
عبد الله مكسور روائي سوري متميز، قرأت له أغلب رواياته؛ عائد إلى حلب وايام في بابا عمرو وطريق الآلام ويوميات ابناء البحر، ورواية 2003…
رواية عبد الله مكسور الجديدة عبور مؤجّل يقول عنها انها قصة حقيقية، وهذا يعني انها اقرب لسيرة ذاتية منها الى رواية.
عوّدنا عبد الله مكسور ان يكون صميميا وعميقا ويدخل في تفاصيل المعاش لشخصيات رواياته، كما لا تغيب عنه المسارات التي توضح تطور العمل الروائي ليصل الينا نحن القراء مكتملا.
يبدأ عبد الله مكسور روايته عبور مؤجّل من سرد ملخص مركز عن حياته في السنوات الاخيرة، علمنا أنه من مدينة حماة السورية وأنه خرج منها في ظروف الثورة السورية ربيع عام ٢٠١١م، التي انتمى لها، وحماية لنفسه من بطش النظام، متنقلا بين بلدان اوروبية كثيرة، وأنه حصل أخيرا على جنسية احداها، واصبحت حركته اكثر سهولة، متنقلا بين لندن والدوحة ، حيث كان يعمل في المجال الصحفي الاعلامي في قناة الجزيرة، وأنه تعرّف على الفلسطيني ناجي التميمي ابن مدينة الخليل الفلسطينية اللاجئ مع عائلته في الاردن، حصل ذلك قبل سنوات من خلال العمل بقناة الجزيرة.
تقطن عائلة ناجي التميمي في عمّان بعد ان سيطر الاحتلال الصهيوني على كامل فلسطين بعد حرب ١٩٧٣م.
يعود عبد الله مكسور الى تاريخ عائلته التي كان قد استقر جده فيها منذ قرن تقريبا، واكتشف ان جده كان تاجرا جوالا للسجاد وأنه بالاصل من مدينة عكا في فلسطين، وان جده وعبر تجواله بتجارته وصل الى حماه واستقر بها قبل قرن من الآن.
استقر في ذات عبد الله مكسور هاجس ان يذهب الى فلسطين التي تشكل في ذاته وطنا آخر؛ بؤرة انتماء وألم ووفاء وحنين. يزور عكا وكل مدن فلسطين ليتشبع من هذه البلاد التي كانت لنا واستباحها الصهاينة، والتي مازالت في اعماق وجداننا لنا وستبقى كذلك.
تشجع عبد مكسور لتنفيذ فكرة زيارة فلسطين خاصة بعدما حصل على الجنسية الاوروبية واصبحت فرص نجاح ذهابه الى هناك ممكنة اكثر.
تعثر تنفيذ الحلم عند عبد الله مكسور لسنوات لأنه اكتشف انه مصاب بالسرطان. ودخل رحلة علاج مديد وطويل. كان يتعالج في عمّان بالاردن وتماثل للشفاء.
التقى بصديقه الحميمي الاصيل ناجي التميمي ابن فلسطين في عمّان وتحدث معه عن حلمه بالذهاب الى فلسطين قاصدا عكا مهد جدّه الأول و القدس وبقية مدن فلسطين. وسرعان ما قرر ناجي أن يكون في صحبته في هذه العودة إلى فلسطين.
كان الاتفاق ان يكون العبور عن طريق الاردن برا في جسر العودة .
بدأت رحلة العودة منذ لحظة ركوبهم باصات توصلهم الى الجسر وهناك حيث يصطفون بطوابير بين الفلسطينيين الكثر الذين يتنقلون بين الضفتين الغربية في فلسطين والشرقية الاردن. وان هناك مزايا للاجانب، حيث كان عبد الله وناجي حاصلين على الجنسية الاجنبية.
لقد استفاد ناجي وعبد الله من خبرتهما السابقة من تقنيات التعامل مع المحققين الصهاينة الذين سيلتقون بهم لاحقا، ليحققوا معهم حول كل شيء بحياتهم. ولماذا جاؤوا الى فلسطين ومن يعرفون هناك وماذا يريدون ومن سيزورون.. الخ. حضروا عقولهم لاستجواب طويل.
وصلوا المعبر انتظروا لساعات راقبواطابور العابرين الفلسطينيين. رمز الذل وهدر الكرامة. واما هم فقد وضعوهم في ظروف وشروط تجعلهم يدرسون لغة اجسادهم اكثر من اجوبتهم عن التساؤلات. كان تحقيقا مدروسا بدقة محققتان وهاتف يتابع، واسئلة عن كل شيء ويبدوا انهم يعرفون كل شيء.
كانت اجواء الاستجواب والقائمين فيه حرفية جدا، وقادرة على التقاط أدق التعابير والتصرفات والبناء عليها. كتب الصهاينة في المعابر جملا معبرة بعضها من القرآن: “ليس المهم من قال المهم ما قيل”. كذلك ايه: “اقرب اليهم من حبل الوريد”… الخ.
لم يكن عبد الله مكسور مغمورا، كان صحفيا له حضوره ومدرب على التقنية الصحفية وله الكثير من الصحفيين الذين يعرفونه ويعتبرونه نموذجا يحتذى. كل ذلك لم يكن في ميزان ايجابيات السماح له في الدخول… كما موقفه من كل قضايا العالم المعاصرة بما فيها ثورات الربيع العربي وقبلها احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق و موقفه من كل ذلك…
استمر التحقيق والانتظار قبله والانتظار بعده الى اكثر من عشر ساعات عاشها ناجي وعبد الله، كل على حدى بالتحقيق. وعادا مع بعضهما ينتظران قرار الاستخبارات الإسرائيلية الشاباك. هل يعبرون إلى فلسطين ام يرفض طلبهم؟.
جاء الجواب بعد انتظار لساعات، الذي كان برفض دخولهم إلى دولة الصهاينة. قرارا استلموه ورقة مدموغة.
لم يكن غريبا أن يمنع الصهاينة ناجي وعبد الله من الدخول الى فلسطين التي حولها الصهاينة الى دولتهم. ولأن الصهاينة دولة استخبارات ومعلومات فقد تحروا عن عبد الله ابن الثورة السورية والذي كتب عنها العديد من الروايات والذي عبر في دورات التدريب الصحفي او في اي لقاء عام او خاص عن موقفه من الصهاينة. فكانت النتيجة ان رفضوا دخوله دولتهم التي هي فلسطيننا. وكذلك ناجي التميمي الذي رُفض لذات الأسباب وزاد فيها ان جد ناجي كان من المناضلين الذين كان لهم دور مع دولة الأردن ضد الصهاينة منذ حرب ١٩٥٦م وبعدها في معارك الكرامة ضد الصهاينة بعد حرب ١٩٦٧م. وكيف اكتشفه الصهاينة و اعتقلوه وعذبوه كثيرا كان جاسوسا يعمل لصالح الأردن في الضفة الغربية. تم الافراج عنه بدلا عن ضابط صهيوني وقع بيد الأردنيين. إذن ناجي سليل مناضلين فلسطينيين. لن يسمحوا له بالدخول…
تنتهي الرواية – السيرة بما ورد في ورقة المنع من الاقتراب من حدود الكيان الصهيوني .
في التعقيب على الرواية اقول:
مرة اخرى اجد نفسي مندهشا في درجة صميمية وحميمية هذه الرواية التي كتبها صديقي عبد الله مكسور. نعم نحن السوريون يسكن في داخل كل من ذواتنا آخر فلسطيني نتعايش معه أكثر من قرابة واعمق من انتماء. لعل القهر واللجوء والتشرد والمأساة التي عاشها أهلنا في فلسطين ما عايشه اهلنا وعلمناه منهم وما عايشناه نحن عبر أكثر من قرن، وما عشناه كتجربة في حياتنا واجسادنا وغربتنا و موتنا نحن السوريين في تجربة ثورتنا الممتدة أربعة عشر عاما. وماعشناه من عذاب وتعذيب وقتل وتهجير مثلما عاشها أهلنا الفلسطينيين مكثفا بسنوات قليلة.
ليس غريبا أن نشعر بالانتماء والقربى لفلسطين واهلها. لقد كنا بالأمس جزء من بلاد الشام نحن السوريين والفلسطينيين واللبنانيين وأهلنا في العراق والأردن. وبالأمس كنا امتداد للجزيرة العربية منذ ما قبل بعثة نبينا محمد ص ، وكذلك عمقنا العربي والإسلامي في امتداد الجغرافيا المحيطة.
نعم لن يشرعن الكيان الصهيوني هذا التوحش في حضورهم لفلسطين مستعمرين متوحشين مع المستعمر الانكليزي ، استمروا على هذا النهج المتوحش الى الآن، لكن كل أفعالهم لن تمنع حتمية استئصالهم يوما. لأنهم غرباء وعابرين ولم يحققوا أي شرعية إلا شرعية القوة والتوحش…
التوحش سيرتد عليهم والقوة تتغير ظروفها وسيأتي يوم نعبر الى فلسطين نحن او اولادنا او احفادنا… نؤمن بذلك ايماننا بعدالة الله ، كما حصل مع السوريين بانتصار ثورتهم.
نعم اخي عبد الله مكسور انه عبور مؤجل…






