
أطلق السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)، سلسلة من الأحداث التي لم يكن يتصورها أحد، خصوصاً مَن خططوا لتلك العملية وشاركوا فيها. حرب إبادية طويلة ما زالت مستمرة في غزة، وحرب تالية اتسع نطاقها ليغطي منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وبتبعات كوكبية بحيث لم تترك ركناً من العالم لم تصل إليه. سلسلة الحروب التي أدعى نتنياهو أنها ستغير وجه الشرق الأوسط، يبدو أنها تغير العالم بأكمله.
في حرب بعد الأخرى في منطقتنا، يتبدى الوهن الإمبراطوري. قاد الديمقراطيون في إدارة بادين محرقة غزة، بتواطؤ من الحكومات الحليفة، لتفقد الإمبراطورية رصيداً هائلاً من قوتها الناعمة، أي ما بقى من ادعائها الأخلاقي، لا في الأطراف فقط بل في قلبها.
وبعد ذلك جاء الجمهوريون، في ولاية ترامب الثانية، ليخصم من رصيد قوتها الصلبة. فبالرغم من فائض القوة الهائل لدى الولايات المتحدة، يتضح أكثر وأكثر حدود العنف العسكري، بعد أن وصلت الحملة الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران إلى طريق مسدود. ذلك الوهن الذي يصيب أشكال القوى المختلفة للإمبراطورية، فإنه أيضاً عابر للحدود الحزبية في واشنطن، ولا يتعلق بولاية رئيس بعينه، بل يبدو وكأنه يشمل النخبة السياسية الأميركية برمتها ومؤسساتها الحاكمة، كما يشمل النخب السياسية للحلفاء الغربيين، وبالأخص في أوروبا. لم تسبب حروب ما بعد السابع من أكتوبر ذلك الوهن، بل كانت المحك التاريخي الذي كشفه للعيان بأكثر الطرق وضوحاً.
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، صارت العولمة مرادفاً للإمبراطورية. أسس انفراد الولايات المتحدة بقيادة عالم أحادي القطب لتوحيد الأخلاق المعيارية حول العالم. بمعنى آخر، صارت القيم الأميركية هي المرجع السائد للممارسات اليومية للأفراد، وكذلك لبنية المؤسسات الرسمية الوطنية والدولية، ومعها هيئات المجتمع المدني حول العالم. تلك الهيمنة الأيديولوجية سارت بالتوازي مع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على الجميع بالقوة أو بمجرد التلويح بها، وبضمان حركة شبه حرة للبضائع ورؤس الأموال والأيدي العاملة في سوق مفتوح. تلك الحركة التي تتعرض اليوم للتهديد بشكل غير مسبوق.
في غزة تعرض الاحتكار الغربي للأخلاق وتمظهراتها المؤسسية لهزة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. لم تكن الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركيا في القطاع أول الحروب الإمبراطورية المفتقدة للشعبية، لكن الاستعراضات البربرية للقتل الجماعي ضد السكن العزل، التي استمرت لمدة أكثر من عامين وظلت تبث على شاشات الهواتف على مدار الساعة بلا هدف سياسي واضح، كان لا يمكن تبريرها ولا فهمها سوى في إطار فقدان المركز الإمبراطوري لرشده بالكامل في لحظة تاريخية من الجنون الإبادي. طال الضرر منطق القانون الدولي وسلطته والمؤسسات الأممية وفي القلب منها هيئات العدالة. علاوة على ذلك، استدعى قمع الاحتجاجات الداخلية في الغرب ضد الإبادة في غزة استخداماً مفرطاً في القوة ضد المواطنين الغربيين وتعليقاً للحريات الأساسية التي لطالما كانت محوراً للتفوق الأخلاقي للغرب ولنموذج الديمقراطيات الرأسمالية.
تكشف الحرب الجارية اليوم في الخليج العربي عن عجز الولايات المتحدة عن فرض إرادتها بالقوة العسكرية. تصريح المستشار الألماني بأن الولايات المتحدة تعرضت للإذلال في المفاوضات مع الإيرانيين، هو أمر غير مسبوق وله دلالاته العميقة. يرفض الحلفاء الغربيون دعم العمليات الحربية في مضيق هرمز، وتجد واشنطن نفسها في عزلة استثنائية. أما الحلفاء في الخليج فيبدو أنهم في حاجة لمراجعة استراتيجياتهم الأمنية طويلة المدى. فالقواعد الأميركية بدلاً من أن تكون مصدراً للأمن أضحت مصدراً للتهديد. الهجوم الإيراني الأخير على أهداف في الإمارات العربية، من دون رد عسكري أميركي، بل ومع إلحاح من واشنطن على أن وقف إطلاق النار ما زال سارياً، علامة أخرى على هشاشة الضمانة الإمبراطورية.
لا يعني هذا كله أن الهيمنة الأميركية على وشك الانهيار، فالوهن الإمبراطوري قد يكون طويلاً ومؤلماً ومفعماً بالعنف.
المصدر: المدن






