مجتمع الثورة السورية بعد التحرير.. هل تراجعت المطالب إلى حدود الوظيفة؟

    خالد الخطيب

بعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام المخلوع، تبدو الأولويات داخل المجتمع السوري وقد شهدت تحولاً لافتاً، فبعد سنوات طويلة كان فيها إسقاط النظام والحرية والكرامة والعدالة شعارات تتصدر المشهد، باتت الوظيفة وفرصة العمل وتحسين الواقع المعيشي والخدمات العامة تتقدم قائمة المطالب اليومية لدى شرائح واسعة من السوريين، ولا سيما أولئك الذين عاشوا سنوات الثورة والنزوح في المناطق المحررة.

وهذا التحول يطرح تساؤلات تتجاوز الجانب الاقتصادي، حول ما إذا كانت الثورة السورية قد دخلت مرحلة جديدة فرضتها ظروف ما بعد التحرير، أم أن المطالب الكبرى التي خرج السوريون من أجلها تراجعت فعلاً أمام ضغوط الحياة اليومية، في ظل تحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستمرار الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتأخر مسارات الإصلاح السياسي والعدالة الانتقالية.

بين ضرورات المعيشة وأهداف الثورة

يرى رئيس مجلس مدينة حلب السابق، بريتا حاجي حسن، أن اختزال مطالب السوريين في الحصول على وظيفة يمثل مؤشراً مقلقاً على طبيعة النقاش الدائر اليوم حول مستقبل البلاد، معتبراً أن هذا التحول في الخطاب العام لا يمكن فصله عن سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من إنهاك اجتماعي واقتصادي واسع.

ويؤكد حاجي حسن، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن العمل حق أساسي لكل مواطن وواجب على الدولة توفيره ضمن بيئة عادلة وشفافة، إلا أنه يشدد في الوقت نفسه على أن الثورة السورية لم تخض من أجل الوظائف وحدها، بل انطلقت في جوهرها من مطلب تأسيس دولة تقوم على الحرية والكرامة والعدالة وسيادة القانون، أي على إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة تتجاوز فكرة “التوظيف” بوصفها الحل المركزي لمعضلات المجتمع.

ويضيف أن الإشكال لا يرتبط فقط بالأشخاص الذين يتولون مواقع المسؤولية، بل يمتد إلى بنية ثقافية بدأت تتشكل تدريجياً داخل المجتمع، وتمنح القوة والمال والنفوذ مكانة متقدمة على حساب الكفاءة والخبرة والنزاهة، ويرى أن معيار الاستحقاق في كثير من الحالات لم يعد مرتبطاً بالقدرة المهنية أو التاريخ النظيف في العمل العام، بل بات أقرب إلى مزيج من العلاقات الشخصية والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار أو فرض الذات داخلها.

ويعتبر حاجي حسن أن الثورة السورية تعرضت خلال السنوات الماضية إلى نوع من الاختزال في الوعي العام، حتى بات ينظر إليها في بعض الخطابات وكأنها ثورة حمل السلاح فقط، في حين جرى تهميش الدور الواسع الذي لعبه الفاعلون المدنيون في مراحلها الأولى، ويشير في هذا السياق إلى آلاف الناشطين الذين قادوا الحراك السلمي، إضافة إلى أعضاء التنسيقيات والمجالس المحلية والعاملين في المنظمات الإنسانية والإعلاميين والمسعفين والإغاثيين، الذين شكلوا في نظره العمود الفقري للمجتمع خلال أكثر الفترات قسوة وانهياراً.

