
في الخامس والعشرين من نيسان 2026، ودّعت سورية قامةً لم تكن مجرد رقم في معادلة السياسة، بل كانت “بوصلة” أخلاقية في زمن التيه. غيب الموت الأستاذ حسن إسماعيل عبد العظيم (أبو ممدوح)، المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، ليُغلق برحيله قوساً طويلاً من النضال الذي امتد لعقود، تميز خلالها بالقدرة الفريدة على المزاوجة بين صلابة المبدأ ومرونة التكتيك، مترفعاً عن الصغائر لصالح حلم الدولة الوطنية الجامعة.
الجذور والتكوين: من جغرافيا حلبون إلى فضاء الحقوق
وُلد حسن عبد العظيم عام 1932 في بلدة حلبون بريف دمشق، تلك البلدة التي تمنح أبناءها صبر الجبال وعمق الانتماء للأرض. نشأ في كنف بيئة ريفية عززت لديه قيم الاستقامة والجد، وهي القيم التي حملها معه إلى دمشق حين التحق بكلية الحقوق في جامعتها العريقة. تخرج عام 1957، في مرحلة كانت فيها دمشق “قلب العروبة النابض” ومختبراً للأفكار القومية واليسارية.
لم يكن دخوله سلك المحاماة مجرد ممارسة مهنية، بل كان انخراطاً في معركة الدفاع عن الحقوق والحريات؛ فغدا مكتبه لاحقاً مزاراً لكل من ضاقت بهم سبل العدالة، وسخر خبرته القانونية لتفنيد المحاكمات الاستثنائية والدفاع عن معتقلي الرأي، مؤمناً بأن القانون هو الحصن الأخير للمواطنة.
المسار السياسي: الوحدوي الصامد في وجه العواصف
تشكّل الوعي السياسي للراحل في أتون المدّ الناصري؛ حيث رأى في الوحدة السورية المصرية (1958-1961) تجسيداً للهوية العربية العابرة للحدود. وعقب الانفصال، كان عبد العظيم من “حراس الهيكل” الذين رفضوا الانكسار، فانخرط في الأطر التنظيمية التي سعت لاستعادة المشروع الوحدوي، من الحزب التعاوني الاشتراكي وصولاً إلى حركة الوحدويين الاشتراكيين.
في 18 تموز 1964، كان من بين بناة “حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي”، الذي أراده تنظيماً يتجاوز عبادة الفرد نحو العمل المؤسساتي الديمقراطي. وقد قاد هذا الحزب لاحقاً في أصعب الظروف، محافظاً على استقلالية قراره ورفضه للانضواء تحت مظلات لا تلبي تطلعات الشعب في التغيير الحقيقي.
مدرسة المعارضة من الداخل: التجمع الوطني وربيع دمشق
آمن “أبو ممدوح” بأن المعارضة ليست مجرد شعارات، بل هي “تراكم وطني”. لذا، كان من مؤسسي “التجمع الوطني الديمقراطي” عام 1978، في خطوة جبارة لتوحيد أطياف اليسار والقوميين. وبصفته ناطقاً رسمياً باسم التجمع، واجه سنوات القمع والاعتقال بهدوء الواثق، متمسكاً بخيار “المعارضة من الداخل”، رافضاً الاغتراب عن نبض الشارع.
ومع حلول عام 2000، كان من آباء “ربيع دمشق”، يغذي المنتديات الفكرية بخبرته، وساهم في صياغة “إعلان دمشق” عام 2005، الذي مثّل أول إجماع وطني معاصر على ضرورة الانتقال الديمقراطي السلمي، بعيداً عن الاستئصال أو الإقصاء.
قيادة الهيئة: اللاءات الثلاث في وجه الحريق
حين اندلعت ثورة الكرامة في آذار 2011، لم يتردد عبد العظيم في الانحياز لمطالب الشعب، لكنه كان يمتلك بصيرة استشرافية حذرت من انزلاق البلاد نحو الهاوية. وبترأسه لـ “هيئة التنسيق الوطنية” في حزيران 2011، صاغ وثيقتها السياسية القائمة على اللاءات الشهيرة:
لا للعنف: إيماناً بأن الرصاص يقتل الثورات كما يقتل البشر.
لا للتدخل الخارجي: حرصاً على سيادة القرار السوري ورفضاً لأن تكون سورية ساحة لتصفية حسابات دولية.
لا للطائفية: حمايةً للموزاييك السوري الذي طالما رآه مصدر قوة لا ضعف.
ظل صامداً في مكتبه بدمشق، يفتح أبواب الحوار مع الجميع، متعرضاً لضغوط هائلة من كافة الأطراف، لكنه بقي “رجل التوافقات” الذي يرى ما لا يراه الآخرون في ليل الأزمة الحالك.
رحل الأستاذ حسن عبد العظيم بعد مسيرة نضالية ناصعة، تاركاً خلفه عائلة كريمة، وتاريخاً مدوناً في مئات المواقف والبيانات التي ستكون مرجعاً للأجيال القادمة في دراسة تاريخ العمل الوطني السوري.
رحل “شيخ المعارضين” وقد علّمنا أن السياسة أخلاق أو لا تكون، وأن الوطن أكبر من الأحزاب والشخوص. سيبقى عزاؤنا في تلك المنارة التي تركها؛ منارة تؤكد أن التغيير الوطني الديمقراطي هو الطريق الوحيد لبعث سورية من جديد.
رحم الله الفقيد الكبير، وألهم ذويه ورفاقه ووطنه الصبر والسلوان.
دمشق، 12 أيار 2026






