
بعد تعثّر كلّ المبادرات والجهود الإقليمية والدولية والأممية الرامية إلى إعادة تشكيل مؤسّسات الدولة في ليبيا على أسس توافقية، لا يبدو الانقسام هناك حالة سياسية عابرة، أو نتيجةً ظرفيةً لمرحلة ما بعد 2011، بل أصبح بنية حكم موازية بحدّ ذاتها، تتجسّد في وجود سلطتَين متنافستَين في الشرق والغرب، ومؤسّسات أمنية وعسكرية واقتصادية تعمل وفق منطق الانقسام لا الوحدة، وتعيد إنتاج نفسها ضمن بيئتَين سياسيتَين منفصلتَين. وقد جعل هذا الواقع من فكرة الدولة الليبية الواحدة مشروعاً مؤجّلاً باستمرار، في ظلّ خطاب سياسي متبادل يقوم على الاتهام والتشكيك ويعمّق الفجوة بين طرفي الأزمة بدلاً من ردمها.
في خضمّ هذا المشهد المثقل بانعكاسات التشقّق والشقاق، تبرز المبادرة الأميركية التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، والهادفة إلى توحيد المؤسّسات الليبية المنقسمة تحت سلطة واحدة، بالتوازي مع تشجيع شركات النفط الأميركية على توسيع استثماراتها في ليبيا، بوصفها محاولة جديدة لإعادة هندسة المشهد الليبي عبر مدخل سياسي ـ اقتصادي مزدوج يربط بين إعادة تشكيل السلطة وإعادة توجيه الثروة النفطية.
إذ تُظهر القراءة المتأنّية لهذه المبادرة وبنودها، وما جرى تداوله حولها، أنّ أهميتها لا تنبع من مضمونها فحسب، بل من أنّها تعكس تحوّلاً ملحوظاً في المقاربة الأميركية تجاه الملفّ الليبي. فبعد سنوات من الاكتفاء بدعم المسارات الأممية وإدارة تداعيات الأزمة، تبدو واشنطن اليوم أكثر ميلاً إلى الانخراط المباشر في صياغة ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة تستند إلى موازين القوى الفاعلة على الأرض. ويعزّز هذا الانطباع ما كشفته تسريباتٌ متداولة حول طبيعة الصيغة المقترحة، التي تشير إلى بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في الغرب الليبي، مقابل منح صدّام حفتر، نجل اللواء خليفة حفتر، موقعاً قيادياً ضمن هيكل تنفيذي جديد.
لا تعدو المبادرة الأميركية أن تكون محاولة جديدة لإعادة إنتاج الأزمة تحت عنوان مختلف
كما أنّ أهمية هذه المبادرة لا تأتي فقط من طبيعة الترتيبات السياسية التي تقترحها، بل أيضاً من الفلسفة التي تقوم عليها في مقاربة الأزمة الليبية ومعالجة أسبابها، التي تقوم على فرضية مفادها بأنّ معالجة الانقسام السياسي لا يمكن أن تنجح بمعزل عن إعادة تنشيط الاقتصاد الليبي وإيجاد مصالح مشتركة تدفع الأطراف المتنافسة نحو التوافق، الأمر الذي يفسّر ربط المبادرة بين الحلّ السياسي وتوسيع الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة وزيادة إنتاج النفط وتفعيل مشاريع التنمية التي يمكن أن يستفيد منها الشرق والغرب معاً.
من هذا المنطلق، يرى كتّابٌ ومحلّلون سياسيون متفائلون أنّه يمكن البناء على هذه المبادرة لأنّها تنطلق من رؤية براغماتية تربط بين السياسة والاقتصاد مسارين متلازمين لا فصل بينهما، وهو ما يجعل المبادرة أكثر واقعية لأنّها لم تعد تقتصر على احتواء التداعيات الأمنية للأزمة الليبية فحسب، بل أصبحت تستهدف معالجة البنية السياسية والاقتصادية التي كرّست الانقسام طوال السنوات الماضية.
كما أنّهم يستندون في تفاؤلهم هذا إلى معطيات أخرى تجعل المبادرة مختلفةً نسبياً عن سابقاتها، أهمّها أنّها لا تنطلق من تصوّرات قانونية أو دستورية مثالية تتجاهل موازين القوى الحقيقية على الأرض، بل تنطلق من الاعتراف بمراكز النفوذ الفعلية في الشرق والغرب، وتحاول دمجها ضمن إطار سياسي واحد بدلاً من تجاهلها أو السعي إلى تجاوزها. ولذلك يرى أصحاب هذا الرأي أنّ أيّ مشروع قادر على إيجاد مصالح مشتركة بين هذه القوى، لا سيّما اقتصادية، قد يفتح الباب أمام تفاهمات سياسية أوسع مستقبلاً، كما يرون أنّ الربط بين توحيد المؤسّسات وزيادة الاستثمارات النفطية والتنموية يمكن أن يشكّل حافزاً عملياً للأطراف الليبية للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة.
اثببت تجارب في ليبيا أنّ الاتفاقات القائمة على تقاسم النفوذ تنتج استقراراً هشّاً وقابلاً للانهيار
في المقابل، يرى كتّاب ومحلّلون متشائمون أنّ المبادرة الأميركية، على الرغم ممّا تحمله من وعود بإعادة تحريك المياه الراكدة في الملفّ الليبي، لا تعدو أن تكون محاولة جديدة لإعادة إنتاج الأزمة تحت عنوان مختلف، بل إنّ بعضهم يذهب إلى حدّ القول إنّ مسعود بولس يتعامل مع الملفّ الليبي بمنطق التاجر لا السياسي، مقدّماً صفقةً أكثر ممّا يطرح مبادرةً سياسيةً. ويؤكّد هؤلاء أنّ أيّ مشروع يقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة حالياً قد يؤدّي إلى تكريس سلطات الأمر الواقع بدلاً من إنهائها ويمنح النُّخب السياسية والعسكرية القائمة شرعية إضافية من دون أن يقدّم حلّاً حقيقياً لمعضلة بناء الدولة.
لذلك يحذّر أصحاب هذا الرأي من أنّ الاعتراف بموازين القوى والوقائع القائمة قد يتحوّل تدريجياً إلى اعتراف دائم بها، بحيث يصبح الانقسام جزءاً من بنية الحكم لا حالةً مؤقّتةً يجري العمل على تجاوزها، لا سيّما أنّ تجارب التسويات السابقة في ليبيا أثبتت أنّ الاتفاقات القائمة على تقاسم النفوذ غالباً ما تنتج استقراراً هشّاً وقابلاً للانهيار عند أول خلاف يتعلّق بتوزيع الموارد أو الصلاحيات أو مراكز القوّة داخل الدولة.
في المحصّلة، يمكن القول إنّ المبادرة الأميركية، وفي ظلّ الواقع الليبي الراهن، تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي الليبي، وإدارة التوازنات فيه وإعادة تنظيمها منها إلى مشروع متكامل لحلّ الأزمة الليبية بصورة نهائية لأسباب كثيرة، أهمها أنّها تستند إلى منطق تقاسم النفوذ بين القوى القائمة أكثر ممّا تستند إلى إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. لذلك سيبقى نجاحها مرتبطاً بقدرتها على تحويل التفاهمات بين النُّخب السياسية والعسكرية إلى عقد سياسي أوسع يحظى بقبول مجتمعي ويعيد بناء الثقة بين مكوّنات الدولة الليبية، وإلا فستبقى ليبيا تدور في حلقة إعادة إنتاج الأزمة.
المصدر: العربي الجديد






