في تبرئة القضاء الليبي رموزاً من نظام القذافي

خيري عمر

رغم طول الفترة الانتقالية، يواجه تيّار ثورة فبراير في ليبيا أعباء التأثير المتبادل بين التقاضي وتباطؤ المصالحة الوطنية. من هذه الوجهة، لا يُعدّ قضاء محكمة الاستئناف الليبية ببراءة رموز نظام معمّر القذّافي مجرّد حُكم قضائي بقدر ما يُساعد في قراءة مرامي التشريعات في التوازن بين العقوبة والسلم الاجتماعي. وهنا، تبدو أهمّية تناول السياقات السياسية في فهم قوّة وانحسار مجموعات فبراير، وانعكاسها على خياري الاستجابة للحلّ السياسي أو البقاء حالةً صراعيةً. فبعد أكثر من 12 سنة من التداول في المحاكم وصدور أحكام بالإدانة، قضت الدائرة الجنائية الثالثة بمحكمة استئناف طرابلس في 18 مايو/ أيار 2026 ببراءة 31 شخصية من رموز نظام القذّافي في قضية “قمع متظاهري ثورة 17 فبراير”، ومنهم المتهمون الرئيسيون: عبد الله السنوسي ورئيس الوزراء البغدادي المحمودي وسيف الإسلام القذّافي. وهنا يضع الحُكم مجموعات فبراير أمام نقطة حرجة، إذ تواجه واقع أنّ مسار التقاضي لا يقدّم حلاً لمشكلات السياسة.

وبينما تكشف ردّات الفعل الراهنة انخفاض حالة الاحتقان السياسي التي شهدتها القضية على مدى السنوات السابقة، فإنّها تضمّنت نوعاً من التفاعل الاجتماعي والسياسي. فبينما ظهرت الحاضنة الاجتماعية المؤيّدة للحُكم بالبراءة متماسكةً وقريبةً من دوائر نفوذ نخبة النظام السابق، لم يكن ظهور تيّار المفتي، وبعض مجموعات فبراير، متناسقاً، فكانت تعبيراتهم مشتّتةً وفرديةً.

وفق هذه الردّات، بدت الفواعل الاجتماعية أو السياسية في الجانبين منحسرةً في التعليق على قرار المحكمة، وبعيدة من التطلّع إلى إجراء مُحاكمات ثورية. ففي طرفي النزاع، كانت التعليقات سياسيةً أكثر منها قانونيةً. فمن جهة، رضيت الحاضنة الاجتماعية (قبيلة القذاذفة) بالبراءة، وانصرفت إلى توفير الحماية لأبنائها. وفي الجهة الأخرى، اكتفى تيّار فبراير بتعليقات متناثرة عبّر فيها عن الاعتراض على قرار المحكمة لإهداره حقوق الضحايا من دون الدعوة إلى التظاهر والاحتجاج. ليعكس هذا المشهد جانباً من تراجع تأثير تيارَين خارج السلطة السياسية في المشهد الراهن.

في غياب مشروعٍ لإعادة البناء، بدا السلوك السياسي متناقضاً عندما اتخذت مجموعات فبراير مواقف مختلفة من خليفة حفتر وعائلة الدبيبة، رغم ارتباطهما بنظام القذّافي.

ينقلنا ضعف ردّات الفعل إلى تناول السياق الأوسع: البيئة التشريعية، النظام القضائي وحالة المشروع السياسي لتيّار فبراير. من وجهة أساسية، لا تعمل المحاكم في بيئة منفصلة عن النظام السياسي القائم، بل تعمل في إطار مدى كفاية القوانين لتسوية المنازعات وجهود تهيئة المناخ للمصالحة الوطنية. وهنا، يمكن النظر إلى مستويَين، يتمثّل الأول في موقف السلطة القضائية من أزمات السياسة. في هذه النقطة، يمكن ملاحظة أنّه رغم هشاشة الدولة، قامت معادلة المجلس الأعلى للقضاء على التماسك الداخلي في مواجهة العواصف المحيطة به، فبقيت سياساته في الابتعاد عن أزمات السياسة ومنع تسرّب الانقسامات إلى المحاكم. فمنذ أزمة 2014، حرص مجلس القضاء على الامتناع عن تولّي أيّ مهمّة سياسية قد تدخله في الصراع الدائر. وهنا، يمكن النظر إلى حُكم محكمة الاستئناف من زاوية مراعاة المبادئ العامّة لقانون العقوبات والسلم الاجتماعي.

أمّا المستوى الثاني، فهو ما يتعلّق بمساهمة الحكومات المختلفة، بدايةً من المجلس الوطني وانتهاءً بحكومة الوحدة الوطنية في إصدار قوانين العدالة والمصالحة، التي تمثّلت في القانون رقم 17/ 2012 بشأن ‏إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة، والقانون 38/ 2012 بشأن الإجراءات الخاصّة بالمرحلة الانتقالية، والقانون 50/ 2012 بشأن تعويض السجناء السياسيين، والقانون رقم 29/ 2013 لإرساء قواعد المصالحة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وتوثيق الانتهاكات. كما صدرت استراتيجية المصالحة الوطنية، يونيو/ حزيران 2022، ثمّ ميثاق السلام والمصالحة الوطنية في 7 يناير/ كانون الثاني 2026.

بشكل عام، قامت أهداف التشريعات على التوازن بين المحاسبة القضائية والحفاظ على السلم الأهلي. لكن، رغم تفاقم أزمات المرحلة الانتقالية، لم تراعِ الحكومات المؤقّتة هذا المبدأ، وصارت أسيرةَ المزايدة في إدانة المتّهمين، وتكاسلت عن تحسين الإطار التشريعي والخروج من دائرة تكرار المضامين. وقد انعكست هذه الحالة على تطبيق القوانين، فلم يؤدِّ تتابع تشكيل اللجان المشرفة على العدالة الانتقالية والمصالحة إلى حدوث تقدّم في تسوية ملفّات المتضرّرين، وهي نتائج تنطبق على اللجان التي شكّلها المؤتمر الوطني العام والهيئات التابعة للمجلس الرئاسي في 2026.

في ظلّ هذه التشريعات وتتابع الحكومات، تنوّعت الأحكام بين الإدانة والبراءة، بقدر يعكس قدرة المحاكم على إدارة النزاع. في 2015، صدر حكم بالإعدام ضدّ سيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي ومنصور ضوء بتهمة التنكيل بمتظاهري “17 فبراير”. ومع ارتباط الأحكام بالأدلّة، يقوم الحُكم بالبراءة على انتفاء العلاقة السببية المباشرة في وقائع قتل المتظاهرين أكثر منه ضمن مسؤولية الدفاع عن الدولة.

لا تحظى أخبار المحاكمات بالاهتمام المناسب مقارنةً بالمعارك الجارية في بعض المدن الغربية أو الأسئلة الكُبرى المرتبطة بمصير الدولة

وبغضّ النظر عن الجدل بشأن التكييف القانوني للحُكم الصادر أخيراً، تبدو الشروط السياسية لبيئة التقاضي أكثر قدرةً على تفسير النتائج بعد 15 سنة من إطاحة القذّافي. ففي واحدٍ من أبعاد تفسير قرار المحكمة، يظهر استمرار النظام القانوني لحقبة القذّافي عاملاً أساسياً، إذ لم تتمكّن ثورة فبراير من وضع مدونة قانونية مختلفة؛ فخلال الفترة الذهبية للثورة (أكتوبر/ تشرين الأول 2011 ـ مارس/ آذار 2014) لم تتمكّن من إصدار الدستور الدائم، وظلّت منشغلةً بسنّ التشريعات الانتخابية، وتشريعات العدالة الانتقالية والعزل السياسي، وانحسر الاهتمام ببناء نظام آخر بديل من ميراث الجماهيرية.

ووفق التأثير المتبادل بين العيوب التشريعية والوضع السياسي، واجهت تطبيقات العدالة الانتقالية معضلات قانونية وسياسية، فمن الناحية القانونية لم تستطع المؤسّسات الجديدة صياغة مدوّنتها القانونية الخاصّة لتصير أسيرة القواعد الموروثة عن النظام السابق. وسياسياً، أدّى انخراط المؤسّسات الانتقالية في الصراع السياسي إلى تشتّت قوّة الدولة. وعلى هذه الخلفية، انحدرت تحدّيات العدالة الانتقالية من مصدرَين رئيسيَّين؛ عدم اكتمال الإطار السياسي لثورة فبراير، وانتشار النزاع حتّى المستويات المحلّية، القبلية والجهوية، فصار المجتمع وعاء للصراع السياسي.

على مستوى إدارة النزاع، انشغلت ثورة فبراير بمحاكمة مسؤولي النظام على حساب بناء تحالف مؤهَّل لإنجاز المصالحة الوطنية. فقد أدارت صراعاتها من دون أدوات متناسقة عندما توسّع مفهوم العزل السياسي في الاستبعاد والحرمان لمجرّد شغل وظائف في النظام السابق، لتتشكّل بيئة صراعية مَسَّت استقلال القضاء وفتحت الباب للانقسامات المؤسّسية والصراعات الممتدّة. كانت باكورتها في الخلاف مع تحالف القوى الوطنية (محمود جبريل) بشأن مشروعية “المؤتمر الوطني” ومساهمة تعديلات “لجنة فبراير” في 2014 للإعلان الدستوري في إعادة نخبة نظام القذّافي إلى الواجهة السياسية.

يضع حُكم محكمة استئناف طرابلس مجموعات فبراير أمام نقطة حرجة، إذ تواجه واقع أنّ مسار التقاضي لا يقدّم حلاً لمشكلات السياسة

وفي غياب مشروعٍ لإعادة البناء، بدا السلوك السياسي متناقضاً عندما اتخذت مجموعات فبراير مواقف مختلفة من خليفة حفتر وعائلة الدبيبة، رغم ارتباطهما بنظام القذّافي. ولم يكن تبرير هذا السلوك تعبيراً عن نضج سياسي بقدر ما هو انعكاس لمواقف مسبقة تجاه “مشروع الكرامة”، وأولوية البناء العسكري على الديمقراطية، وهو خلاف لم يحدّ من تأثيره مواقف الحزب الديمقراطي الانفتاحية.

مع وضوح دور الأبعاد السياسية في النتائج الراهنة، فإنّ الطعن أمام المحكمة العليا، في مثل هذه الظروف، يُعدّ عملاً ثانوياً، فالقضية بذاتها لم تعد تمثّل سوى هامش صغير مقارنةً بالانشغال بهشاشة الدولة والظاهرة في مشكلات بنيوية: تصاعد الأزمة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية، وصراع المجموعات المسلّحة، وانقسام المؤسسات، التي صارت تحدّياً لوجود الدولة، فلا تحظى أخبار المحاكمات بالاهتمام المناسب مقارنةً بالمعارك الجارية في بعض المدن الغربية أو الأسئلة الكُبرى المرتبطة بمصير الدولة.

على أيّ حال، تضعنا هذه السياقات أمام نتيجتَين: تتمثّل الأولى في أنّ خريطة الفاعلين في ليبيا تكشف انحساراً واضحاً لتيار فبراير ومجموعاته، إذ يتحرّك خارج دوائر السلطة والنفوذ بصورة تراجعت فيها قدرته على التأثير. وتتعلق الثانية بحالة التيبُّس السياسي المتمثّل في البقاء في وضعية الصراع والقلق من خوض تجربة الحوار الوطني لفتح طريق للاندماج في الوضع القائم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى