هل خدعتنا أسطورة “أنثروبيك”؟

  مصطفى البقالي

                                                                     

في لسان اليونان القدماء، تحمل مفردة “ميثوس” دلالتَين متلازمتَين: الحكاية التي تُروى بوصفها واقعة، والأسطورة التي تُصاغ ليصدّقها الناس. اختارت شركة أنثروبيك هذا الاسم بالذات لنموذجها الجديد في الذكاء الاصطناعي، فحسمت المسألة منذ التسمية، وهي تعرف ما تفعل. الحكاية تستمدّ بقاءها من صلابة الحدث، والأسطورة تستمدّ سطوتها من سذاجة المصدّقين، وما بينهما يتّسع الفضاء الذي تتاجر فيه الشركة بأنفَس بضاعةٍ في أسواق النفوذ المعاصرة: الخوف.
تأخذنا دهاليز السياسة الأميركية، أحياناً، إلى مفارقات تفضح عبثها أكثر من مسرحيات صموئيل بيكيت تطرّفاً. فالإدارة التي اعتادت إشهار سيف المقاطعة والحظر في وجه خصومها الخارجيين، ترفعه هذه المرّة على من يُفترض أنّه من جلدتها. البيت الأبيض أمر وكالاته الفيدرالية بمقاطعة “أنثروبيك” عقاباً لها على تمرّد علني واجهت به وزارة الحرب، حين رفضت أن تستخدم تقنياتها لتطوير أسلحة ذاتية التشغيل أو دعم منظومات المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة.
ثمن هذا “الموقف الأخلاقي” كان إغلاق الأبواب السيادية في وجهها. غير أنّ 7 الشهر الماصي (إبريل/ نيسان 2026) حمل معه نقطة التحوّل الدرامية، حين أزاحت الشركة الستار عن نموذجها الجديد “Claude Mythos Preview”. في غضون عشرة أيّام لا غير، تلقّت الشركة عروض استثمار تُقيّمها بـ800 مليار دولار، وهو ضعف تقييمها قبل ذلك بأسابيع فقط.

أمر البيت الأبيض وكالاته الفيدرالية بمقاطعة “أنثروبيك” عقاباً لها على تمرّد علني واجهت به وزارة الحرب

الانقلاب لم يكن تقنياً أو تجارياً فقط. في يوليو/ تموز من العام الماضي (2025)، انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب محاولات تنظيم الذكاء الاصطناعي، واصفاً إيّاها بـ”القواعد الغبية” التي لن يسمح لها بإيقاف التقدّم. بعد عشرة أشهر، يناقش البيت الأبيض رقابة حكومية مباشرة على نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية. وقبلها، يستقبل المدير التنفيذي لـ”أنثروبيك” داريو أمودي.
في الوقت نفسه، يبعث مدير المعلومات الفيدرالي في مكتب الإدارة والميزانية رسالةً إلى وزارات الحرب والخزانة والتجارة والأمن الداخلي والعدل والخارجية، يخبرها بأنّ نسخة من النموذج ستُتاح لها “في الأسابيع المقبلة”. لكن موقع أكسيوس يكشف أنّ وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) تستخدم “ميثوس” فعلياً، رغم أنّ وزارة الحرب، التي تشرف على الوكالة، ما زالت تُحاجج في المحاكم بأنّ “أنثروبيك” “تهديد لسلسلة التوريد” يجب مقاطعتها. ما الذي تغيّر إذاً في هذه الأيّام العشرة؟
من الواضح أنّ الشركة، التي بدأت تتقن لعبة ترويض الكبار عبر إرعابهم، تشبّثت بـ”شروطها الأخلاقية”، ولم تتنازل لضغوط البنتاغون (على الأقلّ ظاهرياً) واكتفت، في المقابل، باستعراض صامت للقوة بإعلانها نموذجاً يختزل أشهراً من محاولات الاختراق المضنية في دقائق. في تلك اللحظة أدركت واشنطن، بمنطق براغماتي، أنّ استمرار الحظر يعني حرمانها من أداة دفاعية قوية.

دائرة مغلقة
في بيان إطلاق “ميثوس”، قدّمت “أنثروبيك” نموذجاً قادراً على اختراق أنظمة التشغيل والمتصفّحات والبنى التحتية، مثل الشبكات الداخلية للبنوك والمستشفيات ومحطّات الطاقة وأنابيب المياه. ثم قرّرت، في اجتماعات قيادتها، أنّها لن تُطلقه لعامّة المستخدمين، متذرّعةً بقدرته الذاتية على استثمار الثغرات وتوظيفها في مسارات “شريرة” متى أفلت من عقاله.
قالت الشركة، في اختباراتها الداخلية، إنّ النموذج اصطاد ثغرات “اليوم الصفر” (Zero-day)، وهي العيوب التي يجهلها صنّاع البرمجيات أنفسهم. وتُسمّى كذلك لأنّ الشركة التي تصنع النظام، مثل مايكروسوفت أو أبل، تكتشف الثغرة في اليوم الذي يُخترق فيه نظامها. كما استخرج النموذج ثغرة في نظام OpenBSD الذي تقوم عليه الجدران النارية لأكثر خوادم الإنترنت أهمّيةً، وهي ثغرة ظلّت متواريةً عن أعين الخبراء 27 سنة في نظام صُمّم ليكون عصيّاً على الاختراق. وفكّك أيضاً عيباً في برمجيات FFmpeg أفلت سابقاً من خمسة ملايين فحص آلي.

في بيان إطلاق “ميثوس”، قدّمت “أنثروبيك” نموذجاً قادراً على اختراق أنظمة التشغيل والمتصفّحات والبنى التحتية، مثل الشبكات الداخلية للبنوك والمستشفيات

بحسب سردية الشركة، فإنّ إطلاق نموذج “مارد” كهذا للعامّة يعني وضع قدرات هجومية هائلة في يد “الأشرار” قبل “الطيّبين”، ولهذا تبرّعت الشركة بالقيام بدور “الحامي”، من دون أن نفهم هنا من يكون الذئب ومن يكون الراعي. لكن الشركة تخبرنا أنّها أسّست تحالفاً سمّته “Project Glasswing”، يضمّ 12 شريكاً ضمن دائرة أوسع تقارب 40 مؤسّسة، ومنحتها حصرياً حقّ الولوج. تضمّ القائمة حلفاء من وزن “مايكروسوفت” و”غوغل” و”أمازون” و”أبل”، وهي الشركات نفسها التي تمدّ “أنثروبيك” بالرقائق وتضخّ فيها المليارات. دائرة مغلقة من المصالح، يستثمر أطرافها بعضهم في بعض.
لكن بينما قاطعت الإدارة الأميركية شركة “أنثروبيك”، كانت “وول ستريت” تتسابق للاستثمار فيها. في الأسبوع نفسه الذي أعلن فيه البيت الأبيض الحظر، ضخّت مجموعة من البنوك الاستثمارية أكثر من مليار دولار في الشركة، ومن المتوقّع أن تستثمر كل من “بلاكستون” و”هيلمان وفريدمان” حوالي 300 مليون دولار، و”غولدمان ساكس” 150 مليوناً، ليصل حجم الاستثمارات حتى الآن إلى مليار ونصف المليار دولار.

أخطر من “هرمز
حين تُصاغ الأسطورة بإتقان، تتجاوز ترويع العامّة إلى استدراج النُّخبة نفسها. داخل مقرّ صندوق النقد الدولي في واشنطن، تنقل “الغارديان” البريطانية استعارة معبّرة لوزير المالية الكندي فرانسوا فيليب شامبين، الذي اعتبر أنّ إغلاق مضيق هرمز أهون من نماذج الشركة: “نعرف أين هو ونعرف حجمه، لكنّ أنثروبيك مجهول داخل المجهول”. يتطلّب الأمر، في رأيه، كثيراً من الانتباه “للتأكّد من وجود ضمانات تحفظ استمرار مرونة النظام المالي”. أمّا محافظ بنك إنكلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي العالمي، أندرو بيلي، فطرح السؤال: “ما اللحظة المثلى لوضع قواعد الطريق؟ إن ذهبنا مبكّراً، خاطرنا بتشويه التطوّر. إن تأخّرنا، فقد تخرج الأمور عن السيطرة”.
ويبدو أن شعور اللايقين تتخبط فيه واشنطن أيضاً، إذ لا يبدو أنّها تمكّنت من تحديد الطريقة المثلى للتعامل مع “ميثوس”. في مقابلة مع قناة CNBC الأميركية، يصف كبير مسؤولي التكنولوجيا في وزارة الحرب، إميل مايكل، الاعتماد على الشركة بأنّه يمثّل “خطراً على سلسلة التوريد”، أمّا التحدّيات المرتبطة بقدرات نموذجها “ميثوس” في اكتشاف الثغرات السيبرانية، فيعتبرها “مسألة أمن قومي منفصلة” تتطلّب تقييماً من مختلف الوكالات الحكومية. لكن الحكاية التي دفعت محافظي البنوك إلى الذعر، تجد من يشكّك فيها من داخل “وادي السيليكون”، وحتى من داخل الشركة. جاء الردّ الأول من كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة ميتا، يان ليكون، الذي وصف الحديث عن القدرات الاستثنائية لنموذج “ميثوس” بـ”هراء ناتج من خداع الذات”.
هذه “المبالغات”، كما يعتقد ليكون، الذي يعمل مع شركة منافسة لـ”أنثروبيك” في إنتاج نماذج الذكاء الاصطناعي، تدعمها أصوات أخرى من داخل مجتمع الأمن السيبراني، مثل مختبر يُدعى “Vidoc”، اختبر باحثون فيه الثغرات التي تفاخرت “أنثروبيك” بكشفها على نماذج متاحة للعموم، مثل GPT-5.4 وClaude Opus 4.6. واستخدموا في ذلك أدوات برمجية مجّانية متاحة لأيّ مُستخدِم. وكانت النتيجة أن نجحت هذه النماذج في تحديد مجموعة من تلك الثغرات وتفكيكها بتكلفة لا تتجاوز ثلاثين دولاراً للملفّ البرمجي.

