
بينما تتطلّع الأنظار إلى نجاح الجهود الباكستانية في التوصّل إلى نهاية وشيكة للمواجهة الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة، وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز، ومن اعتداءات على دول الخليج والأردن، وحصار أميركي للموانئ الإيرانية، فإنّ المسلسل الدامي والخطير، وما تسبّب به من خسائر هائلة، قد كشف، في الوقت نفسه، عناصرَ قوّة كامنة لدى الجانب العربي والإسلامي، وهو ما يستحقّ التأمّل فيه والانطلاق منه لتطوير القدرات الذاتية والجماعية، ووضع حدّ لمقولات تبخيس مكانة دول عربية وإسلامية رئيسة وأوزانها.
أثبتت تطوّرات الأشهر الثلاثة الماضية أنّ دول الخليج، على سبيل المثال، ليست حقول نفط وكيانات اقتصادية ناجحة، ولا هي محميات للغرب، بل هي كيانات سياسية مستقرّة ذات قدرات متنامية، بما فيها القدرات الدفاعية، وأنّها، حين يجدّ الجدّ، تملك الدفاع عن شعبها وعن سيادتها، وأنّها نجحت في توظيف الأطر الجماعية ضمن مجلس التعاون لتعزيز إمكانات الصمود أمام الاعتداءات التي استهدفتها، وهو امتحانٌ نجحت هذه الدول في اجتيازه بما يشكّل سابقةً سيكون لها ما بعدها في البناء عليها لتطوير القدرات، مع الاستناد إلى وتائر الصيغة الجماعية لمجلس التعاون الخليجي، وإلى التعاون متعدّد الأوجه مع دول شقيقة وصديقة. وإلى جانب النجاح في مواجهة التهديدات، برهنت دول الخليج على شعور عميق بالمسؤولية عن السلم والأمن في المنطقة، إذ بذلت جهوداً موصولةً لوقف الحرب، وألقت بثقلها عبر دبلوماسية متعدّدة الوسائل لوقف الحرب، وحافظت على خطوط الاتّصال مع إيران، على الرغم من سلوك طهران العدائي، وهو نجاح سياسي ودبلوماسي يضاف إلى النجاح الدفاعي في التعامل مع التهديدات.
كما برهنت تطوّرات الأشهر الثلاثة الماضية أنّ دولةً متوسّطةً مثل باكستان قادرةٌ على أداء دور سياسي ودبلوماسي فعّال، وذلك في ظلّ توافر الإرادة السياسية والثقة الكافية بالذات، وحسن استثمار الأوراق السياسية، كما هو الحال مع علاقات الثقة التي بنتها القيادة العسكرية والسياسية في إسلام أباد مع إدارة دونالد ترامب، على الرغم ممّا ينوء به هذا البلد من مشكلات اقتصادية واجتماعية. ومن المفارقات أنّ التحرّك الباكستاني باتجاه إطفاء الحرب في المنطقة قد أدّى، في إحدى نتائجه العرضية، إلى توقّف المواجهات بين باكستان وجارتها المنغلقة أفغانستان، وبدعم صيني ملحوظ. وقد كان من شأن النجاح الدبلوماسي للقيادة الباكستانية تحسين مكانة هذا البلد، سواء على الصعيد القارّي الآسيوي، أو مع الغرب، أو مع الدول العربية والإسلامية، وهو نجاح يتطلّب، من أجل تعزيزه، مواجهة التحدّيات الداخلية بغير إبطاء، وإنهاء ظاهرة المليشيات العرقية والطائفية في هذا البلد، ومن دون الاتكال على الحلول الأمنية وحدها، بل كذلك عبر الاحتواء السياسي وتعزيز مفاهيم دولة القانون، وجعل ما هو للجيش للجيش، وما هو للسياسة للساسية.
سبق لزعماء إسرائيليين، منهم شمعون بيريس، أن تحدّثوا عن جامعة شرق أوسطية بديلة من جامعة الدول العربية
وحظي التحرّك الباكستاني، كما هو معلوم، بدعم واسع من مصر والسعودية وقطر وتركيا وعُمان والأردن وماليزيا ودول أخرى، وهي من المرّات القليلة التي تشهد دعماً ملموساً من دول عربية وإسلامية لطرف إسلامي ينشط لوقف كارثة تتشارك في صنعها الدولة العظمى أميركا، مع دولة إقليمية كبيرة هي إيران، ودولة ثالثة تمتهن الحروب والاعتداءات على الغير مدفوعة بأيديولوجية عنصرية وتوسّعية، وهي إسرائيل. وعلى الرغم ممّا تمتلكه هذه الدولة من قدرات عسكرية كبيرة نتيجة التغذية الغربية لهذه القدرات، فإنّ الوزن السياسي للدولة العبرية، وما يتّصل به من مصداقية، أخذ يتآكل ويضمحلّ بصورة مطّردة.
لقد كشف النجاح الذي تحقق، على الرغم من الخسائر الاقتصادية الجمّة، أنّ ثمّة كتلة عربية إسلامية ذات شأن ووزن في الموازين الإقليمية، وأنّها باتت تتمتّع بالاحترام لدى المراكز الدولية في الشرق والغرب. والأمر الذي يستدعي التأمّل أنّ الدول التي تمثّل هذه الكتلة لا تدرك بصورة كافية ما تمتلكه من قدرات جماعية، وبخاصّة حين تُفعّل هذه القدرات في الأزمات، وحين تستيقظ الروح الجماعية ويمتلك أصحابها زمام المبادرة. ولنا أن نتخيّل لو أنّ أمر التعامل مع المواجهة الخطيرة بين أميركا وإيران، وباتت دول الخليج مسرحاً لها، ولم تنته مفاعيلها بعد، لو أنّ التعامل مع هذه الأزمة عُهد به إلى جامعة الدول العربية أو إلى منظّمة التعاون الإسلامي، فأيّ أداء كان يمكن أن يخرج من هاتَين المنظّمتَين الإقليميتَين، عدا البيانات والمناشدات وتشكيل وفد وزاري يطوف بين واشنطن وطهران وعواصم أخرى؟
لا تدرك دول عربية وإسلامية ما تمتلكه من قدرات جماعية تُفعّل في الأزمات
لقد برهنت التطوّرات الدراماتيكية أخيراً أنّ هاتَين المؤسّستَين (والأولى تحديداً) عاجزتان عن التعامل مع التحدّيات الجسيمة، وأنّ الجامعة العربية، خصوصاً، في حالة موت سريري مديد. ويسترعي الانتباه أنّها صمتت عن (وغابت من) التطوّرات المُستجَدّة، حتى إنّ الاجتماع الدوري السنوي للقمّة العربية الذي تنظّمه لم يُعقد هذا العام، من دون أن يشير الناطقون باسم الجامعة إلى هذا، ومن غير أن يتنبه كثيرون لهذا الغياب، وهو ما يثير الحاجة إلى مراجعة أمر وجودها واستمرارها، بعد أن دلّت التطوّرات على أنّها هيكل عاجز فاقد للحياة والحركة.
سبق لزعماء إسرائيليين، منهم شمعون بيريس، أن تحدّثوا عن جامعة شرق أوسطية بديلة من جامعة الدول العربية، ومن الواضح أنّ إدارة ترامب، مع حكومة نتنياهو التوسّعية، تسعى في هذه الآونة إلى رؤية شرق أوسط جديد تقوده الدولة الأشدّ تطرّفاً وعدوانية، والأكثر انفصالاً عن بيئة الشرق الأوسط، والأشدّ عداءً لتركيبته الثقافية والحضارية، وهي دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي مواجهة هذا، الحاجة قائمةٌ وماسّةٌ إلى منظّمة إقليمية عربية إسلامية تتولّى التعبير عن حقوق ومصالح دول وشعوب منطقتنا، وتنأى بنفسها عن الأداء البيروقراطي وتدبيج البيانات، وتمتلك ميثاقاً لعملها قائماً على استقلال الدول الأعضاء والدفاع الجدّي (والملموس) عن الكيانات السياسية، ضمن إطار ناظم وملزم للأمن الجماعي. وسواء كانت هذه المنظّمة المقترحة بديلاً من الجامعة، أم تنشأ في موازاتها، أم تحمل مسمّى جديداً، فالمهمّ أن تستعيد الدول العربية والإسلامية زمام المبادرة، وتُحسن التنسيق بينها، وتُرسي أطراً جماعية لهذا، وتضع حدّاً لسياسة اختراق المنطقة وإنكار حقوق الشعوب، وتبدي الاستعداد لمجابهة أيّ تهديد كالذي يتعرّض له لبنان وسورية، وما يتعرّض له الشعب الرازح تحت الاحتلال من توحّش متمادٍ، فضلاً عن التعامل مع الأزمات كالحرب الدامية المريرة في السودان.
المصدر: العربي الجديد






