منير نام  كنَومِ السيف العائدِ مِن إحدى الغزوات

اقترن اسم “منير الصياد”، بمواجهة اجتياح 1982 وخاصّة بمواجهة العدوّ في بيروت، إذ قادَ أبو هيثم “القوة المُوَحّدة” التي ظلَّت تقاوِم في أحلكِ الظروف حتى خرج العدوّ مِن سيّدة العواصِم يجرّ وراءه أذيالَ خيبَتِه.

في الحقيقة، يرجع تاريخ أبو هيثم النضالي إلى ما قبل ذلك، فقد كان متأثرًا بثورة 23 يوليو 1952 المصرية، وكان حالِمًا بالوطن العربي الكبير، ولا نبالغ إن قلنا أنه عاشَ لأجلِ تلكَ الفِكرَة، وكان يردِّدُ: “ما أروع أن يعيشَ الإنسان لأجلِ فِكرَة”.

منطقة عين المريسة والواقع الخطير

مع بداية الحرب سنة 1975 كان فندق “هوليداي” كما فندق “فينيسيا” تحت سيطرة الميليشيات اليمينية (الإنعزاليّون بحسب قاموس تلك المرحلة).

على أسطح الفنادق الشاهقة، كان عددٌ مِن القناصين يطلقون النار على كلّ مَن وما يتحرّك في منطقة عين المريسة، بما في ذلك زواريبها الأثرية، كالزاروب الذي ترَعرَع فيه أبو هيثم، على بعد خطوات مِن منزل أهل كاتب هذه السطور.

في الأشهر الأولى لِلحرب، صار سماع أزيز رصاص القناصين وارتِطامِهِ بجدران مباني عين المريسة أمرًا روتينيًّا وخطيرًا لا يُطاق. وكانت كلّ قِوى اليسار (القوات المشتركة بحسب قاموس تلك المرحلة) تواجه مع بعضها قوى اليمين؛ لكن في البداية، لم يكن تحرير الفنادق المُطِلَّة على منطقة عين المريسة ضِمنَ أولويّات اليسار، نظرًا لاتِساع رقعة المواجهات بشكلٍ مفاجئ.

إلا أنّ الجمرة لا تحرق إلا موضوعها، وقد جسَّدَ أبو هيثم ضمير منطقة عين المريسة آنذاك، فراح يشحذ هِمَم أبناء منطقته الذين تحلّقوا حوله، مُتَسلِّحين بما تيسَّر مِن أدواتِ قِتالٍ بسيطة، لكن بحماسٍ كبيرٍ يجعل أبعد الأحلام شديدة القُرب.

بالإضافة إلى أبناء عين المريسة مثل آل الغضبان، الديك، سَعد، حمادة، الظريف، سعّود، سلطاني، شقير، النقيب، طرابلسي، حلّوم، الجندي، أروادي، صفدي، غريري، بيلاني، مِحّو، منجِّد، ميرزا، قرفلي (القائمة أطول). تقاطر عددٌ كبير مِن أبناء بقية المناطق، مثل آل كجك، قوتلي، خورسان، وتّار، الأيوبي، عبد الهادي، رضا، عليوان (القائمة أطول)، وصار بيت أهل كاتب هذه السطور مقرًّا للمقاتلين مِن أبناء خالاته، آل العشي، منيمنة والمصري، الذين شاركوا بمعركة تحرير الفنادق، ووقعت بينهم إصابات.

الشهيدة نهلا.. معلِّمَتي الأحَبّ

أقفلت مدارس بيروت أبوابَها بسبب الحرب، وعندما طالت فترة توقّف التعليم، جاءت مبادرة محلية كان أبو هيثم مِنَ الساعين لها، وتمّ فتح مدرسة استثنائية بعين المريسة، بالقرب مِن بيوت السكان، كبديل مؤقّت عن مدارس العاصمة.

في تلك المدرسة الاستثنائية، كانت “نهلا سعّود الصياد” معلّمتي في حصصٍ دراسية معدودة، أذكر منها درسًا عن ميخائيل نعيمة وقصيدته ” سقفُ بيتي حديد، ركنُ بيتي حجر”، التي معها تذوَّقتُ الشِعرَ والأدب لأول مرة في حياتي.. رحم الله الشهيدة نهلا، زوجة الراحل منير الصياد.

ذات يوم، سمع سكان الزاروب صوتًا مهولاً يصعقُ الآذان، انتهى بانفجارٍ قوي في مبنى آل سعّود، أعقبته رائحة الدخان والبارود.. استشهدت نهلا، فيما نجا رضيعُها هيثم بأعجوبة.

منير الصياد المثقف

كنت أزور أبو هيثم برفقة أصدقائي باستمرار، وعندما أزوره بمفردي، كان يجلب رقعة الشطرنج، وينتهي اللعِب بفوزه، أقول له: “انتَ بتربح لأن السيجارة عطول بإيدك وأنا بنزعج مِن الدخان”! فيجيب: “حجّة ما بتقلي عجّة”.

الكتب لدى أبو هيثم كانت دومًا منثورة في أرجاء بيته، وكان يحصل أن ينشغل عنّي باتصالٍ هاتفي أو باستقبال ضيوف؛ وعندما يفرغ يجدني قد تناولت كتابًا وبدأت بقراءته، فكان يقترب مني مبتسمًا، ويوغل أصابعه في شعر رأسي ويهزّه يمينًا وشمالاً (أسلوبه الخاص في التعبير عن المودّة). وعندما أهمّ بالخروج مِن عنده، كان يشير عليّ بأخذ الكتاب معي (استعارة) لأتابع قراءته في بيتي، وهكذا قرأتُ “المثقف المشتبك” لغسان كنفاني، و”المثقف العضوي” لأنطونيو غرامشي، و”سنوات الغليان” لمحمد حسنين هيكل.

السلطة في العالم الثالث تسلّط

أكثر مِن مرّة سمعتُ منير الصياد يقول هذه العبارة، ولي مع هذه العِبارة قصة، هي قصة تطوّر وعيي السياسي.

في البداية، لم أكن أفهم مِن هذه العِبارة إلا وجوب استِعداء السلطة، لكن مع مرور الوقت ودون أن يشرح لي منير ولا غيره، بل قناعة نبعت مِن داخلي بعد أن حثّها منير كي تتبلوَر: “ليست غايتنا مقارعة السلطة بحدّ ذاتها، بل يجب أن تكون غايتنا نقل وطننا مِن حالة التخلف التي هي سمة العالم الثالث، إلى حالة النموّ التي هي سمة الأوطان المتحضِّرَة”.

منير الصياد.. مستمِع رائع

بإصغاء يشجِّعني على البوح، كان منير يصغي وأنا أعبّر عن مكنوناتي. ومِن ذلك:

1) أقول: “بقي منظر سحل قناص الهوليداي، المربوط بمؤخرة سيارة ستايشن أميركية على جنباتها صُورَ عبد الناصِر، مطبوعًا في ذاكرتي ومَمزوجًا بأسف شديد؛ صحيحٌ أن المسحول كان مجرمًا ومعتديًا، لكن التنكيل لا يستقيم مع إنسانيتنا”. يجيب أبو هيثم بتنهُّد: “صحيح، وأنا أرقّ مِن ذلك بكثير، لكن يستحيل التحكّم بسلوك أي جمهور غاضِب”.

2) أقول: “هناك محاولات لردم الهوة بين القوميّين والإسلاميّين، وفي المؤتمرات الداعية للتقارب بينهما نسمع في العلن كلامًا جميلاً، لكن في المجالس المُغلقة يُقال هَمسًا عكس ذلك؛ فما زال القوميّون يخوِّنون الإسلاميّين والعكس صحيح، وهذا التخندق برأيي هو أهمّ أسباب جمود الأمة”. يجيب أبو هيثم: “صحيح أن لدينا مشاكل ثقافية كبرى، لكن هذا لا ينفي أن أعداء الوحدة العربية لم يتركوا وسيلة للنيل منها إلا واستخدموها”.

نحن صدى ناصِر

بقلم رصاص على ورقة “خزقتُها” مِن دفتر الفيزياء، كتبتُ قصيدة هي إحدى محاولاتي الشِعرية. حملت القصيدة وذهبت إلى منير لأطلعه عليها، وكانت قصيدة طويلة بعض الشيء، أذكر منها:

صدى ناصر

بالله ربًّا نعبده دومًا

وبلبنان وطنًا قد رضينا

نامَ زمنُ المعجزات طويلاً

فدقّت عليه البابَ أيادينا

ما ان استفاق حتى كنّا

فوق أعلى الفنادق قد علينا

نحن صدى ناصر

صدى فلاحٍ طالت بذارُهُ أراضينا

بذارٌ إذا ألقيتها على الترابِ

أنبتت تحت الشمسِ رياحينَ

وفي الأرض مدَّت سِجّيلٍ

نحن معه للعصفِ آكلينَ

نالت قصيدتي إعجاب أبو هيثم، وأشار عليّ بتسليمها إلى الأخ جمال الظريف حتى يرسلها إلى الأستاذ وليد الحسيني رحمه الله، الذي كان يطبع صحيفة “الاشتراكي” في مطابع “الكفاح العربي”.

خاتمة

من عظمة الأخ منير الصياد، أن الذين تعلقوا به كرجل كاريزمي، لم يكن تعلّقهم به حاجبًا لعقولهم، ولا مثقِلاً على ضمائرهم. فكثيرون مِن رجالات المرحلة التي برز فيها أبو هيثم، انتقلوا بسهولة مِنَ القتال إلى الاقتتال، فاستوفوا بذلك شروط تولي المناصب في لبنان، ثم عملوا على توزيع المغانم على أتباعهم، وكل ذلك على حساب لبنان الوطن. وإذا كانت لدينا اليوم سمات الوطنية، والعناد بالحق، والعصامية، والأخلاق الكريمة، فما هي إلا نتاج ما زرعه فينا أخونا وأستاذنا منير الصياد، تغمّده الله بواسع رحمته.

المصدر: صفحة وليد مهيب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى