
على الرغم من أنّ الإيرانيين يتعرّضون لاستهداف يسعى إلى منعهم من بناء قاعدة صناعية متطوّرة وقاعدة دفاعية صلبة، فإنّهم، ومعهم دول في المنطقة وخارجها، يدفعون ثمناً باهظاً لطموحات إيرانية غير واقعية. فطهران تُصرّ على أن تتحمّل دول في المنطقة نصيباً كبيراً من الخسائر والأضرار. ولم تكتفِ بهذا، فهي تثير حفيظة بقية الدول بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. وهكذا تبرع طهران في اكتساب صفة المعتدي بديلاً من حال الاعتداء عليها. وإذ ينتشي مسؤولون في طهران بمنازلة دولة عظمى، فإنّ ذلك لا يطمس الحقيقة العارية بأنّ أميركا أقوى بما لا يقاس عسكرياً وتكنولوجياً واستخبارياً. هذا من دون احتساب ما تمتلكه دولة الاحتلال الإسرائيلي من قدرات راكمتها بفعل الدعم الأميركي والأوروبي السخي لها. وبينما تجري الحرب ضدّ إيران في الأراضي الإيرانية، تنال الردود الإيرانية، حين تنال، من البوارج والمقاتلات الأميركية في الأجواء وفوق سطح المياه.
كان على طهران (وما زال عليها) أن تتخلّى عن طموحات غير واقعية، لمصلحة طموحات وطنية مشروعة، كيما تبني لها مكاناً معتبراً بين الأمم. وفي أول المطامح غير الواقعية يقف الطموح النووي. لنلاحظ أنّ الحرب المدمّرة التي تتعرّض لها إيران لا تتم باستخدام أسلحة نووية أو شبه نووية ضدّها، على الرغم من أنّ أميركا نووية، وكذلك دولة الاحتلال. فثمّة أسلحة تقليدية متطوّرة وفتّاكة، ترقى إلى مستوى التدمير شبه الشامل. هناك تسع دول فقط تمتلك هذا السلاح، وهي الخمس الكبرى، إضافة إلى الهند وباكستان وكوريا الشمالية ودولة الاحتلال. وقد سمحت ظروف الحرب الباردة بأن تمتلك الهند ثمّ باكستان أسلحة الدمار الشامل هذه. أمّا كوريا الشمالية فدفعت مقابل برنامجها النووي عزلةً مطبقةً، فيما أسهم التواطؤ الغربي في تمكين تل أبيب من البدء بمشروعها النووي بعد أقلّ من عشرة أعوام من قيامها على أرض فلسطين، وفي ظروف الحرب الباردة أيضاً بين المعسكرين الغربي والاشتراكي. وهناك عشرات الدول المتقدّمة، بما في ذلك في مجال الصناعات الدفاعية المتطوّرة، تقع خارج النادي النووي، بما فيها دول أوروبية كبيرة، مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا. وفي منطقتنا، تحظى مصر وتركيا والسعودية بمكانة رفيعة على مستوى القدرات، وحتّى الصناعات الدفاعية، من غير أن تمتلك منشآت نووية.
إذا كانت إيران تستلهم نموذج فيتنام ستينيّات القرن الماضي وسبعينياته في منازلة أميركا، فذلك البلد الآسيوي لم يكن نووياً
وإذا كانت إيران تستلهم نموذج فيتنام ستينيّات القرن الماضي وسبعينياته في منازلة أميركا، فذلك البلد الآسيوي لم يكن نووياً. فليس بالنووي وحده تُقاس عظمة الدول أو تُدار الصراعات. والنووي في الأساس سلاح للردع وليس للاستعمال. كان على إيران أن ينصبّ جهدها على تنمية شاملة تضمّ الصناعات الدفاعية، بدل أن تستنزف مواردها الطبيعية والبشرية في طموح غير واقعي. من حقّ طهران أن تبني وتطوّر قدراتها الدفاعية، بما فيها الصواريخ الباليستية، فذلك حقّ سيادي لها كغيرها من الدول، أمّا الطموح النووي فهو يستلزم حرباً باردةً جديدةً، وأن تصطفّ معها الصين وروسيا بالكامل، وهي تصورات لا وجود (ولا أثر) لها في واقعنا وفي عالمنا.
لم يكن هذا هو الطموح الوحيد غير الواقعي للجمهورية الإسلامية، إذ تلازم مع جهود بسط النفوذ في العالم العربي، برضا الشعوب العربية أو من دون رضاها، بموافقة الدول المعنية أو رغماً عن هذه الدول، وقد ارتبط ذلك بالتأليب الطائفي والمذهبي، ثمّ بالتغليب الذي أسهم في تهتّك النسيج الاجتماعي. وللأسف، فإنّ ذلك ليس جزءاً من الماضي، فقد نشر “العربي الجديد” قبل أيّام تقريراً يتناول صعوبات تعترض تخلّي بعض المليشيات العراقية عن سلاحها، في طريق تعزيز القوات المسلّحة (“تعقيدات تواجه ملفّ حصر السلاح في العراق.. رفض الفصائل وملكية الأسلحة”، 9/6/2026)، غير أنّ طهران اعترضت على هذا بالقول إنّ أسلحة بعض المليشيات تعود إلى طهران. لم تطلب استردادها، ولكنّها طلبت عدم تسليمها إلى أيّ جهة، فطهران ما زالت، في ظروف المواجهة الخطيرة مع واشنطن وتل أبيب، تجد وقتاً لإدامة التحكّم في المعادلات الداخلية العراقية، ولمنع الدولة هناك من بسط ولايتها على مقدرات البلد. وهذا نموذج عن المطامح غير الواقعية، بل غير المشروعة، التي ينغمس فيها الجار الإيراني على حساب رفاه شعبه. هذا من دون التطرّق إلى الاعتداءات المنهجية على دول الخليج التي أدّت إلى انهيار الثقة بالجار الإيراني.
تدعم دول الغرب واشنطن سياسياً ودبلوماسياً في المواجهة مع طهران، وتتطلّع بصورة شبه علنية إلى هزيمة النظام الإيراني
وتأتي محاولة التحكّم بمضيق هرمز، وتحويله إلى مضيق إيراني وإلى مرفق للجباية والاستثمار، شاهداً إضافياً على إشاعة حالة نفور وعداء مع دول بلا حصر في عالمنا. وحجّة طهران في ذلك أنّ أميركا تطيح قواعد القانون الدولي، فلماذا نتمسّك بها نحن؟ علماً أنّ دولاً مثل إيران تكسب واقعياً ومعنوياً حين تتمسّك بالقانون الدولي، وأنّ منافسة أميركا على انتهاك القواعد الدولية تجعل إيران على مستوى واحد مع الطرف المعتدي، ولن تجد طهران من يتضامن معها، لا في الأمم المتحدة ولا خارج هذا النادي الدولي.
تعرّضت في ثمانينيّات القرن الماضي مدينة سرت الليبية لاعتداء أميركي. وقد استنتج العقيد معمّر القذافي حينها أنّ استهداف الدولة العظمى لبلاده، يجعل الدولة الليبية حكماً دولة عظمى. يأمل المرء ألا تساور المسؤولين في طهران مثل هذه الاستنتاجات، وهم ينازلون بوارج وقاذفات وصواريخ أميركية. ليس مطلوباً استسلام طهران، بل أن تعيد تعريف دورها ومكانتها، وأن تتمسّك بما هو مشروع وواقعي من مطامحها، وأن تتخلّى، بمقابل على مائدة التفاوض، عمّا هو غير واقعي، وعمّا يفيض عن الحاجة الفعلية لبناء نهضة حقيقية وشاملة ينعم الإيرانيون بثمراتها.
وإذ يثير صمود إيران في هذه الحرب قدراً من الإعجاب، لأنّها في الأصل مُعتدى عليها، إلا أنّ المضي في خيار المواجهة ينطوي على قدر كبير من المغامرة، بل المقامرة. فدول الغرب، وإن كانت نأت بنفسها عن “الغضب الملحمي” لترامب وأركان إدارته، إلا أنّها تدعم واشنطن سياسياً ودبلوماسياً في هذه المواجهة، وتتطلّع بصورة شبه علنية إلى هزيمة النظام الإيراني، وبينما يؤدّي استمرار المواجهة إلى خسائر مادّية في الجانب الأميركي – الإسرائيلي، فإنّ النظام الإيراني مهدّد بوجوده إذا ما استمرّت الحرب، وإذا ما تواصل الاستعصاء في المفاوضات. وقد آن الأوان للإصغاء إلى أصوات من الداخل، مثل صوت الدبلوماسي المخضرم محمد جواد ظريف، تدعو إلى فتح المضيق وتقييد البرنامج النووي مقابل وقف الحرب ورفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة المجمّدة والتعهّد بعدم معاودة شنّ الحرب.
المصدر: العربي الجديد