يعرف “ميثوس” جيّداً، بحكم برمجته، لعبة التماهي مع رغبات المبرمجين والمراقبين، وإظهار ما يرغبون في رؤيته

كما يرصد متخصّصون في الأمن السيبراني أن أدلّة التشكيك في قدرات “ميثوس” لا تأتي في بحوث “المعارضين” أو المنافسين فقط، بل تجدها أيضاً في الوثيقة التي تنشرها “أنثروبيك” مع كلّ نموذج جديد، تفصّل فيها قدراته ومخاطره من خلال ما رُصد في اختباراته. تعترف الشركة، في وثيقة “ميثوس”، بظاهرة سمّتها بـ”الوعي الاستباقي بالمُقيِّم”، والمُقيِّم هنا هو الباحث البشري أو برنامج الاختبار المكلّف بمهمة التحقّق من أنّ النموذج آمن. توضّح الشركة أنّها اكتشفت أنّ النموذج يعرف متى يُختبر، ويتظاهر بالامتثال، ويتلاعب بالنتائج، ويمسح آثاره البرمجية حين يشكّ في أنّ خلفه مراقباً.
باختصار، نحن نعرف خطورة “ميثوس” لأنّ الشركة تُحذرنا منه، والشركة تستمدّ يقينها من نتائج اختبارات الأمان. واختبارات الأمان نفسها تستند كلّياً إلى زعم “شفافية” نموذجها. و”ميثوس”، بحكم برمجته، يعرف جيّداً لعبة التماهي مع رغبات المبرمجين والمراقبين، وإظهار ما يرغبون في رؤيته.
لكنّ من المهمّ والمنصف أيضاً الإشارة إلى هذه النظريات من دون وقوع في الجزم. ما هو مؤكّد أنّنا نقف أمام نموذج ذكاء اصطناعي قوي واستثنائي، ولا يمكن لأحد أن يحسم في مدى قدراته وإمكاناته، وحتى من ينظرون إليه بعين الريبة، لم يجرّبوه حتى الآن.

جديد اللعبة وفجوة التصحيح
ما هو مؤكّد أيضاً أن “أنثروبيك” لم تعد تلعب وحدها في الساحة التي خلقتها، أو على الأقلّ هناك من أصرّ على إيصال هذه الرسالة إليها، ولصنّاع القرار في البيت الأبيض. في الأوّل من الشهر الجاري (مايو/ أيار)، وبينما كان الجميع منشغلاً بالحديث عن إمكانات “ميثوس” وخطورته، كان سام ألتمان، صاحب شركة OpenAI (مالكة ChatGPT)، يجهّز لإعلان نموذج GPT-5.5-Cyber، المخصّص أيضاً (ويا للصدفة!) لاكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها.
يؤكّد متخصّصون أنّ هذا النموذج الجديد ليس أقلّ كفاءةً من “ميثوس”، وتثبت اختبارات معهد سلامة الذكاء الاصطناعي البريطاني أنّ GPT-5.5 نجح في إنجاز معظم المهام الصعبة بشكل أفضل من نموذج “أنثروبيك”، رغم أنّ الفارق كان محدوداً (71.4% مقابل 68.6%)، وأكمل مهام تستغرق من خبراء بشريين اثنتي عشرة ساعة في عشر دقائق فقط، وبتكلفة دولار وثلاثة وسبعين سنتاً من الرسوم فقط.
وعلى خطى “أنثروبيك” أيضاً، قرّرت “أوبن إيه آي” أنّها لن تطلق النموذج للعموم، وستحصر استخدامه في من وصفتهم بـ”المدافعين عن الأمن السيبراني في القطاعات الحيوية”، وتقصد بهم شركات الأمن الكُبرى والبنوك ومزوّدي البنية التحتية الحسّاسة، لكن مع وضع شروط استخدام صارمة والتحقّق من الهُويّة.
لكنّ المفارقة بدأت قبل أسابيع من إطلاق نموذج “أوبن إيه آي” الجديد، حين انتقد ألتمان استراتيجية “أنثروبيك”، وقال بسخرية في مقابلة صحافية: “تسويق الشركة مذهل، كأن تقول: بنينا قنبلةً، سنلقيها على رأسك، وسنبيعك ملجأً بمائة مليون دولار”. ثم أضاف، بما يشبه “النبوءة”: “سيكون هناك كثيرٌ من الخطاب عن نماذج خطيرة جداً للإطلاق”. كان ألتمان يصف خطته المقبلة بطريقته الخاصّة. وحين أُعلن GPT-5.5-Cyber بعدها بأسابيع، طبّق القيود نفسها التي انتقدها، واستخدم الخطاب نفسه عن “تأمين البنية الحرجة”، ومنطق الحجب ذاته باسم الحماية.

نقف أمام نموذج ذكاء اصطناعي قوي واستثنائي، ولا يمكن لأحد أن يحسم في مدى قدراته وإمكاناته

وقد يُقال، في دفاع “أنثروبيك” أو “أوبن إيه آي”، إنّ قلقهما صادق، وإنّ مهندسي الشركتَين يرون من الداخل ما نعجز عن رؤيته من الخارج. كما أنّ حجب النماذج الخطيرة، في عالم يُسابق فيه الجميع نحو الإطلاق من دون تردّد، قرار أخلاقي يستحقّ التقدير، لا التشكيك. هذا احتمال قائم بالتأكيد، ولا يمكن إبعاده بخفة.
غير أنّ حسن النيّة هنا قد يكون له ثمن باهظ، إذ يفتح إصلاح آلاف الثغرات دفعة واحدة باباً خطيراً، لأنّ كلّ تحديث أمني يُطلق للعامّة يتيح للقراصنة أيضاً فهم الثغرات التي اُصلحت، وإعادة استغلالها عبر “الهندسة العكسية” لاستهداف المؤسّسات التي لم تُحدّث أنظمتها بعد. يُسمى هذا “فجوة التصحيح”، وهي النافذة الزمنية بين طرح التحديث وتثبيته على الأنظمة، ويمكن اعتبارها جنّة المخترقين المشتهاة. وتشهد بعض الأرقام على حجم “طوفان التحديثات” المتوقّع. فتنقل صحيفة فايننشال تايمز أنّ بنك Fifth Third الأميركي تلقّى 150 تحديثاً أمنياً من “مايكروسوفت” بعد إطلاق “ميثوس”.

خاتمة: رأسمال الخوف
في اليوم الذي بدأت فيه “أنثروبيك” إتاحة النموذج لشركائها، كشفت صحيفة بلومبيرغ أنّ مستخدمين غير مصرّح لهم قد وصلوا إليه فعلاً. أحدهم كان يعمل في شركة متعاقدة من الباطن، وحين استخدم صلاحيته ومن معه للدخول إلى النموذج، اعترفت الشركة بالخرق وفتحت تحقيقاً.
تفيد الصحيفة بأنّ دافع المجموعة كان الفضول التقني، من خلال نشرهم ما وصلوا إليه عبر منصّة ديسكورد. لكن إن وصل هؤلاء عبر هذا الباب، فمن غيرهم وصل ولم يتباهَ؟ ما نعرفه عن التسريب نعرفه فقط لأنّ من وصلوا أرادوا أن يُعرف، والباب الذي تتحدّث عنه الشركة بوصفه مغلقاً بإحكام كان مفتوحاً منذ اليوم الأول.
في هذه المفارقة الصغيرة، قد نقرأ القصّة كلّها. هل خدعتنا أسطورة “أنثروبيك”؟ السؤال يبقى معلّقاً، إذ لا أحد يستطيع أن يحسم في قدرات النموذج، كما لا أحد يستطيع أن ينفيها بثقة. غير أنّ ما يبقى مكشوفاً، بصرف النظر عن الإجابة، هو اللعبة نفسها: تحويل الخوف إلى رأسمال واستثمارات. فالنموذج الذي وُصف بأنه “خطير جدّاً ليُطلق للعامّة” تسرّب في يومه الأول، فيما الشركة التي نصّبت نفسها حارسة للبشرية عجزت عن حراسة بابها. وفي هذه اللعبة ربحت “أنثروبيك” المليارات والشراكات، واستعادت رضا البيت الأبيض.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى