
في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وصلت إلى بيت عمي في مدينة الطبقة، فرأيت عدة ميكروباصات محملة بالعفش، يحيط بها أطفال ونساء ورجال. وجوه صامتة، وعيون تحاول أن تخفي دموعها، وأخرى استسلمت للبكاء. كان المشهد أشبه بجنازة، لكن الميت لم يكن إنساناً، بل حياةً كاملةً تُترك خلف أصحابها.
سألت: ما الذي يجري؟
قالوا: إنهم راحلون إلى رياق في لبنان.
استغربت، وقلت: ولماذا رياق؟
قالوا: للعمل في الزراعة وجني المحاصيل والخضار، فهناك وجدوا فرصةً لكسب لقمة العيش.
ولم يكن السفر إلى رياق رحلةً نحو حياة أفضل، بقدر ما كان انتقالاً من قسوة إلى أخرى. هناك عاش كثير من أبناء الشرق السوري في مخيماتٍ بدائية، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويسكنون بيوتاً من الجنفاص لا تقي حرَّ الصيف ولا برد الشتاء. وكانت الأفاعي والعقارب جيرانهم الدائمين، فيما كانوا يخرجون مع الفجر إلى الحقول تحت سلطة “الجاويش”، الذي كان يتحكم بالعمل والأجر، ولا يعرف الرحمة إلا قليلاً. كانوا يغادرون أرضهم لأن خيرها لم يصل إليهم، ليعملوا غرباء في أرض غيرهم، يحملون على أكتافهم تعب النهار، وفي قلوبهم أملاً صغيراً بالعودة في نهاية الموسم بما يسد رمق أطفالهم.
وبعد ذلك علمت أن الأمر لم يكن يخص مدينة الطبقة وحدها، بل كان مشهداً يتكرر في معظم محافظات الشرق السوري. عائلات بأكملها تحمل ما تيسر من متاعها، وترحل بحثاً عن الرزق. أطفال يتركون مدارسهم وطفولتهم، ليكبروا قبل أوانهم بين الحقول ومواسم الحصاد، وكأن لقمة العيش كانت أقوى من دفاترهم وأحلامهم.
وقفت يومئذ حائراً، وقلت في نفسي: كيف يغادر أبناء منطقة تجلس فوق ثروات من النفط والغاز، وتملك أراضي زراعية خصبة، ليبحثوا عن رزقهم في بلد آخر، يعملون فيه عمالاً موسميين؟ لم يكن يؤلمني السفر بحد ذاته، بل تلك المفارقة القاسية: أن يهاجر الإنسان من أرض غنية بمواردها لأنه حُرم من خيرها.
ثم جاءت السنوات التي لم تعد فيها الهجرة رحلةً وراء الرزق، بل صارت هروباً من الموت.
مع بدايات الثورة السورية، انطلقت التغريبة الكبرى. خرجت مدن وبلدات بأكملها من بيوتها متجهة نحو الشمال، هرباً من القصف والاعتقالات التي مارسها النظام البائد. كانت الطرقات تمتلئ بقوافل النازحين، وأصبحت المدارس والمساجد والحدائق مساكن مؤقتة، بينما حمل الناس مفاتيح بيوتهم كما لو أنهم سيعودون بعد أيام، غير أن الأيام تحولت إلى سنوات.
ولم يكد الناس يلتقطون أنفاسهم حتى جاء عام 2014، فوجدوا أنفسهم أمام نزوح جديد. هذه المرة كان الفرار من بطش الرايات السود والتنظيمات التكفيرية التي اجتاحت المدن والقرى، فترك الناس بيوتهم للمرة الثانية. ثم جاءت الحرب لطرد الغربان السود، وتعالت غارات التحالف الدولي، فتحولت مدن الشرق وقراه إلى ساحات نار، بينما ظل المدنيون وحدهم يدفعون ثمن كل معركة، يحملون أبناءهم وما خفَّ من متاعهم، ويرحلون من جديد.
وحين تبدلت القوى المسيطرة، وظن الناس أن زمن النزوح قد انتهى، جاءت مرحلة جديدة مع سيطرة “قسد”، فتوالت الهجرات بأشكال مختلفة، بين من ضاقت به سبل العيش، ومن خشي الملاحقات، ومن أنهكته الأوضاع الاقتصادية، حتى ضاقت بالناس الأرض بما رحبت. وكأن السوري كلما أغلق باباً من أبواب النزوح، فُتح أمامه باب آخر.
ومن أكثر المشاهد التي بقيت محفورة في الذاكرة ذلك الرجل الذي حمل أمه العجوز على ظهره، وعبر بها جسر دير حافر، هارباً من الحرب التي اشتعلت خلال المعارك التي شهدها الشرق السوري. لم يكن يحمل حقيبة سفر، بل كان يحمل عمر أمه كله على كتفيه. بدا المشهد وكأنه اختصار لكل الحكاية السورية: إنسان يحمل أهله على ظهره، وبيته في قلبه، ويمضي إلى المجهول.
ولم تكتفِ الحروب بصناعة التهجير، بل دخلت الطبيعة هي الأخرى شريكاً في هذه المأساة. فهبّة الفرات الأخيرة دفعت عائلات إلى مغادرة منازلها، واليوم يدفع الجوع والجفاف عشرات الأسر في الحسكة، ولا سيما حول جبل عبد العزيز وما حوله، إلى الرحيل بعد أن جفت الآبار، ويبست الأرض، وخذلتهم المواسم. حتى الطبيعة، التي كانت يوماً مصدر الحياة، أصبحت سبباً آخر للرحيل.
مرّت العقود، فإذا بالتاريخ يعيد المشهد نفسه، ولكن بوجوهٍ جديدة. تتبدل المدن، وتتغير الأزمنة، أما الحقائب والدموع فلا يتغيران.
واليوم، وأنا أرى سيارات “الفوكس” المحملة بالأثاث تجوب قرى الحسكة، أدرك أن الذاكرة لم تمت، بل كانت تنتظر أن يعيد التاريخ المشهد نفسه.
في بلادنا، لا يبدو الرحيل حادثةً استثنائية، بل قدراً يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكأن السوري محكومٌ بأن يحمل بيته على ظهره، كلما ظن أنه وصل إلى برّ الأمان.
لقد تغيّرت أسباب الرحيل؛ مرةً بحثاً عن لقمة العيش، ومرةً هرباً من الاستبداد، ومرةً فراراً من الإرهاب، ومرةً اتقاءً لنيران الحروب، ومرةً بسبب الجفاف والفيضانات. لكن النتيجة بقيت واحدة: وطنٌ يودّع أبناءه جيلاً بعد جيل، ومواطنٌ يعتاد أن يحمل بيته على ظهره، لأن الوطن الذي يعجز عن أن يمنح أبناءه أمناً أو كرامة أو خبزاً، لا يترك لهم سوى طريق الرحيل.
…






