السلطة الانتقالية والرأي الآخر
تواجه حرية التعبير تحديات أساسية، تتجلى في محاولات الحدّ منها، والتضييق على ممارستها، سواء عبر التعبير عن الرأي، أو عبر وسائل الإعلام المختلفة. وإذا كانت الإباحة الأصل في كل الأشياء، وما حُرّم أمرٌ إلا بنص، فإن سعي السلطة الانتقالية، لإعاقة ممارسة الحق في التعبير، يبدو متضمناً فيما تنتهجه من سياسات تتسم بالانتقائية في مقاربة الملفات وفي ازدواجية النظر، والتعامل مع الأفكار والمبادرات، وفقاً لقربها من السلطة الجديدة، ومدى انسجامها أو تعبيرها عن مواقفها وسياساتها الداخلية والخارجية.
أولى تلك التحديات، هي غياب آليات حماية حرية التعبير: فعلى الرغم من إطلاق مدونة السلوك لقطاع الإعلام، ولاحقاً التعليمات المتصلة بمحظورات النشر، فإن الانتهاكات لتلك البنود، تصدر من جهات / أو موظفين كبار، في السلطات التي تتبناها. وهو ما يُعد تجاوزاً للحقوق، والصلاحيات، مثلما هو تجاوز للقواعد الدولية لحماية وممارسة الحقوق والحريات.
لا يمكن للسلطة الجديدة، بعد قرابة عامين على توليها إدارة البلاد، أن تعمل على تكريس السماح بالنيل من حق التعبير، في الوقت الذي يتوجب فيه أن تعمل ما في وسعها لحماية الحريات من أي انتهاك، خاصة في غياب ثلاثة قوانين: العدالة الانتقالية، والعزل السياسي، وتجريم الأسدية.
إن خطاب السلطة متماهٍ بصورة أو بأخرى مع الدعوة إلى حجب حق التعبير، الذي يصدر عن أفراد ( كتّاب، وإعلامين) أو مؤسسات إعلامية وحقوقية مختلفة. لسبب واحد، هو أنها توّجه انتقاداً لسلوك السلطة السورية الجديدة: سياساتها ومواقفها. إن استخدام تعبير ” السلطة ” و” السلطة المؤقتة” كافٍ بتجريم الفرد/ المؤسسة التي يصدر عنها، وبثّ التحريض ضده/ا.
يعني ذلك، الاستفراد بالفضاء العام، عبر مصادرة الرأي الآخر، وعبر حجبه. تمتلك الدولة، وسائل الإعلام الموجهة والتي تعبر عنها، وتنقل أفكارها وقيمها وسياساتها، وتعتبر نفسها المتحدث الوحيد عن السوريين. في الوقت الذي لا تريد لأي منصة أن تقوم بعملها الطبيعي انطلاقاً من الحق في التعبير، وتستبعد وفقاً لذلك أي أصوات مختلفة في الرأي ومتعارضة مع سردية السلطة الجديدة. في ذلك مصادرة لحقوق (الآخرين)، في “المنصات الحكومية” التي هي منصات للجميع، وليست للسلطة التي تتولى إدارة البلاد وحدها. هذه الرؤية مغيبة تماماً، لذلك هناك محاولة لحصر حرية التعبير في “المثلث الغائم”.
التضليل والتمويه
سوريا بلد متعدد ومتنوع، ومن الطبيعي، أن تكون مواقف السوريين وآراؤهم مختلفة ومتباينة، ومن المهم حماية حقوق الجميع بالتعبير الحرّ، وأن تسنّ السلطة قوانين تحمي تلك الحقوق من أي تعديات، وأن يكون القانون والقضاء، المرجعية لذلك، وتعمد السلطات المعنية إلى “وضع المحظورات” كأولوية، في مواجهة الحقوق. هنا يبرز عمق الاختلاف في الرؤية والأداء.
يرتبط ذلك بتوالد أحكام مسبقة، تقوم على التجريم، وعلى استخدام وسائل وأساليب مضللة، من شأنها التموية على السياسات الغامضة، التي تنتهجها السلطة السورية المؤقتة، في كثير من الملفات الملّحة، والمتصلة بحياة الناس، بصورة مباشرة. والهدف من ذلك هو بالدرجة الأولى منع تداول الأسباب الحقيقية، التي تقود إلى ظهور اتجاهات متعارضة مع رأي السلطة وسياساتها الداخلية، وبالتالي حرمان الشعب من التعبير عن وجهات النظر حيال ما تقوم به، في المجتمعات المحلية بصورة خاصة. لا تعتمد السلطة الجديدة على مسألة الحرمان فحسب، بل إنها تعمل على منع ” ممارسة الحقوق” وربط ذلك بتصويرها على أنها خروج على الدولة، وعلى الإجماع حولها. بينما هي في الحقيقة الحيلولة دون تكوين رأي عام في المجتمع السوري، لا تقبل به السلطة.
بناء الثقة
المرحلة الانتقالية للسلطة الجديدة في سوريا، ليست مرحلة طبيعية، وإنما هي مرحلة شاقة وصعبة، مجبولة بالتحديات السياسية والاجتماعية والقانونية والأمنية، وهي مزيج من كل ذلك. لسنا بصدد الحديث عن التحديات الخارجية، لكن السلطة الجديدة استطاعت تحقيق نجاحات ملموسة وبالغة الأهمية في زمن قصير ومحدود نسبياً. لكن هذا النجاح يجب توظيفه في إدارة الملفات الوطنية، وهو ما يساعد حقيقة – بالفعل – في إنجاز التسويات التي لا بد منها، في سوريا، البلد المنهك، الذي يحتاج إلى إعادة بناء في كل شيء.
يتطلع السوريون إلى الوضوح والشفافية، في السياسات العامة، وهو ما يمنحها الثقة النسبية لغالبية المجتمع، وبذلك فإن مواصلة برامجها وسياساتها، دون ثقة المجتمع، لا يمكن تذليل الصعاب.
حرية التعبير، العمود الجوهري لبناء الثقة، ومن خلالها تجري المناقشات الأكثر ضرورة، وعبر ممارستها يتجذر الحوار، بين الجميع، على قاعدة المساواة والمواطنة، والعدالة. ولايمكن تصويب السياسات، وأداء السلطات المحلية، دون وجود رقابة مجتمعية، ودون توفر أبسط قواعد ممارسة الحقوق والحريات. وإن سياسات التحريض، والمنع والاستثناء، لن تجلب سوى مزيد من الاختلاف، في مختلف القضايا الوطنية، والمحلية، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى تقريب وجهات النظر، وصولاً الى التوافق.
إذا كانت السلطة الانتقالية تريد الوصول بسوريا، إلى برّ الأمان، ينبغي لها الالتزام بقواعد القانون الدولي، وأن تضع التفسيرات المنسجمة مع روحها، لأن قواعدها هي خلاصة لتجارب المجتمع الدولي، لما يزيد عن 75 عاماً.
سوريا بلد رهن التغيرات والتطورات، وهي تحت المجهر، ليس حسناً أن يغيب ذلك عن صانعي القرار، ولذلك فإن حرية التعبير تشكل معياراً اساسياً مهماً في مراقبة تجربة الانتقال نحو الاستقرار الآمن. إنه الوقت المناسب كي تظهر السلطة قدرتها على حماية الحقوق والحريات، دون انحياز، أو تحامل، أو تحريض على المختلف معها. وإذا كان استيعاب التحولات، والاختلاف في الافكار والبرامج العامة مهم، فإن السلطة السورية الجديدة، معنية بالعمل على كسب ثقة الداخل، قبل الخارج.
المصدر: تلفزيون سوريا






