
تتزامن زيارة نواف سلام إلى تركيا مع نهاية قمة الناتو التي عقدت في أنقرة بين 7 و8 الجاري. ومع الفارق الشاسع بين أهمية الحدثين، إلا أنهما يشيران إلى الموقع الذي أصبحت تحتله تركيا الآن في خريطة أمن المنطقة وأوروبا. وبعد الزيارات العديدة التي قام بها المسؤولون اللبنانيون إلى الدول العربية والغرب، أصبحت زيارة أحدهم إلى تركيا أمراً متوقعاً في هذه اللحظة المعقدة من تاريخ لبنان، العالق بين الاحتلالين الإسرائيلي والإيراني. فتركيا التي تجابه مخططات التوسع الإسرائيلي في المنطقة، تملك علاقات متوازنة مع النظام الإيراني لا تمنعها من مجابهة مخططاته التوسعية أيضاً في المنطقة. كما أنها لعبت دوراً مميزاً في إسقاط النظام السوري السابق، أحد أسوأ أعداء سيادة لبنان واستقلاله، وتحتفظ بدور بالغ الأهمية في تطور الحكم الجديد في سوريا وتوفير متطلبات استقراره الذي عنى الكثير بالنسبة للبنان.
كان حضور ترامب حدثاً بارزاً في قمة أنقرة التي تمحورت حول “استرضاء الأب” ترامب، كما وصف نتائجها بعض الإعلام الأوروبي. ولأعضاء الحلف ما يبرر مساعيهم خلال القمة لنيل رضا ترامب والحفاظ على مزاجه الجيد، وهو الذي كان يعلن عن تردده في حضور القمة. وفي الدقائق الأولى من انطلاق أعمال القمة، تحدث ترامب عن حاجة الولايات المتحدة لجزيرة غرينلاند الضرورية لأمنها، حسب Politico.
ومع ذلك، انتهت القمة إلى ما نال رضا جميع أعضاء الناتو، وتراجع مخاوفهم على مصير عضوية الولايات المتحدة. وصرح ترامب أن مكان عقد القمة في تركيا، قد حسم تردده في الحضور. ونقلت عنه صحيفة MK الروسية المخضرمة تصريحه بأن مكان عقد القمة وعلاقته الشخصية بالرئيس التركي لعب الدور الحاسم في اتخاذ قرار الحضور. وخلال اجتماعه بالرئيس التركي اعترف ترامب بـ”خيبة أمله الشديدة” من حلف الناتو, وأنه لما كان ليحضر لو كانت عقدت القمة في مكان آخر. وشدد الرئيس الأميركي على أنه يعتبر أردوغان “زعيمًا قويًا للغاية” و”شخصية قوية جداً”، وقال إن استضافة تركيا للقمة كانت أحد العوامل التي أثرت في قراره المشاركة فيها.
مشاركة ترامب في قمة الناتو تتمتع بأهمية بالغة بالنسبة لأوروبا والحلف على حد سواء. فالطرفان لم يسمعا من ترامب في رئاستيه الأولى والثانية سوى النقد والتهديد بالخروج من الحلف وترك أوروبا تتدبر بنفسها أمور أمنها، خصوصاً في المجابهة المحتدمة مع روسيا عبر أوكرانيا. كما أن ترامب، وعلى خلفية المجابهة المتواصلة مع إيران، لم يشارك في قمة الناتو فقط لأنها عقدت في تركيا، بلد “الزعيم القوي للغاية”. وعلى الرغم من أنه ذكر المجتمعين بانتقاداته ومطالبه التوسعية على حساب الأراضي الأوروبية القطبية، إلا أن حاجته إلى أوروبا والناتو هي التي ساقته إلى أنقرة. وفي القمة أعلن ترامب أنه في سياق اتخاذ قرار بإعادة تركيا إلى برنامج المقاتلات الاميركية F-35 ومحركات النماذج الأخرى من الطائرات العسكرية.
وكان ترامب نفسه قد استبعد تركيا عن برنامج المقاتلات المذكورة في العام 2019 خلال رئاسته الأولى. وكان قراره حينها بمثابة عقاب على حيازة تركيا منظومات الدفاع الجوي الروسية S-400، واستصدر من الكونغرس قراراً يثبت ذلك قانونياً. ويقف قرار الكونغرس هذا عائقاً دون تسليم تركيا 6 طائرات F-35 التي كانت قد دفعت ثمنها في ذلك الحين.
شهدت تركيا منذ ذلك الحين تطوراً كبيراً في صناعاتها العسكرية. وتطمح الآن إلى استعادة دورها الذي كانت تلعبه في زمن الحرب الباردة: الجناح الجنوبي لحلف الأطلسي في المجابهة مع الاتحاد السوفياتي السابق. ومع أن أوروبا وحلف الناتو يعتبرون روسيا الخطر الأبرز على أمن دول الحلف، قد لا تكون تركيا راغبة في المواجهة مع روسيا، بل تقيم معها علاقات تجارية مزدهرة وتحافظ على علاقات سياسية متوازنة تسمح لها بلعب دور الوسيط في الحرب الاوكرانية. لكن الدور المحوري الذي تلعبه في نزاعات المنطقة وشمال إفريقيا والصراع على شرقي البحر المتوسط وثرواته، يدفعها إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير صناعاتها الحربية، مما يجعلها القوة العسكرية الثانية بعد الولايات المتحدة في حلف الناتو. وفي وضعها هذا تصبح تركيا حاجة للولايات المتحدة، التي تضطر الآن للبحث عن مخرج قانوني من قرار الكونغرس سحب تركيا من برنامج الطائرات الأميركية. والعقبة القانونية الرئيسة تتمثل في تخلص تركيا من منظومة الصواريخ الروسية S-400عن طريق بيعها لطرف ثالث تبحث عنه الولايات المتحدة نفسها، وقد يكون كوريا الجنوبية.
الطبعة التركية من صحيفة MK الروسية المذكورة نقلت في 9 الجاري عن الصحيفة التركية Hürriyet إشارتها إلى اتفاق تركي–أميركي على “صيغة” تعيد أنقرة إلى برنامج “F-35” ووفقاً للصحيفة التركية فقد تم التوصل إلى صيغةٍ توافقية تزيل العقبة الرئيسة أمام عودة أنقرة إلى برنامج مقاتلات الجيل الخامس هذه. وبموجب هذه “الصيغة”، لن تقوم تركيا بنشر منظومات «إS-400» على أراضيها، على أن تعيد بيعها بدلًا من ذلك. وتفترض الصحيفة أن المشتري المحتمل للمنظومة الروسية قد يكون أحد دول الخليج، بينما ترشح مواقع أخرى كوريا الجنوبية.
تشير الصحيفة إلى أن صيغة التسوية هذه لا تواجه باعتراض من قبل موسكو أو واشنطن. لكن تطبيق هذه الصيغة لا يعني، وفق الصحيفة، عودة أنقرة تلقائيًا أو بشكل فوري إلى كونسورتيوم برنامج “F-35”. إلا أنه يرفع العقبة القانونية الأساسية، وهي العقوبات المفروضة بموجب قانون «كاتسا» (CAATSA)، الأمر الذي يفتح الباب أمام استئناف مفاوضات جادة بشأن شراء المقاتلات.
في ظل التقدم المرتقب، تعيد وزارة الدفاع التركية تقييم استراتيجيتها لتحديث أسطولها الحالي من الطائرات العسكرية. وفي الوقت الراهن، جرى تجميد مشروع التحديث المحلي للمقاتلات العاملة من طراز “F-16” بسبب تكلفته المرتفعة. وعلى خلفية تصريحات دونالد ترامب تترقب أنقرة حاليًا موافقة واشنطن على تزويدها بـ40 مقاتلة “F-16” جاهزة، فضلًا عن 80 محركًا للطائرات. ومن المنتظر أن يوجَّه جزء من المحركات الأمريكية المطلوبة لدعم مشروع المقاتلة التركية «KAAN».
هذه النتيجة الكبيرة المنتظرة من التقارب الأميركي التركي المتجدد، وكما هو متوقع، يثير قلقاً جدياً لدى إسرائيل التي تكرر منذ سقوط الأسد أن تركيا أصبحت على حدودها مع سوريا.
فقد نقل موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية في 8 الجاري عن الموقع الإسرائيلي الآخر walla نصاً بعنوان “الولايات المتحدة تبعث برسالة واضحة إلى نتنياهو: لقد تغيّر الموقف”.
يستهل الكاتب الإسرائيلي إيدان كفيلر نصه في موقع walla بالإشارة إلى أن ترامب عقد في أنقرة لقاءً وديًا مع أردوغان، وألمح إلى أنه يدرس إمكانية بيع تركيا مقاتلات F-35 ورفع العقوبات المفروضة عليها. وبعد ساعات قليلة، أعلن نتنياهو أنه أبلغ الرئيس الأميركي بأن مثل هذه الخطوة تمثل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل.
يقارن الكاتب بين موقف ترامب المفترض أنه تغير من إسرائيل، وموقف مرشح يهودي محتمل عن الحزب الديموقراطي للرئاسة الأميركية في انتخابات 2028. وينقل عن المرشح اليهودي المحتمل رام إيمانويل (Rahm Emanuel) انتقاده اللاذع للحكومة الإسرائيلية في كلمة كان من المفترض أن يلقيها في تل ابيب في 9 الجاري.
ويرى الكاتب أن هذه الأحداث الثلاثة المتباينة كلياً ترسم مجتمعة ملامح تغيير قد يكون الأكثر جدية في مسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنوات.
المصدر: المدن






