أَبُو مَمدُوح وَدَاعًا.. سَنَفتَقِدُكَ دَائِمًا

   محمد علي صايغ

                                                                   

السَيداتِ والسَادَةٌ الكِرَام

فِي حَيَاتِنَا رِجَالٌ يَدخُلُونَ التَّارِيخَ، وَيَترُكُونَ أَثَراً لَا يُنسَى بِحُضُورِهِم وَتأثِيرِهِم فِي أَوْسَاطِهِم، وَيَصنَعُونَ دَوَائِرَ مِنَ العَلَاقَاتِ حَولَهُمْ.

الأُستَاذُ حَسَنُ عَبدُ العَظِيمِ (أَبُو مَمدُوح) السِّيَاسِيُّ المُنَاضِلُ مِن هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ كَرَّسُوا حَيَاتَهُم مِنْ أَجلِ خِدمَةِ النَّاسِ وَالدِّفَاعِ عَن حُقُوقِهم، وَمُوَاجَهَةِ الاستِبدَادِ وَالظُّلمِ وَالفَسَادِ، للانتِقَالِ مِنَ الدَّولَةِ الأَمنِيَّةِ القَمعِيَّةِ إِلَى الدَّولَةِ الوَطَنِيَّةِ الدِّيمُقرَاطِيَّةِ.

عَايَشَ (أَبُو مَمدُوح) تَارِيخَ سُورِيَا مُنذُ الاستِقلَالِ بِكُلِّ مَرَاحِلِهِ وَمَفَاصِلِهِ، وُلِدَ فِي دِمَشقَ / حَلبُونَ ١٩٣٢، شَارَكَ فِي الجَبهَةِ الوَطَنِيَّةِ عَامَ ١٩٦٨ وَاعتُقِلَ ، وَعَمِلَ فِي التَّجَمُّعِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقرَاطِيِّ إِلَى جَانِبِ الدُّكتُورِ جَمَالِ الأَتَاسِيِّ الَّذِي تَأَسَّسَ عَامَ ١٩٧٩، وَأَصبَحَ النَّاطِقَ بِاسمِهِ عَامَ ٢٠٠٠. كَانَ أَحَدَ المُشَارِكِينَ فِي رَبِيعِ دِمَشقَ مِنْ عَامِ ٢٠٠١ إِلَى عَامِ ٢٠٠٥، كَمَا كَانَ مِنَ المُؤَسِّسِينَ لِهَيئَةِ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ لِقُوَى التَّغيِيرِ الدِّيمُقرَاطِيِّ عَامَ ٢٠١١، وَأَصبَحَ بِالتَّوَافُقِ المُنَسِّقَ العَامَّ لَهَا حَتَّى وَفَاتِهِ. كَمَا كَانَ مِنَ الدَاعْينَ والمُؤَسِسينَ للجَبهَةِ الوَطَنِيَةِ الدِيمُقرَاطِيَةِ( جُود ) عام ٢٠٢١ وتم منع الانعقاد للاجتماع الفيزيائي ” لجود ” من قبل السلطات السورية ، وشَارَكَ فِي الهَيئَةِ العُليَا لِلتَّفَاوُضِ لِقُوَى الثَّورَةِ وَالمُعَارَضَةِ الَّتِي انبَثَقَت عَنْ مُؤتَمَرِ رِيَاض ٢ لَم يَغِب عَن أَيَ مُظَاهَرةٍ أَو اِعتِصَام أو مُنتَدَى مِنَ المُنتَدَيَات في دٌمَشقَ رَافِعَاً صَوتَهُ ضِدَ الاِستٌبدَاد ، وَاِعتُقِلَ خِلَالَ مَسيرَتِهِ السِيَاسِيَة ثَمَانِي اِعتِقَالَاتٍ فِي سُجُونِ النِظَام وفُرُوعِه الأَمنِيَة .

يَتَّصِفُ أَبُو مَمدُوح بِصِفَاتٍ استِثنَائِيَّةٍ: ثَبَاتٌ فِي المَبدَأِ وَالمَوقِفِ، وَحُرِّيَّةٌ فِي اتِّخَاذِ القَرَارِ، مُعَارِضًا لَا يَلِينُ، لَا تُوهِنُ عَزِيمَتَهُ الضُّغُوطُ، وَلَا يَرضَخُ لِلتَّهدِيدِ أَو إِغرَاءِ المَنَاصِبِ، وَبَقِيَ طَوَالَ حَيَاتِهِ نَظِيفَ اليَدِ، وَلَم يَمُدَّ يَدَهُ لِلخَارِجِ، مُنَاضِلاً عَفِيفاً وَمُتَوَاضِعاً ، دَائِمَ التَفَاؤُلَ بإِنجَازِ التَّغيِيرِمِنَ اَلنِظَامِ البَائِدِ . وَسُجُونُ النِّظَامِ لَمْ تَزِدهُ إِلَّا إِصرَاراً وَثَبَاتاً عَلَى مَوَاقِفِهِ، وَقَنَاعَتِهِ بِضَرُورَةِ التَّغيِيرِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقرَاطِيِّ .

 وَقَفَ مَعَ الثَّوْرَةِ السُّورِيَّةِ مُنذُ انطِلَاقَتِهَا، وَتَمَسَّكَ بِالشِّعَارِ الَّذِي رَفَعَتهُ هَيئَةُ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ عَامَ ٢٠١١: «لَا لِلعُنفِ، لَا لِلطَّائِفِيَّةِ، لَا لِلتَّدَخُّلِ الخَارِجِيِّ، لَا لِلاِستِبدَادِ، وَنَعَم لِلحَلِّ السِّيَاسِيِّ السِّلمِيِّ لِتَجنِيبِ البِلَادِ القَتلَ وَالدَّمَارَ وَالخَرَابَ». مُعتَبِراً مَعَ رِفَاقِهِ أَنَّ عَسكَرَةَ الثَّوْرَةِ تَفتَحُ البَابَ أَمَامَ التَّدَخُّلِ الخَارِجِيِّ وَالصِّرَاعِ عَلَى النُّفُوذِ، مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّدَخُّلَاتِ الإِقلِيمِيَّةِ وَالدُّوَلِيَّةِ عَلَى الأَرْضِ السُّورِيَّةِ.

الأُستَاذُ حَسَنُ عَبدُ العَظِيمِ مُنَاضِلاً حُرّاً، وَحدَوِيّاً عُرُوبِيّاً فِكراً وَمُمَارَسَةً، حَارَبَ الفِئَوِيَّةَ وَالطَّائِفِيَّةَ وَكُلَّ شَكلٍ مِنْ أَشْكَالِ التَّميِيزِ وَالعُنصُرِيَّةِ، وَمَدَّ جُسُورَ التَّعَاوُنِ مَعَ كَافَّةِ الطَّيفِ السِّيَاسِيِّ الوَطَنِيِّ، وَمَدَّ بَصَرَهُ إِلَى المُؤتَمَرِ القَومِيِّ العَرَبِيِّ وَالمُؤتَمَرِ القَومِيِّ الإِسلَامِيِّ، وَكَانَ فَاعِلاً فِيهِمَا، يَتَحَرَّكُ بِفِكرٍ جَمعِيٍّ، فَكَانَ حَاضِناً لِكُلِّ الوَطَنِيِّينَ وَالقُوَى الوَطَنِيَّةِ بِحِوَارَاتٍ مُتَوَاصِلَةٍ تَدعُو لِلتَّجَمُّعِ وَالوَحدَةِ فِي مُوَاجَهَةِ قُوَى الاِسْتِبدَادِ وَالفَسَادِ.

وَكَانَ المَرحُومُ أَبُو مَمدُوح يَتَسَاءَلُ دَائِمًا: كَيفَ سَتَعُودُ السِّيَاسَةُ إِلَى المُجتَمَعِ بَعدَ سَنَوَاتِ التَّصَحُّرِ السِّيَاسِيِّ المَدِيدِ؟ وَبِأَيَّةِ ظُرُوفٍ وَشُرُوطٍ سَتَعُودُ؟ هَلْ سَتُبنَى كَفِعلٍ مُستَقِلٍّ حُرٍّ يَتَحَرَّكُ ضِمنَ المُجتَمَعِ وَيَتَمَظهَرُ بِتَكوِينِ حَرَكَاتِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ بِحُرِّيَّةٍ، أَم أَنَّ السِّيَاسَةَ لَن تَكُونَ إِلَّا كَإِطَارٍ هَامِشِيٍّ يُمنَحُ وَيُضبَطُ بِأَوَامِرَ عُليَا؟

وَتَأسيسَاً عَلَى ذَلِكَ كَانَ يَرَى أَنَّ الاِنتِقَالَ مِنَ الاِستِبدَادِ إِلَى النِّظَامِ الدِّيمُقرَاطِيِّ التَّدَاوُلِيِّ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَبرَ تَوَافُقٍ وَطَنِيٍّ عَامٍّ، وَفقَ أَرضِيَّةِ المُوَاطَنَةِ المُتَسَاوِيَةِ لِلجَمِيعِ، وَعَلَى أَسَاسِ مَبدَأِ التَّشَارُكِيَّةِ المُجتَمَعِيَّةِ، وَعَبرَ فَتحِ أَبوَابِ الحِوَارِ عَلَى مِصرَاعَيهِ، وَمُشَارَكَةِ السُّورِيِّينَ يَداً بِيَدٍ مِن أَجلِ بِنَاءِ سُورِيَا الجَدِيدَةِ: سُورِيَا الحُرَّةِ المُوَحَّدَةِ المُستَقِلَّةِ، الَّتِي تُرَسِّخُ دَعَائِمَ العَدَالَةِ وَحُكمِ القَانُونِ، وَتَمضِي عَلَى طَرِيقِ التَّقَدُّمِ وَالنَّهضَةِ.

إِنَّنَا فِي هَيئَةِ التَّنسِيقِ الوَطَنِيَّةِ لِقُوَى التَّغيِيرِ الدِّيمُقرَاطِيِّ فِي سُورِيَا نُعَبِّرُ عَنْ حُزنِنَا العَمِيقِ لِوَفَاةِ مُنَسِّقِهَا العَامِّ الأُستَاذِ حَسَنِ عَبدِ العَظِيمِ، ونُعَزي حِزبَه الاِتِحَاد الاِشتِرَاكِي العَرَبِي الدِيمُقرَاطِي وَرِفَاقَ دَربِهِ وأُسرَتُه وأَصدِقَائَه  ،وَنَرجُو مِنَ اللَّهِ الرَّحمَةَ وَالغفِرَانَ لَهُ، وَنَسأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَهُ فِي عَلِّيِّينَ، وَأَن يُسكِنَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ.

والسلام عليكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى