عن هشاشة التحديث في سياق تونسي

أنور الجمعاوي

تُعدّ تونس من أكثر البلدان العربية استحضاراً لفكرة التحديث. فمنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت بوادر تحديث مع إصلاحات خير الدين التونسي وأحمد باي. ومع مشروع الدولة الوطنية بعد الاستقلال (1956)، تشكّل في المخيال السياسي التونسي اعتقاد بأنّ البلاد تسير في طريق الحداثة أكثر من غيرها من المجتمعات العربية. وعزّزت ذلك الاعتقاد جملة من المؤشرات، منها أسبقية تونس في إلغاء العبودية (1846)، وإعلان “عهد الأمان” (1857) وإصدار أوّل دستور عربي سنة 1861وتعميم التعليم، ووضع مجلة الأحوال الشخصية، وتوسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة. غير أنّ ما بدا عقوداً قصة نجاح تحديثية متواصلة، انكشف تدريجيّاً بوصفه مساراً يعاني من هشاشة عميقة، لها تجلّيات عدّة في مجالات شتّى، تبرز بقوة كلّما تعرضت السلطة الحاكمة لاهتزاز أو واجه المجتمع لحظة اختبار تاريخية.

ولا يعني الحديث عن هشاشة التحديث في تونس إنكار ما تحقق من مكاسب، كذلك لا يعني التقليل من أهمية التحولات التي شهدها المجتمع والدولة منذ الاستقلال، بل المقصود مساءلة الأسس التي قام عليها هذا التحديث، ومدى قدرته على التحول إلى ثقافة مجتمعية راسخة، ومؤسّسات مستقرّة، وقيم مشتركة تتجاوز حدود السلطة السياسية. فالتحديث الذي لا يتحوّل إلى قناعة اجتماعية عميقة يبقى مجرد بناء هشّ، والتحديث الذي تفرضه الدولة من دون أن يشارك المواطنون في إنتاجه يظل عرضة للانتكاس عند أول أزمة.

لقد ارتبط المشروع التحديثي التونسي، منذ بداياته، بقرارات فوقية صادرة عن السلطة الحاكمة، ولم تكن بالضرورة نتاج استشارة شعبية. فالنخب الحاكمة التي قادت البلاد بعد الاستقلال لم تكتفِ بإدارة عملية التحديث، بل احتكرت تعريفه وتحديد أهدافه ومساراته. وكانت تنظر إلى نفسها الحاملة الحصرية للعقلانية والتقدّم، في مقابل مجتمع اعتبرته تقليديّاً ومتأخراً ويحتاج الوصاية والتوجيه. من هنا نشأت مفارقة جوهرية لازمت التجربة التونسية عقوداً طويلة: فكلّما توسعت الأجهزة الحاكمة في تحديث المؤسّسات، تقلص المجال المتاح للمجتمع للمشاركة في صياغة ذلك التحديث. وكلّما ازدادت وتيرة ما يُعرف بالإصلاحات القانونية والاقتصادية والسياسية، تراجع هامش النقاش العمومي بشأنها.

ارتبط المشروع التحديثي التونسي، منذ بداياته، بقرارات فوقية صادرة عن السلطة الحاكمة، ولم تكن بالضرورة نتاج استشارة شعبية

لقد نجح المشروع البورقيبي في بناء دولة مركزية، لكنّه أخفق في بناء فضاء سياسي تعدّدي، يسمح بتجذير قيم الحداثة من خلال الحوار والتنافس الحر. فالديمقراطية لم تكن جزءًا أصيلًا من مشروع التحديث، بل اعتُبرت، في أحيانٍ كثيرة خطرا على سطوة الزعيم وهيمنة الحزب الحاكم.