وفي السياق ذاته، يحذر من أن معيار القوة لم يعد محصوراً في البعد العسكري، بل توسع ليشمل أيضاً النفوذ الاقتصادي وأصحاب المال وبعض شبكات المصالح وأمراء الحرب، فضلاً عن شخصيات متعددة استطاعت أن تفرض حضورها داخل المشهد العام بغض النظر عن طبيعة دورها خلال سنوات الثورة، ويطرح تساؤلاً لافتاً حول هذا التحول: إذا أصبحت القوة والمال والنفوذ معيار المشاركة في بناء الدولة، فما الذي يميز الدولة الجديدة عن تلك التي ثار السوريون ضدها؟

كما يشدد على أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على ثقافة التصفيق أو إسكات الأصوات الناقدة، بل يحتاج إلى مساحة فعلية لمعارضة وطنية مسؤولة، تمارس دور الرقابة والمساءلة، وتسهم في حماية المجال العام من الانغلاق أو التحول إلى خطاب أحادي، ويرى أن الدولة لا تبنى في بيئة يغيب فيها النقد البناء، بل في بيئة تسمح بتعدد الآراء وتداولها ضمن إطار مؤسسي واضح.

ويشير حاجي حسن إلى أن السوريين ربما قبلوا في المراحل الأولى بعد التحرير ببعض الإجراءات الاستثنائية، باعتبارها ضرورة فرضتها اعتبارات أمنية وإدارية ملحّة، إلا أنه يعتبر أن استمرار هذه الحالة بعد مرور أكثر من عام ونصف لم يعد مبرراً، خصوصاً في ظل غياب خطوات واضحة باتجاه ترسيخ مؤسسات مستقرة وشفافة.

ويضيف أن ما يفاقم المشهد اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي، حيث تطرح وعود واسعة وإعلانات متكررة حول الإصلاح والبناء، في حين يلمس المواطن على الأرض تقدماً محدوداً وبطيئاً، وهو ما ينعكس على مستوى الثقة العامة ويغذي حالة من الإحباط، ويرى أن استمرار ظواهر التسويف و”الوعود المؤجلة” واستخدام الشماعات الجاهزة لتبرير البطء في الإصلاح، بات أمراً غير مقبول في وعي شريحة واسعة من السوريين، الذين باتوا يقيسون النتائج بشكل مباشر بعيداً عن الخطابات السياسية.

ويلفت إلى أن وجود سلطات أمر واقع متعددة، وتداخل نفوذ قوى اقتصادية وشبكات مصالح وأثرياء الحرب في مفاصل الحياة العامة، أدى إلى تعقيد عملية بناء الدولة، وإضعاف قدرة المؤسسات الناشئة على فرض معايير موحدة للعدالة وتكافؤ الفرص. ويرى أن معالجة هذا الواقع تتطلب إرادة سياسية واضحة، وإصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، وإعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة بوصفه الأساس في أي عملية بناء للدولة، لا النفوذ أو الولاء أو القدرة على فرض الأمر الواقع.

مخالفات ونقص عمال عتالة.. تحديات تواجه موسم تسويق القمح في الرقة – تلفزيون سوريا

الوظيفة أولوية؟

تعكس أحاديث كثير من السوريين واقعاً مختلفاً، فرضته سنوات النزوح والفقر وتراجع فرص العمل، حيث أصبحت الوظيفة بالنسبة لآلاف الأسر بوابة الاستقرار الأولى بعد سنوات طويلة من المعاناة، علاء السلطان، وهو شاب من ريف إدلب الشرقي يقيم منذ سنوات في مناطق النزوح، يقول لموقع تلفزيون سوريا إنه حاول مراراً الحصول على وظيفة ضمن وزارة العدل، وقدم طلبه عبر الاستبيانات المخصصة لذلك، إلا أنه لم يتلق أي رد.

ويضيف أنه راجع الجهات المعنية وتواصل مع عدد من الأشخاص، حتى إن أحدهم أخبره بأنه تحدث مع مدير مكتب وزير العدل، لكن اسمه لم يصل، رغم إتمام جميع الإجراءات المطلوبة، معرباً عن اعتقاده بأن الوعود التي تلقاها لم تكن سوى محاولة لإنهاء مطالبته بالمتابعة.

ويشير السلطان إلى أنه حاول أيضاً التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إلى أي جهة يمكنها مساعدته، مؤكداً أنه، كغيره من آلاف الشبان الذين عاشوا سنوات الثورة في المخيمات، لم يشارك في الحراك طمعاً بمنصب أو مكسب شخصي، وإنما بدافع الإيمان بقضية السوريين.

ويقول: “كل ما فعلناه في الثورة كان لله، وما زلنا حتى اليوم نعيش في المخيمات، لكننا نحتاج إلى فرصة عمل نعيش منها بكرامة”، ولا تبدو هذه الشهادة حالة فردية، إذ تتكرر قصص مشابهة في محافظتي إدلب وحلب ومحافظات سورية أخرى، حيث يتحدث كثير من الشبان عن صعوبة الوصول إلى الوظائف الحكومية، وشعورهم بأن العلاقات الشخصية والوساطات ما تزال تلعب دوراً مؤثراً في بعض التعيينات، وهو ما يعيد إلى الأذهان مطالب قديمة رفعتها الثورة تتعلق بتكافؤ الفرص وبناء مؤسسات قائمة على الكفاءة.

وفي ريف حلب، يقول الناشط المدني محمود فروح، الذي عاد إلى مدينته بعد سنوات من النزوح، إن غالبية النقاشات بين الشباب لم تعد تدور حول السياسة بقدر ما تتركز على فرص العمل وتحسين الدخل وتأمين السكن والخدمات، ويضيف أن الناس لم تتخل عن مطالب الحرية والعدالة، لكنها أصبحت ترى أن القدرة على تأمين لقمة العيش تمثل أولوية لا يمكن تجاوزها بعد سنوات طويلة من الثورة.

يضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، هناك الكثير من الأسر استنزفت مدخراتها بالكامل خلال سنوات النزوح، ولذلك فإن الحصول على وظيفة مستقرة أصبح بالنسبة إليها بداية استعادة الحياة الطبيعية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على توفير الوظائف، بل يتطلب أيضاً ترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد.

من الحقول إلى الأمن الغذائي.. كيف تستعيد سوريا إنتاجها المحلي؟ – تلفزيون سوريا

إعادة ترتيب الأولويات بعد التحرير

يقدم الباحث محمد السكري قراءة مختلفة لهذا التحول، إذ يرى أن السوريين الذين عاشوا في المناطق المحررة سابقاً أصبحوا أكثر ميلاً إلى التركيز على القضايا الاقتصادية مقارنة بالملفات السياسية، لأن العامل الأساسي الذي كان يدفعهم إلى الاهتمام بالشأن السياسي، وهو وجود النظام المخلوع، قد زال بالفعل.

ويقول السكري إن اتساع هامش الحريات العامة مقارنة بالمرحلة السابقة منح السوريين قدراً من الاطمئنان، ما دفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم باتجاه البحث عن الوظائف وتحسين مستوى الخدمات وإعادة بناء حياتهم الاقتصادية.

ويضيف أن الخطاب الحكومي نفسه ساهم في تعزيز هذا التوجه، من خلال التركيز على إعادة بناء المؤسسات وتوفير فرص العمل، مشيراً إلى وجود اختلاف واضح بين السوريين الذين عاشوا سابقاً في مناطق سيطرة النظام المخلوع، وأولئك الذين عاشوا في المناطق المحررة، حيث تحملت الفئة الثانية أعباء اقتصادية قاسية استمرت قرابة خمسة عشر عاماً، الأمر الذي جعل الملف الاقتصادي يحتل موقعاً متقدماً في اهتماماتها.

ويرى السكري أن سقوط النظام المخلوع خلف فراغاً مؤسسياً كبيراً، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التوجه نحو مؤسسات الدولة الجديدة باعتبارها إحدى أدوات إعادة بناء البلاد، فضلاً عن كون الوظيفة تمثل مصدراً للدخل يساعد الأسر على التعافي بعد سنوات من النزوح والفقر.

ويشير إلى أن المطالب المتعلقة بالحرية لم تختف، لكنها لم تعد تتصدر المشهد الشعبي بالشكل ذاته، إذ ظهرت خلال الأشهر الماضية احتجاجات تطالب بتحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، في حين خرجت شرائح أخرى في تظاهرات تطالب بتطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ما يدل على استمرار حضور المطالب السياسية والحقوقية، وإن بدرجات متفاوتة بين فئات المجتمع.

الاقتصاد لا يغني عن الإصلاح السياسي

برغم تصدر الملف الاقتصادي، يحذر مراقبون من أن نجاح مرحلة ما بعد التحرير لا يمكن أن يقوم على تحسين المؤشرات الاقتصادية وحدها، من دون استكمال مسار الإصلاح السياسي والمؤسسي الذي خرج السوريون للمطالبة به منذ عام 2011.

ويؤكد السكري أن الفصل بين الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات السياسية أمر غير ممكن، لأن بناء اقتصاد مستدام يتطلب مؤسسات قوية، وقوانين عادلة، وإدارة كفؤة، ومجالاً عاماً يسمح بالمساءلة والرقابة والمشاركة الشعبية، ويشدد على أن الإصلاح المؤسسي لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب الإدارية، بل يجب أن يمتد إلى الإصلاح الدستوري، وتعزيز دور السلطة التشريعية، وتطوير القوانين، وتوسيع الحريات العامة والفردية، إلى جانب تمكين النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من أداء دورها في الحياة العامة.

ويقول إن خصوصية التجربة السورية تجعل من الصعب اختزال الثورة في مشروع تنموي أو اقتصادي فقط، لأن السوريين لم يطالبوا بإصلاح الإدارة فحسب، وإنما سعوا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة والحقوق وسيادة القانون، وهي أهداف لا تزال تشكل جزءاً أساسياً من تطلعات قطاعات واسعة من السوريين.

ويرى السكري أن التحول نحو المطالب الاقتصادية لا يعني تراجع الوعي السياسي، بل يعكس انتقال المجتمع من مرحلة الصراع الوجودي إلى مرحلة البحث عن الاستقرار، ويضيف أن المواطن الذي يطالب بوظيفة اليوم لا يتخلى بالضرورة عن مطالبه بالحرية والعدالة، وإنما يسعى إلى تثبيت حياته أولاً بعد سنوات طويلة من النزوح والخسائر.

ويضيف أن نجاح الدولة في توفير فرص العمل ومحاربة المحسوبيات سيكون عاملاً أساسياً في استعادة ثقة المواطنين، لأن العدالة لا تتجسد فقط في المحاكم، بل أيضاً في تكافؤ الفرص وإتاحة الوظائف على أساس الكفاءة بعيداً عن النفوذ والعلاقات الشخصية.

تكشف التحولات التي يشهدها المجتمع السوري بعد التحرير عن مرحلة جديدة تختلف في أولوياتها عن سنوات الثورة الأولى، لكنها لا تنفصل عنها، فالمطالبة بالوظيفة والخدمات وتحسين مستوى المعيشة لا تعني بالضرورة التخلي عن قيم الحرية والكرامة والعدالة التي شكلت جوهر الحراك الشعبي، بقدر ما تعكس محاولة لاستعادة الحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب التي شنها النظام المخلوع وما خلفته من تهجير وافقار وانهيار اقتصادي.

يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة السورية الجديدة في المرحلة المقبلة هو الموازنة بين الاستجابة للمطالب المعيشية الملحة، واستكمال مشروع الإصلاح السياسي والمؤسسي، بما يضمن بناء دولة تقوم على الكفاءة وسيادة القانون والمشاركة، لا على النفوذ والولاءات، فنجاح تجربة ما بعد التحرير لن يقاس بعدد الوظائف التي توفرها المؤسسات فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق المبادئ التي خرج السوريون من أجلها في ثورتهم العظيمة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى