
فوجئ كثر بتفنيد رواية عاطف نجيب الذي اقتلع أظافر الأطفال في درعا، وتسبب بقيام الثورة السورية. بعض الذين فوجئوا هم من الموالين السابقين أيام الأسد، وقد أتى تكذيب الرواية كأنّما ليؤكد لهم صواب مواقفهم القديمة المُنكِرة للقصة المتداولة، والغريب أنهم فوجئوا بما يُفترض أنه يلاقي أقوالهم السابقة. لكن، ثمة أيضاً أولئك الذين ناصروا الثورة بصدق، وخذلهم ما آلت إليه، بما في ذلك وصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم، وراحوا على نحو أو آخر يعبّرون عن ندمهم على الثورة.
الندم على الثورة شائع، وقد حدث في الكثير من البلدان بعد أن انتهت الثورة إلى غير ما كان يشتهي أبناؤها. وفي التاريخ ليست نادرة هي الثورات التي انتهت على نحو مخيِّب للآمال، أو تلك التي وجد فيها أبناؤها أنفسهم على المقاصل أو المشانق، من قبَل شركاء مزعومين في الثورة ذاتها. لكن ذلك الندم لم يمنع تكرار الثورات في البلدان “النادمة” ذاتها، أو في بلدان أخرى لم يكترث أبناؤها بعبرة الندم.
والواقع أن الذين يكررون الثورات لا يضعون أمامهم كتالوج الثورات الفائتة، الخائبة منها قبل الناجحة، ليتعظوا بها. فالثورات لا يقوم بها أناس ثوريون على مثال صورة رومانسية شائعة، وهي أصلاً لا تحدث إلا عندما تنعدم وسائل التغيير الأخرى، لتكون الثورة بمثابة مكروه لا بد منه. الأمر هنا ليس كلاماً عن الحتمية، إلا تلك الحتمية التي تصنعها الأنظمة نفسها إذا تستعصي على السياسة، وإذ تملك ما يكفي من الطاغوت والمقدرة لتسدّ منافذ التغيير.
في أحسن أحوالها، يجوز اعتبار تلك الرواية عن قيام عاطف نجيب باقتلاع أظافر أطفال درعا بمثابة الشرارة التي أشعلت انتفاضة شعبية واسعة. لكن هذه الرواية لا تقول شيئاً عن الأسباب العميقة للثورة، بل (على العكس تماماً) كان تداولها التحريضي هو على حساب إظهار المبررات الكثيرة جداً للثورة. والحق أنها رواية سطحية مختصرة، ومن غير اللائق اعتمادها كمبرر أكبر للثورة، واستسهال القول إنها كذلك يشبه استسهال التنكّر لها على خلفية انكشاف أنها ملفّقة، لأن الإعلاء من شان الرواية ثم التنكر للثورة مع انكشافها مترابطان كالعلّة والسبب.
خلال عقد ونصف بعد اندلاع الثورة، حُكيَ الكثير عن المجازر وعن الطائفية، حتى نُسيت عمداً أسباب الثورة التي اندلعت في منتصف آذار 2011. بل صار التذكير بما كان عليه الحال عشيّتها مكروهاً، ويُنظر إليه على أنه مديح الأسد وذمٌّ السلطة الحالية. والأصل منطقياً أن الاستغلال الإعلامي لمجازر الأسد قد ولى زمنه، سواء كان لإقناع العالم بأحقية الثورة، أو لمزيد من التحشيد في الداخل. والغاية الوحيدة النبيلة التي تبرر استحضار ذكرى المجازر هي الوفاء للضحايا، ويكون هذا بطلب العدالة، وبرفض أية مجزرة جديدة.
فيما عدا ذلك، يبدو ضرورياً استحضار ما كانت عليه سوريا عشية الثورة، من دون “ولكن..”، ومن دون القول إن الحرب أعادت البلد عقوداً إلى الوراء. فهذا يصحّ على الدمار، ويُفترض ألا يصحّ على الوعي، وإلا فسنكون أمام بلد لا رجاء منه. الذين باتوا ينظرون إلى الحقبة الأسدية بأكملها على أنها “جاهلية” لا يفعلون شيئاً سوى تعميم الجهل بها، وبأسباب الثورة عليها. ونستطيع القول إن الأسباب تمتد إلى العشرية السوداء، في عقد الثمانينات، ومرة أخرى من دون حصر الأسباب بالمجازر أو بالجانب الطائفي.
في أواخر السبعينيات استشرس حافظ الأسد من أجل القضاء على ما تبقى من التجربة النقابية، وعلى التنظيمات الحزبية التي نشطت سراً في ذلك العقد، ومنها تنظيم الإخوان المسلمين والتنظيمان اليساريان: حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي/ المكتب السياسي. وفضلاً عن المجازر الصغيرة التي تُوِّجت بمجزرة حماة الكبرى، فقد شهد منتصف العشرية السوداء البدء جدياً بمشروع التوريث، بعد إقصاء الأخ لمصلحة الابن. واقتضى المشروع تجريف رجالات الأسدية نفسها لمصلحة الوريث المقبل، ليُستكمَل تصحير البلد سياسياً.
بينما راحت أنظمة وراثية تخفف من الحكم المطلق كان الأب، ثم وريثه، يعملان على تكريس حكم العائلة المطلق الذي يستأثر بالسلطة والثروة معاً. لقد قضى الاثنان على جميع فرص السياسة بوصفها صمام أمان للبلد ككل، وصمام أمان يقي من الوصول إلى المواجهة القصوى؛ أي الثورة. ولأن الأمر كان على هذا النحو سيكون الندم على الثورة نوعاً من تأثيمٍ ذاتي مجاني يقوم به الذين لم يتسببوا بها حقاً، ومشاركتهم فيها مدفوعة بالضرورة؛ الواقعية أو الأخلاقية.
لكن بالتأكيد ثمة ندم مستحق، فإذا كان الأسد قد صنع بنهجه الثورةَ عليه فهو غير مسؤول عن تفاصيلها، ولو من باب المقولة الشائعة أن المعارضات والثورات تشبه الأنظمة التي تثور عليها، أو لا بد أن تكون متأثرة بها. الثورة شرٌّ لا بد منه، إلا أن هذا لا يعني بالتأكيد أن تكون هي نفسها مليئة بالشرور، وأولها التشبّه بما ثارت عليه. وأسوأ ما حدث للثورة السورية أن أنصارها وضعوا نهج الأسد معياراً يقيسون عليه، وأصبح كل ما دون البراميل المتفجرة والمسالخ البشرية مقبولاً، بل وجدت الطائفية كثر ممن يقبلون بها، أو يتغنّون بها مبررين لها بأنها طائفية مقلوبة.
أيضاً الندم على خطايا الثورة وأخطائها ليس ترفاً سياسياً أو ثقافياً، هو تحسُّبٌ وتعلّم من أجل ثورة لاحقة قد تكون أيضاً شرّاً لا بد منه، ومن أجل مستقبل لا تكون فيه الثورات ممراً إجبارياً للتغيير. والإشارة واجبة إلى أن نسبة وازنة من السوريين لم تتعلم بعدُ هذا الدرس، ويمكن تخصيصها بأنها هؤلاء الذين لا ينظرون إلى السلطة الحالية بوصفها مؤقتة، ويجب أن تؤدي مهامها الانتقالية، مثلما كان يُنظر من قبل إلى المرحلة الانتقالية كتهيئة للانتقال الديموقراطي. وهي سلطة يجب أن تكون مؤقتة كما تنظر معظم السلطات المعاصرة إلى نفسها بوصفها هكذا؛ لا تملك تفويضاً أبدياً، لا أرضياً ولا إلهياً.
إن أسوأ حال هو أن ينقسم السوريون بين نادمين على الثورة، وبين صانعي أسباب ثورة جديدة، فهذا الانقسام ليس سياسياً بطبيعته. ويمكن بسهولة ملاحظة أن انقسامات السوريين الجديدة بمعظمها على شاكلة انقسامات الثورة، مع تبادل في المراكز والأدوار، بما في ذلك الاستقواء بالخارج بوصفه بديلاً مفضَّلاً على الداخل. هذا التبادل لا يعني بالتأكيد أن ثورة جديدة تلوح في الأفق القريب أو المتوسط، فالعديد من بلدان المنطقة يعيش حالة من الاستعصاء السياسي المزمن، وسوريا قد لا تكون استثناءً.
المصدر: المدن






