
في علم الاجتماع السياسي، لا تُقاس قيمة الأفراد والمؤسسات ببريق المناصب أو حجم الامتيازات التي تحيط بهم في أوقات السلم الهش، بل تُقاس بقدرتهم على الصمود والثبات عند وقوع الهزات الكبرى التي تعيد تعريف الواقع. لقد مثلت الثورة السورية منذ انطلاقتها في عام 2011 “مجهراً كاشفاً” لم يكتفِ بتفكيك بنية النظام، بل قام بعملية فرز حتمية للتركيبة الاجتماعية والنخبوية في سوريا.
إن النظر إلى مسار الأفراد—ما قبل عام 2011 وما بعد عام 2024—يكشف عن فجوة سوسيولوجية وأخلاقية هائلة؛ فالمكانة التي كان يشغلها الكثيرون عبر المحسوبية أو القرب من السلطة، لم تصمد أمام رياح التغيير، لتكشف عن هياكل هشة افتقرت إلى العمق الأخلاقي والنزاهة المهنية.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن قراءة “مشهد الكشف” دون التوقف عند ظاهرة “اقتصاديات الأزمة” التي تسللت إلى جسد المعارضة نفسها. فكما سقطت أقنعة المنتفعين من النظام، كشفت السنوات الماضية عن تباين صارخ في مسارات بعض المحسوبين على صفوف الثورة؛ حيث تحول البعض من حالة الكفاف—سواء في المكانة أو الموارد—إلى تضخم مادي مفاجئ، في الوقت الذي كان فيه السوريون يدفعون أثماناً باهظة من دمائهم وتهجيرهم. إن هذا التحول المادي المشبوه يمثل صدمة أخلاقية؛ فبينما كانت التضحيات تُبذل من أجل الكرامة، وجدنا من استغل فوضى المرحلة ليراكم ثروات، محولاً قضية وطنية كبرى إلى فرصة للارتزاق، ومستبدلاً شعارات “النضال” ببروتوكولات “البزنس السياسي”.
إن “الكشف” الذي أحدثته الثورة هو عملية تطهير معرفي واجتماعي؛ حيث برز من كانوا يعتمدون على “الرصيد الحقيقي” من الفكر والعمل والتضحية، مقابل سقوط من استمدوا وجودهم من “الغطاء” الذي توارى أو من استغلوا معاناة الناس لتمويل صعودهم الشخصي.
اليوم، ونحن ننظر إلى سوريا ما بعد عام 2024، ندرك أن النخبة الحقيقية هي التي نجحت في اختبار الزمن، ولم ترتهن لمصالح زائلة. إن التحدي القادم ليس فقط في إعادة بناء الحجر، بل في ترسيخ مفهوم “الاستحقاق”؛ فبناء سوريا المستقبل يتطلب بالضرورة “جردة حساب” أخلاقية، تضع في ميزانها ليس فقط أفكار النخب، بل نزاهة مساراتهم التي كشفتها سنوات المحنة. إن الثورة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت امتحانًا للهوية السورية؛ فمن صمد بقيمه هو الذي يملك الحق اليوم في صياغة المستقبل، ومن باع—أو اشترى—في سوق السياسة، قد لفظه التاريخ كجزء من أعباء الماضي لا كبنة في بناء المستقبل.