وانطوى خطاب الإصلاح لدى الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي على تناقض ظاهر، فقد أراد كلّ منهما بناء “مواطن حديث” داخل دولة لا تتسامح مع مُواطَنة فعلية، ومع مشاركة مدنية، تعدّدية، فاعلة في الشأن العام وفي صناعة القرار. فالنظام الحاكم بقيادة الحزب الدستوري ورئيس الجمهورية، هيمن بالقوّة القامعة على الفضاء العام، ووزّع معارضيه بين السجون والمنافي ومقاصل الإعدام. وبلغ التناقض ذروته حين إعلان بورقيبة رئيساً مدى الحياة سنة 1975، وحين عدّل بن علي الدستور مراراً ليمدّد في عهدته الرئاسية في مشهد لخّص حقيقة المشروع التحديثي التونسي: دولة حديثة الشكل، سلطوية المضمون، يُبنى فيها الفرد ليخضع، لا ليشارك في اتخاذ القرار. وكانت النتيجة أنّ الحداثة أصبحت شعار منظومة حاكمة أكثر من كونها خيارًا مجتمعيًا. ومع مرور الوقت غدت الإنجازات التحديثية هبة من الزعيم بدل صدورها عن وعي جماعي تراكمي، متجذّر. ومدار الهشاشة هنا أنّ ما تبنيه السلطة بقرار سياسي يمكن أن يصبح مهددًا عندما تتغيّر موازين القوى أو تتراجع شرعية المنظومة الحاكمة.

لقد شكّلت الثورة التونسية لحظة كاشفة بامتياز. فقد كان مأمولاً أن تتحوّل تونس إلى “نموذج حداثة ديمقراطية عربياً” يوازن بين مطلبي الحرية والنهضة الاقتصادية. لكن ما بدا أنّ الفضاء العام تحوّل إلى ساحة صراع على الهوية، واستخدم كل طرف منتجات الحداثة التقنية وأجواء الحالة الديمقراطية ليروّج ثقافة الإقصاء والإقصاء المضادّ. واستنزف هذا الاستقطاب طاقة التحديث في صراعات أيديولوجية عقيمة، وأهمل جوهر القضية، أعني بناء اقتصاد إنتاجي، وإصلاح المؤسّسات العمومية المتهالكة، وتفكيك البيروقراطية الإدارية. كذلك ظهرت محدودية قدرة المؤسّسات على إدارة الخلافات بطريقة احترافية. وبدا أن التحديث الذي نجح في بناء هياكل الدولة لم ينجح بالقدر الكافي في بناء ثقافة ديمقراطية قادرة على تحويل التنوع إلى مصدر إثراء، بدل أن يكون مصدر استقطاب. وفي غياب رؤية جامعة، تحوّلت الديمقراطية الناشئة إلى مجال للتجاذب أكثر من كونها إطارًا لبناء توافقات مستقرة.

أثبتت التجربة التونسية أنّ التحديث الذي يقتصر على القوانين والمؤسّسات وكاريزما الشخص الواحد، يبقى مبتوراً

ومع صعوده رئيساً للجمهورية، وعد قيس سعيّد (2019) بتحديث من نوع آخر، شعبي مباشر يتجاوز الوسائط الحزبية، ويعيد المبادرة للشعب من خلال شعار “الشعب يريد”. لكن ما حصل بعد حركة 25 يوليو (2021)، بدا، بحسب مراقبين، إعادة إنتاج للنظام الشمولي بمعجم جديد. فتجميع السلطات بيد الرئيس، وإصدار دستور 2022 من جانب واحد، واستخدام المرسوم 54 لملاحقة الصحافيين والمعارضين والمدونين، وتفكيك مؤسّسات تمثيلية منتخبة والتعامل الارتيابي ـ الاتهامي مع مكوّنات المجتمع المدني، أعادت إلى الأذهان نموذج الحكم الأحادي المطلق. ولم تجد وعود سعيّد الإصلاحية من قبيل التمكين للشباب وإنصاف المستضعفين ومناطق الظل طريقها إلى التنفيذ لأسباب شتى، منها البيروقراطية الإدارية ومحدوية الموارد المالية. وفي الأثناء، ظلّ الاقتصاد التونسي متعثّراً، فيما تدهورت المقدرة الشرائية وانحسرت الطبقة الوسطى. وبدا الخطاب الرسمي ميّالاً إلى تبرير عطالة التحديث بوجود مؤامرة على تونس، وهو خطابٌ أغلق الباب أمام أي نقد ذاتي أو مراجعة بنيوية، وحوّل الأزمة الداخلية إلى عداء خارجي مُتخيَّل.

ثقافياً، طُرحت الحداثة، في أحيان كثيرة، قطيعة مع الموروث أكثر من كونها عملية إعادة تأويل له وتطويره. وبدل أن يُفتح نقاش مجتمعي في كيفية التوفيق بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات العصر، ساد منطق الثنائية الحادة بين التقليد والحداثة، وبين الأصالة والمعاصرة. وأدّى هذا إلى انقسام ثقافي فتبين بعد الثورة أنّ جزءاً معتبَراً من المجتمع لم يكن مندمجاً بالكامل في التصورات التي حملتها النخب التحديثية، وأنّ التوافق الذي بدا قائماً لم يكن، في أحيانٍ كثيرة، سوى نتيجة هيمنة الدولة أكثر منه تعبيراً عن إجماع وطني حقيقي.

وتتقاطع هشاشة التحديث في تونس أيضاً مع أزمة النخب. فقد عاشت النخب التونسية طويلاً في أبراجها العاجية المتعالية في ما يشبه حالة “اغتراب”عن واقعها. ففي وقتٍ كانت فيه النخب تتجادل بشأن الحرّية الجندرية، وحجاب المرأة، والضريبة على الثروة، كانت فئات عريضة تئن تحت وطأة التهميش، والفقر والبطالة. وجعل هذا الانفصال “الحداثة” في نظر كثيرين بمثابة ترف نخبوي، لا يملأ بطون الجياع، ولا يوفّر خدمات القرْب للناس من قبيل الماء والكهرباء، ووسائل النقل والاستشفاء. وبدل إسهام النخب في صياغة “عقد اجتماعي حداثي” يجمع بين الحرية والكرامة، والعدالة والتنمية المستدامة، استمرّت في إنتاج خطابات معزولة، ما عمّق الفجوة بينها وبين الجمهور، وقلّل من قدرتها على قيادة مشروع حداثي شامل، وعزّز التفات الناس إلى شعارات شعبوية، تعد بحلول طوباوية مقابل التضحية بالحريات.

دولة حديثة نسبيّاً، لكنها عاجزة عن تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لكلّ مواطنيها

وزادت الخيارات الاقتصادية العقيمة من تعميق أزمة التحديث في تونس، فالأنظمة الحاكمة المتعاقبة قبل الثورة وبعدها، لم تنجح في تحقيق تنمية متوازنة وعادلة. وظلت الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق الداخلية والطرفية المهمشة، تتسع على الرغم من الخطاب الرسمي حول التنمية الشاملة. وهكذا نشأت مفارقة أخرى: دولة حديثة نسبيّاً، لكنها عاجزة عن تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لكلّ مواطنيها. واندلاع الاحتجاجات الشعبية من حين إلى آخر، ليس بسبب أزمة ثقافية أو أيديولوجية، بل بسبب شعور عميق بالتهميش والإقصاء واللاعدالة والتفاوت الجهوي.

التحدّي الحقيقي الذي يواجه تونس لا يتمثل بالاختيار بين الحداثة والتقليد، ولا بين الدولة والمجتمع، بل بإعادة صياغة مشروع تحديثي جديد يتجاوز الثنائيات القديمة، يعترف بأنّ الحداثة ليست مجرّد استيراد نماذج استهلاكية جاهزة، وليست مجرّد المحافظة على موروث محنّط، بل هي قدرة جماعية على إنتاج حلول جديدة لمشكلات الواقع. ولا يمكن أن يقوم هذا المشروع على الإقصاء أو الوصاية، بل على الحوار والتعدّدية والمشاركة الشعبية الواسعة في اتخاذ القرار.

لقد أثبتت التجربة التونسية أنّ التحديث الذي يقتصر على القوانين والمؤسّسات وكاريزما الشخص الواحد، يبقى مبتوراً. ذلك أنّ التحديث الناجع يقتضي التشاركية في إدارة البلاد، ولزوم النقد الذاتي، وتجديد الثقافة السياسية وقراءة الواقع واستشراف المستقبل بعيون موضوعية. كذلك أثبتت أنّ الديمقراطية ليست نتيجة تلقائية للتحديث، بل من شروط استدامته. فالمجتمعات لا تصبح حديثة لأنّها تمتلك مؤسّسات حديثة فقط، بل لأنها تملك القدرة على إدارة اختلافاتها بطرق سلمية وعقلانية، وعلى تجديد نفسها باستمرار من دون الوقوع في دوائر الكراهية والشعبوية، وادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى